الفصل 62: 62
62
الفصل الثاني والستون
كان طويل القامة، وقد تغيّرت هيبته بالكامل إلى درجة يصعب معها تصديق أنه الشخص نفسه.
وجهه الذي كانت تضطر لرفع رأسها لرؤيته ظل شاحبًا كما كان من قبل، لكن الحياة والدفء أصبحا ظاهرين فيه الآن أما خط فكّه الحاد وأنفه المرتفع، فقد ازدادا وضوحًا عما كانا عليه في الماضي، مما أضفى على وسامته اللافتة حضورًا أكثر قوة.
وكان جسده، الملفوف ببدلة أنيقة نظيفة، يشع بقوة هادئة يمكن الشعور بها بمجرد النظر إليه.
لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في مظهره بل في السبب الذي جعله يقف أمامها أصلًا.
عندما ابتسم لها بتلك السهولة، سرت قشعريرة باردة في أنحاء جسد يوريسييل. كانت ابتسامة تذكّرها بأنها ما زالت داخل قبضته، مهما ابتعدت أو حاولت الهرب.
وكأن كابوسًا من ثلاثة أعوام مضت عاد إلى الحياة من جديد.
بدا كل ما حولها بطيئًا، وكأن الزمن نفسه أصبح متثاقلًا.
والشيء الوحيد الذي بدا حقيقيًا هو وجوده أمامها.
لم تستعد صفاء ذهنها إلا عندما انتقلت نظراته إلى والدتها الواقفة بجانبها عندها فقط أدركت مجددًا أنها ما تزال تمسك بيد أمها.
حاولت إخفاء ارتجاف جسدها، لكن مهما بلغت قوة إرادتها، كانت غرائزها أسرع منها.
“إيل؟”
عندما سمعت لقبها الذي تناديها به والدتها، استدارت ببطء نحوها.
“من هذا الرجل؟”
كان صوت أمها خافتًا كهمسة، لكنه مرتفع بما يكفي ليسمعه كاسيان على الأرجح فسارعت يوريسييل إلى النظر إليها، ثم أشارت لها بلطف أن تلتزم الصمت.
وقفت جين متجمدة في مكانها، لا تدري ماذا تفعل، بينما راحت يوريسييل تتحرك بقلق واضح إلى جوارها.
راقبهما كاسيان بعينين تحملان مسحة من التسلية.
بدت عيناه الحمراوان مسترخيتين ظاهريًا، لكن خلف ذلك الهدوء كان هناك شيء حاد، شيء يشبه مفترسًا يراقب فريسته.
التقت نظرات يوريسييل بعينيه، فانحبس نفسها وهي تبتلع ريقها بصعوبة.
لقد فقدت والدتها كثيرًا من ذكريات السنوات الثلاث الماضية.
وكان من أوائل الأشخاص الذين نسيتهم ألفونس، ذلك النبيل الذي هربتا منه يومًا خوفًا. ولو طرح كاسيان أي سؤال الآن، فلن تتمكن والدتها من الإجابة.
وحينها سينكشف سر آخر، ويوريسييل لم تكن تريد له أن يعرف أي شيء إضافي عنها.
ماذا لو علم بالتشخيص الذي حصلت عليه والدتها اليوم؟
لم تكن تعرف كيف ستكون ردة فعله أو ربما في أعماقها كانت تعرف.
لقد فهمت دائمًا معنى أن يمنحها حبة دواء واحدة فقط كل شهر.
بالنسبة له، لم تكن سوى لعبة مثيرة للاهتمام.
والألعاب يجب أن تبقى مسلية كي لا يفقد اهتمامه بها.
فإن أدرك أنها لم تعد بحاجة إلى التوسل إليه من أجل المساعدة فربما يفقد اهتمامه نهائيًا وعندها ماذا سيحدث؟
كابحت ارتجاف ساقيها بصعوبة، ثم رسمت ابتسامة لوالدتها وهمست بهدوء:
“اذهبي أولًا يا أمي. إنه شخص أعرفه.”
وعندما سمعت جين صوت ابنتها الهادئ، ترددت للحظة ثم أومأت برأسها وبدأت تبتعد، حريصة على ألا تتدخل.
توقفت لوهلة أمام الرجل الذي تراه لأول مرة ثم انحنت له تحيةً بأدب وعندما رفعت رأسها مجددًا، تأملت مظهره.
