الفصل 61: 61
61
الفصل الواحد والستون
سواء كان الطبيب يدرك حجم العذاب الذي كانت تعيشه يوريسييل أم لا، فقد فتح فمه ببطء وقال:
“إذا واظبت والدتكِ على تناول الدواء لمدة عام كامل، فستتعافى تعافيًا تامًا.”
امتلأت عينا يوريسييل بالدموع على الفور.
تعافٍ تام، كان أمرًا لم تجرؤ حتى على تخيّله يومًا. لقد كانت تظن أن إطالة عمر والدتها بالأدوية وحدها نعمة تستحق الامتنان أما الآن، فقد بدا الأمر وكأنها أبصرت أخيرًا الضوء في نهاية نفق طويل مظلم.
عجزت عن الكلام، وحين استطاعت أخيرًا، خرج صوتها مرتجفًا لا إراديًا.
“حقًا… هل هذا صحيح؟”
“نعم، صحيح.”
أجاب الطبيب، المشهور بمهارته، بهدوء معتاد، وكأنه رأى عشرات الحالات المشابهة من قبل.
حتى كلماته التالية جاءت خالية من أي انفعال.
لم يملأ الغرفة سوى صوت بارد عقلاني.
“بعد أن تتعافى وتتوقف عن تناول الدواء، ستبدأ ذاكرتها بالعودة تدريجيًا. ولكن…”
ترك عبارته معلّقة في الهواء، فعادت الجدية إلى وجه يوريسييل مجددًا. وراح الطبيب يحدّق بها بنظرة هادئة متفحصة.
“هناك أمر بالغ الأهمية يجب أن تتذكريه.”
“احتياط معين؟”
تحركت عينا يوريسييل بقلق، وكان مظهرها قد لفت انتباه فيتنريور بالفعل. فستان رخيص الثمن، لا تاج يزين رأسها، وشعر مرفوع على عجل، كل شيء فيها كان يدل بوضوح على أنها ليست سيدة نبيلة أما غياب اسم عائلة نبيل، فقد أكد ذلك تمامًا.
لكن إن كانت كذلك، فكيف استطاعت الحصول على هذا الدواء النادر الباهظ؟
كان من الصعب للغاية تأمينه، كما أن ثمنه فاحش بل إن بضع حبات منه قد تساوي ثمن منزل كامل ولهذا السبب كان معظم أولياء المرضى يستسلمون في النهاية يائسين.
لذلك فوجئ الطبيب عندما رأى عينيها تلمعان فور سماعها أنها تحتاج إلى عام إضافي من العلاج.
فمهما كانت طريقتها في تأمين الدواء، كان واضحًا من نظرتها أنها واثقة تمامًا من قدرتها على الاستمرار في الحصول عليه.
كانت هناك أمور كثيرة مثيرة للريبة لكن ذلك لم يكن من اختصاص فيتينريور واجبه الوحيد هو شرح التحذيرات اللازمة.
“خلال العام القادم، يجب ألا يتوقف الدواء تحت أي ظرف كان. إذا انقطع العلاج، فقد يكلفها ذلك حياتها.”
كرر الطبيب تحذيره مرات عدة، مؤكدًا بحزم ضرورة الاستمرار في تناول الدواء دون انقطاع.
ولم يكن لدى يوريسييل ما تتردد بشأنه. ففي الماضي، كانت مستعدة لربط حياتها كلها بالسيد الشاب إلى أجل غير معلوم، دون أي وعد بالأمل أما الآن، فقد تقلص ذلك الزمن إلى عام واحد فقط.
‘يمكن لأمي أن تتعافى، يمكن أن تُشفى حقًا.’
شعرت يوريسييل وكأن جسدها يطفو في الهواء.
واصل الطبيب سرد المزيد من الاحتياطات بصوته الجاف، لكن شيئًا منها لم يصل إلى سمعها.
بعد خروجها من غرفة الفحص، اتجهت بخطوات خفيفة نحو والدتها. كانت جين عاجزة عن إخفاء قلقها، حتى عندما رأت الابتسامة المتفتحة على وجه ابنتها.
لطالما حاولت يوريسييل أن تبدو مرحة أمام والدتها.
لقد أصبح ذلك عادة راسخة لديها.
وتساءلت جين إن كان الأمر هذه المرة كذلك أيضًا.
“أمي.”
رفعت يوريسييل رأسها وهي تمسك يد والدتها بقوة.
وامتلأت عيناها الزمرديتان بابتسامة دامعة نادرة.
“قالوا إذا واصلتِ تناول الدواء لعام واحد فقط فستُشفين تمامًا.”
لم تستطع إكمال الجملة، اختنق صوتها بالمشاعر.
أما الجزء المتعلق بعودة الذكريات، فقد احتفظت به لنفسها.
