مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 60: 60نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 60: 60

60

الفصل الستون 

كان هايل يراقب يوريسييل بصمت، ثم بدأ فجأة يتحدث بنبرة أكثر خفة، وكأن شيئًا لم يحدث، وأعطاها ملخصًا مقتضبًا عن حياته خلال السنوات الثلاث الماضية لكن حتى أفضل ما حدث له في تلك السنوات لم يكن يكفي إلا لثلاث جمل قصيرة. 

بمحض ضربة حظ، نجح في الامتحان. 

وبضربة حظ أخرى، وجد أن العمل هنا يناسبه. 

وبما وصفه بفرصة سعيدة إضافية، أتيحت له فرصة رؤيتها مجددًا. 

ارتجف صوته قليلًا أثناء حديثه، لكنه بذل قصارى جهده لإخفاء ذلك. 

“إذًا… ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟” 

سألها. 

وبالوجه ذاته الذي عرفه قبل سنوات، شرعت يوريسييل تشرح بهدوء كل ما جرى لها منذ آخر مرة افترقا فيها. 

وأثناء استماعه، اشتعل الغضب في داخله عندما تحدثت عن الأيام التي قضتها تحت سلطة اللورد السابق. كما فوجئ حين علم أنها اجتازت امتحان الإدارة الإمبراطوري في المركز الأول، وشعر بسعادة هادئة لأنها حققت حلمها أخيرًا. 

ومع ذلك، احتفظ بكل تلك المشاعر في أعماقه. 

لقد تعلم درسه، فالاقتراب منها مجددًا لن يجلب لها سوى الألم. 

قال هايل: 

“على أي حال… لقد مضى وقت طويل حقًا منذ آخر لقاء بيننا.” 

أومأت يوريسييل برفق. 

“نعم. كنت قلقة عليك. من الجيد أن أراك بخير. آمل أن نستطيع التوافق والعمل معًا.” 

كانت عيناها مختلفتين عما يتذكره، بدتا كليلٍ خالٍ من النجوم. 

ساكنتين ومظلمتين. 

أجبر هايل نفسه على صرف نظره عنها. 

لم يكن هناك أي شيء يمكنه قوله اليوم ليخفف عنها. 

ترددت أصداء خطواته في الممر بينما ابتعد، ولحقت به خطواتها الأخف صوتًا. 

توقف أمام إحدى الغرف وأشار إليها بالدخول وقال: 

“سيأتي أحدهم بعد قليل.” 

“من؟” 

“كل مشروع يحتاج إلى موافقة المسؤول روبرت من برج السحرة. إنه الشخص المسؤول عن ذلك.” 

كان روبرت معروفًا بصرامته وصعوبة التعامل معه. 

وقليل جدًا من الغرباء حصلوا على موافقته في السابق. 

وعادةً لم يكن يملك فرصة حقيقية سوى أصحاب المناصب الإمبراطورية الرفيعة أو من يحملون أوامر مباشرة من كبار النبلاء. 

بمعنى آخر لن يكون من السهل على يوريسييل الحصول على موافقته. 

ومع ذلك، خرج هايل بهدوء، متمنيًا لها النجاح من أعماق قلبه. 

كان يأمل أن تنجح فعندها ربما تسنح له فرصة رؤيتها بصورة متكررة داخل برج السحرة. 

***

انتظرت يوريسييل وقتًا طويلًا قبل وصول المسؤول روبرت. 

فقد كانت فترة الاختبارات في أوجها، مما جعل البرج يعج بالحركة والانشغال ومن مكان جلوسها، كانت تسمع أصوات السحرة المارين في الممرات. 

خارج البرج، كان الناس يصفون السحرة عادة بأنهم علماء مهووسون فقدوا عقولهم في مطاردة السحر والطموح لكن المواضيع التي كانت تتردد هنا بدت طبيعية على نحو مدهش. 