البدلة المخملية الفاخرة وربطة العنق المرتخية حول عنقه أوحتا بأنه شاب ينتمي إلى إحدى العائلات النبيلة.
لكن لماذا يقف شخص كهذا أمام ابنتها؟
منذ انتقالهما إلى العاصمة، بقيت جين قريبة من يوريسييل دائمًا.
وقد لاحظت نظرات بعض الرجال إليها، كانوا في الغالب أبناء عائلات نبيلة نافذة. ورغم أن أحدًا منهم لم يجرؤ على الاقتراب منها بسبب منصبها الرسمي، فإن ذلك لم يمنع جين من القلق.
فهل كان هذا الرجل واحدًا منهم أيضًا؟
وبينما كانت هذه المخاوف تملأ عينيها، انحنى كاسيان لها بدوره بأدب لا تشوبه شائبة.
كانت تحيته متقنة وراقية إلى حد منحها شيئًا من الاطمئنان.
فمن الواضح أن هذا الاحترام لم يكن مجرد مظهر فارغ، بل نتيجة تربية وتعليم حقيقيين وبالطبع، لم تكن جين تعلم أن هذا الرجل هو وريث عائلة بلانشيت.
وبعد أن شعرت بشيء من الارتياح، رحلت بهدوء واختفت داخل القصر الإمبراطوري. ولم يظهر الارتجاف الخفيف على شفتي يوريسييل إلا بعد اختفاء والدتها تمامًا عن الأنظار.
وبدا أن كاسيان وجد رد فعلها مسليًا للغاية.
فالابتسامة المهذبة التي ارتسمت على وجهه قبل قليل اختفت سريعًا، وحلّت محلها ابتسامة أكثر عبثًا ومكرًا.
“لا تبدين سعيدة جدًا برؤيتي.”
انحنى قليلًا نحوها وخفض صوته بحيث لا يسمعه سواها.
“لقد مرت ثلاث سنوات.”
تلألأت عيناه الحمراوان وهو يراقب ارتجاف جسدها.
نعم، ثلاث سنوات كاملة.
ثلاث سنوات منذ آخر مرة رأى فيها ذلك الحلم.
الحلم الذي قبّلته فيه بينما كان المطر يهطل بهدوء في الخلفية.
لقد تغيّرت الفتاة التي كانت ترتجف دائمًا أمامه.
فالهيئة الرقيقة التي بدت يومًا كغصن هش، أصبحت الآن امرأة فاتنة أنيقة، والفتاة التي اعتادت إخفاء شعرها الأحمر تحت وشاح أصبحت تجمعه بعناية داخل غطاء شبكي مرتب. وقد فعلت ذلك دون أن تستأذن منه حتى وكأنها نسيت كل ما حدث في ألفونس.
كان قفا عنقها الشاحب، المنكشف أسفل خصلات الشعر الملفوفة بإحكام، يبدو هشًا إلى درجة توحي بأنه قد ينكسر بلمسة واحدة أما في نظر كاسيان فقد بدت كفريسة صامتة تدعوه إلى أن ينهشها.
ارتسمت ابتسامة مائلة على شفتيه ومد يده دون تردد ثم جذب الغطاء الشبكي من شعرها فانسدلت خصلاتها الحمراء الناعمة فوق كتفيها كالشلال واختفى العنق الذي كان مكشوفًا قبل لحظات داخل ذلك الشعر القرمزي.
راقب المشهد برضا هادئ ثم قال بصوت منخفض:
“الآن فقط أصبحتِ جديرة بالنظر إليها.”
ارتجف جسد يوريسييل النحيل كما لو كان على وشك التحطم.
لم تصدق ما سمعته للتو، لقد أفسد تسريحة شعرها التي رتبتها بعناية ثم أخبرها أنها تبدو أجمل هكذا.
بقيت عيناه مثبتتين عليها، هادئتين من الخارج وعاصفتين من الداخل ومع ذلك لم يتغير تعبير وجهه.
كما كان دائمًا، متماسكًا ومستحيل القراءة.
“أبقيه هكذا من الآن فصاعدًا، تبدين أجمل بهذه الطريقة.”
وبعد أن ألقى كلماته الأخيرة، استدار ورحل تاركًا إياها خلفه.
عندها فقط شعرت يوريسييل بأن القوة تغادر ساقيها.
فهبطت ببطء إلى الأرض وأطلقت الزفير الذي كانت تحبسه طوال الوقت.