فوالدتها لا تدرك أصلًا أنها تعاني من فقدان الذاكرة.
ولم ترفع يوريسييل رأسها مجددًا إلا بعدما أصبح صوتها مبحوحًا.
كانت عيناها ممتلئتين بوالدتها.
وفي لحظة ما، كانت جين هي من شدّت على يد ابنتها.
لقد كانت تشعر بالأسف تجاه يوريسييل، التي بقيت دائمًا إلى جانبها، تتحمل الألم بصمت.
ومع ذلك كانت هناك أوقات لا تتعرف فيها حتى على ابنتها.
لم تخبر جين يوريسييل بهذا الأمر قط لكنها كانت تحتفظ سرًا بمذكرات يومية.
بدأت كتابتها منذ اللحظة التي بدأت فيها ذاكرتها بالتلاشي، واستمرت حتى في الأيام التي كانت لا تزال فيها بكامل وعيها.
وقد أدركت أن هناك خطبًا ما عندما كادت تفقد الحجر الذي كانت تتمسك به كما لو كان شريان حياتها. ذلك الحجر الهدية التي تلقتها من والد يوريسييل ولحسن الحظ، عاد إليها في النهاية.
لكن مجرد تذكر ذلك اليوم كان كفيلًا بإغراقها في عرق بارد.
حتى عندما أصبحت أفكارها مشوشة، واصلت الكتابة بدافع العادة بل تحولت الكتابة إلى ما يشبه الهوس.
ومنذ أن بدأت ذاكرتها تضعف، شعرت جين بأن الموت يقترب منها شيئًا فشيئًا.
وكانت كثيرًا ما تتساءل:
ماذا سيحدث لابنتها الصغيرة الجميلة بعد رحيلها؟
غالبًا لم تكن يوريسييل تعلم أن والدتها أدركت ما كان يحدث لعقلها منذ وقت طويل. وكانت جين قد اتخذت قرارها بالفعل.
عندما يحين وقتها ستخبر ابنتها بكل ما تعرفه عن والدها.
ولهذا السبب وافقت فورًا عندما أصرت يوريسييل على زيارة الطبيب اليوم فقد ظنت أن الوقت قد حان لكي تستعد هي وابنتها للنهاية. كانت تعرف جيدًا كم عانت يوريسييل حتى التحقت بالأكاديمية الإمبراطورية بوصفها الطالبة الأولى. كانت تسهر الليالي بأكملها تدرس وتهمس بالملاحظات لنفسه وأحيانًا تكرر كل ما حفظته في الظلام دون أن تشعل مصباحًا واحدًا.
كانت جين تدرك أنها هي نفسها السبب الذي حرم ابنتها من السعادة بل إنها فكرت مرارًا في أن تطلب من ابنتها أن تتخلى عنها.
أن تتركها ترحل، حتى لو اضطر الطبيب إلى قول ذلك بنفسه.
لكن شفاء تام؟ هل يمكن أن يكون ذلك صحيحًا حقًا؟
أم أنها مجرد كذبة لطيفة أخرى اختلقتها ابنتها لتطمئن قلبها؟
بينما كانت غارقة في أفكارها، واصلت يوريسييل الحديث بحماس عن المستقبل.
“حين تتحسنين، لنذهب في رحلة إلى جزيرة ليسوريتو. وبعدها إلى مملكة راينسوبر. وربما إلى أماكن أخرى أيضًا…”
كانت تلك أول مرة تسمع فيها جين ابنتها تتحدث بذلك القدر من الحماس والأمل.
يوريسييل، التي بدت دائمًا أكثر نضجًا من عمرها الحقيقي، كانت الآن تبتسم بسعادة خالصة، ووجهها يشرق بالحياة لأول مرة.
لقد بدت أخيرًا فتاة في عمرها.
هل يمكن حقًا أن يحدث هذا؟ هل يمكن أن تُشفى تمامًا؟
تأملت جين وجه ابنتها مرات عديدة ثم أمسكت يدها بقوة وهي تحبس دموعها. وما إن خرجت الأم وابنتها إلى الشارع، حتى اعترض طريقهما موكب مهيب.
كان الفرسان يتقدمون حاملين رايات تحمل شعار عائلة بلانشيت.
وخلفهم سار عدد كبير من الخدم والمرافقين في استعراض مبهر.
أما سكان العاصمة، فقد احتشدوا على جانبي الطريق على أمل إلقاء نظرة على الابن النبيل العائد.
راقبت يوريسييل المشهد بشرود وهي تمسح دموعها.
لقد ظنت أن كل ذلك أصبح من الماضي.
قبل لحظات فقط كانت تشعر وكأنها تحلق بين الغيوم أما الآن، فقد أعادها الواقع إلى الأرض بعنف. ما زالت بحاجة إلى عام كامل من الدواء وخلال ذلك العام، يجب أن تبقى يقظة.