ثلاث سنوات، لقد ظنت أنه بعد كل هذا الزمن سينساها ويصبح رجلًا أكثر نضجًا ورقيًا.
صحيح أن مظهره تغيّر بالكامل لكن داخله لم يتغير على الإطلاق.
وباختصار شديد ما زال أنانيًا ومتقلبًا كما كان. منذ أيام ألفونس، مرورًا بجزيرة إيبروز وحتى العاصمة الآن لم يتغير شيء.
وعندما تذكرت ابتسامته الملتوية، خمّنت أن ارتجافها كان قد أمتعَه وبطريقة ما ربما كان ذلك مصدر راحة لها. فهذا يعني أنه ما زال يبدي بعض الاهتمام بها وهذا يعني أنها ما زالت قادرة على البقاء.
أجبرت نفسها على الوقوف من جديد.
ثم بدأت تسير نحو مقر إقامتها داخل القصر إلى ذلك المكان الدافئ الهادئ حيث تنتظرها والدتها.
***
أما الموكب، فظل في مكانه ينتظر كاسيان رغم أنه اختفى فجأة دون أن يشرح شيئًا. تبادل الكثيرون النظرات متسائلين عن وجهته لكن أحدًا لم يجرؤ على السؤال باستثناء تيوبه.
“إلى أين ذهبت بالضبط؟”
أجاب كاسيان بهدوء:
“كان هناك مهر شارد احتجت إلى الاطمئنان عليه.”
مهر؟ حقًا؟ وهو الرجل الذي لم يربِّ حيوانًا أليفًا واحدًا طوال حياته وإن الناس كانوا يصفونه بالبارد عديم المشاعر لأنه لا يتعلق بأي كائن حي.
وبالطبع، كان تيوبه يفهم ما يقصده فالأمر لم يكن يتعلق بمهر.
تنهد وهز رأسه، بينما شد كاسيان اللجام وانطلق إلى الأمام.
وسارع الفرسان، ومن بينهم تيوبه، إلى اللحاق به.
وخلال الطريق نحو القصر، ارتسمت على وجه كاسيان ابتسامة نادرة ومع كل ارتطام لحوافر الحصان بالأرض، كانت الرياح تعبر وجهه وفي قلب تلك الرياح، عادت صورة يوريسييل لتستقر في ذهنه كنسمة عابرة.
لقد جعل مظهرها الراقي الآن سخرية من كل أولئك العلماء الذين ربطوا النبل والرقي بالأصل الاجتماعي.
أما عيناها فقد بدتا وكأنهما اختزلتا ندى الصباح كله داخلهما.
وتذكر ارتجافهما والأمواج العميقة التي تحركت فيهما، فشعر بمتعة غريبة ثم بدأت أفكاره تنزلق إلى أماكن أقل لياقة.
ذلك العنق الرشيق بدا وكأنه سينكسر بمجرد لمسه وتخيل خصرها النحيل المختبئ تحت الملابس فتوترت ساقاه قليلًا.
‘اللعنة.’
لقد كانت أجمل بكثير من كل ما تخيله خلال السنوات الثلاث الماضية، جميلة إلى درجة بدا معها أي خيال سابق تافهًا بالمقارنة.
وانفلتت منه ضحكة خافتة مشوبة بالدهشة.
وبحلول ذلك الوقت، كان الحصان الأبيض قد وصل بالفعل إلى قصر بلانشيت العظيم.
مسح كاسيان الابتسامة عن وجهه وكأنها لم تكن موجودة أصلًا، ثم ترجل عن حصانه.
مرت ثلاث سنوات منذ أن وطئت قدماه العاصمة، لكن قصر بلانشيت ظل مثاليًا كما كان دائمًا. من الحدائق إلى البحيرة كل شيء حافظ على رونقه دون أدنى تغيير. وفي داخل القاعة الكبرى، اصطف جميع الخدم لاستقبال سيدهم الشاب العائد.
وما إن دخل كاسيان حتى انحنوا جميعًا بزاوية تسعين درجة في لحظة واحدة.
كشفت الصفوف الطويلة المصطفة عن هيبة اسم بلانشيت ونفوذه وفي منتصف القاعة وقفت السيدة إليز، والدته.
وحين رأت ابنها الذي أصبح رجلًا كامل النضج، ارتسمت على شفتيها ابتسامة أنيقة هادئة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.