تردد تحذير الطبيب في ذهنها.
‘مهما حدث، لا يجب أن يتوقف العلاج.’
وحين رأت شعار عائلة بلانشيت منقوشًا بوضوح على الراية، حبست أنفاسها.
لم يكن هناك سبب حقيقي لتتجنبه لكن الشخص الوحيد الذي لم ترغب في رؤيته حقًا كان السيد الشاب.
فمواجهة الرجل الذي جعلها تنطق بأول كذبة في حياتها، كانت أشبه بنبش شوكة مغروسة تحت ظفرها.
حتى الآن، كانت لا تزال تكتب له رسائل مليئة بكلمات لم تعد صادقة. صحيح أنها كانت تتجنب عبارات التملق، وتملأ الرسائل بأخبار مملة لم يطلبها أصلًا لكن ذلك لم يغيّر حقيقة أنها كانت تخدعه.
بالطبع، الجزء الذي كانت تتمنى فيه عودته سالمًا كان صادقًا تمامًا.
لكن بالنسبة لها، كان شخصًا ينبغي أن يبقى على الجانب الآخر من الرسائل، شخصًا لن تبلغه أبدًا في الواقع وهكذا يجب أن يكون الأمر فهو وريث عائلة بلانشيت وسيصبح قريبًا رب العائلة القادم.
وعليه أن ينسى الماضي ويعيش بكرامة تليق بمكانته.
نعم، الماضي.
كان من المفترض أن تكون هي مجرد جزء من ذلك الماضي.
لكن إذا أصبحت فعلًا مجرد ذكرى من ماضيه، فهل سيبقى لديه سبب ليواصل إعطاءها الدواء؟
وإذا تعامل مع الأمر وكأنه لم يحدث يومًا فماذا ستفعل حينها؟
لقد مرت ثلاث سنوات ومع ذلك، حتى دون أن تراه، ظل يظهر في أحلامها ككابوس متكرر. في الحلم، كانت تخبره بأنها تحبه ثم تقبله بينما يتساقط المطر بهدوء من حولهما.
ثلاث سنوات كاملة مرت ومع ذلك، لم تتلاشَ ملامحه من ذاكرتها ولو قليلًا.
حتى الآن، مجرد التفكير به كان يجعل قلبها يخفق بعنف وأنفاسها تضطرب.
وفي الأفق، لمحت حصانًا أبيض يقترب ببطء.
كان هيكله الطويل يتماوج داخل رؤيتها الضبابية المبللة بالدموع.
وتساءلت دون إرادة:
‘كيف أصبح السيد الشاب الآن؟ هل ما زال كما كان قبل ثلاث سنوات؟’
لكن فضولها لم يكن أقوى من خوفها.
“أمي، هيا من هذا الطريق.”
أمسكت يد جين بإحكام وبدأت تشق طريقها بين الحشود وكأنها تهرب وفي الخلف، دوّى صوت ينادي بإلحاح:
“سيدي الشاب!”
لكن يوريسييل لم تسمعه واصلت السير أسرع فأسرع حتى كادت تركض. وفي النهاية اضطرت جين إلى إيقافها، فمدّت يدها وأمسكت بذراعها.
ولم تستفق يوريسييل من ذعرها إلا عندما رأت والدتها تلهث من التعب.
نظرت حولها، وحين تأكدت من عدم وجود أحد قريب، أطلقت زفرة طويلة وقدمت لوالدتها ابتسامة صغيرة ثم تابعتا السير مجددًا.
هذه المرة ببطء وهدوء وكأن شيئًا لم يحدث.
في الحقيقة على الأرجح أنه لم يرها أصلًا وحتى لو رآها، فربما لن يهتم فلماذا كانت هي الوحيدة التي تتصرف بهذه الطريقة؟
للحظة، بدا لها الأمر كله مثيرًا للسخرية.
وحين انعطفتا عند أحد المنعطفات، ظهر أمامهما الباب الرئيسي الضخم للقصر الإمبراطوري، كان الطريق المؤدي إلى مقر إقامتهما لكن ما إن خطت خطوة أخرى حتى امتد ظل طويل عبر طريقها. رفعت رأسها وتجمدت في مكانها.
الشخص الذي حاولت الهرب منه بكل ما أوتيت من قوة كان يقف أمامها مباشرة.
كاسيان دي بلانشيت.
حدقت فيه غير مصدقة، وقد شلّتها الصدمة عن الحركة.
وكأنه أراد أن يثبت لها أنه حقيقي بالفعل، تحدث بصوت خافت:
“مر وقت طويل.”
انساب صوته العميق تحت أشعة الشمس، هادئًا وناعمًا، كأنه موجة لطيفة ارتطمت بقلبها.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.