دوق ما قدّم ابنته الثانية إلى المجتمع الراقي، وابن أحد النبلاء اعترف لها بحبه، وسيدة نبيلة من إقليم كافالييه وضعت عينها على وريث شاب مشهور. 

أغمضت يوريسييل عينيها للحظة ثم فتحتهما ببطء، تاركة تلك الأحاديث التافهة تتلاشى في الخلفية. 

خطر هايل على بالها للحظة قصيرة لكن صورته سرعان ما استُبدلت بالرسالة التي وصلتها صباح اليوم. 

【لا… أنا لست بخير.】 

كانت تلك أول رسالة ردٍّ تتلقاها بعد ست وثلاثين رسالة أرسلتها. 

وعندما رأتها لأول مرة، أصابتها صدمة حقيقية. 

لقد سألته إن كان بخير، لكنها لم تتوقع يومًا أن يجيب. 

وكما حدث مع الرسائل الخمس والثلاثين السابقة، ظنت أنها ستُهمل وتُترك بلا رد لكن هذه المرة جاء الرد فعلًا. 

وما معنى تلك الكلمات؟ 

‘أنا لست بخير.’ 

هل كان يتألم؟ هل يعني ذلك أنه لن يعود أبدًا؟ 

لقد كانت تؤمن أن حصوله على الدواء سيجعل كل شيء على ما يرام لكن الآن بدأت تخشى الأسوأ. 

ماذا لو أن السيد الشاب لن يعود أبدًا؟ 

وفي تلك اللحظة، التقط سمعها اسم مألوف من الممر. 

“أوه، هل سمعت؟ السيد الشاب لعائلة بلانشيت سيعود.” 

“ومن أين سمعت هذا؟” 

“صحيفة بانتيون اليومية أصدرت عددًا خاصًا للتو. الخبر موجود فيه.” 

“تلك الصحيفة موثوقة. دعني أرى.” 

“كانوا يقولون إنه مريض وما إلى ذلك، لكن يبدو أن الأمر لم يكن كما أشيع.” 

سيعود؟ 

لم تستطع تصديق ذلك، فبالأمس فقط أخبرها في رسالته أنه ليس بخير فكيف يمكن أن يعود الآن؟ 

وبينما كانت واقفة في مكانها كالمتجمدة، ظهر المسؤول روبرت. 

ومن دون أن تدرك حتى ما تقوله، بدأت تردد الكلمات التي أعدتها مسبقًا. 

وبمجرد انتهاء الاجتماع، هرعت إلى الخارج. 

رأت نسخًا من صحيفة بانتيون اليومية متناثرة في الساحة، وقد وُسمت جميعها بأنها طبعة خاصة. 

امتدت يدها الشاحبة المرتجفة والتقطت إحدى النسخ. 

وكان العنوان الرئيسي يقول: 

[عودة كاسيان دي بلانشيت، وريث بيت بلانشيت النقي الدماء] 

إنه قادم. 

كاسيان دي بلانشيت. 

إنه عائد حقًا. 

***

ترجل كاسيان من الرصيف المركزي في بانتيون وتوقف للحظة. 

لقد مرت ثلاث سنوات منذ أن رأى العاصمة آخر مرة، وكان المشهد أمامه كافيًا ليشد انتباهه. 

من تمثال بانتيون المتلألئ في البعيد إلى الأبراج الشاهقة والقصر الملكي كل شيء كان مرئيًا من ذلك الرصيف المرتفع. 

امتدت المدينة أمامه بكامل عظمتها. 

“من هذا الطريق يا سيدي.” 

كان كبير الخدم قد جاء بنفسه من قصر بلانشيت، مصطحبًا موكبًا ضخمًا لاستقباله. وكان أكثر فخامة بكثير من الموكب الذي رافقه إلى جزيرة إيبروز قبل سنوات فهم كاسيان تمامًا الغرض من هذا الاستعراض لذلك اكتفى بالإيماء وبدأ بالسير. 

ومع تقدمه عبر الطرق المؤدية من الميناء، تبعه الموكب الكبير عن كثب أما الناس في الشوارع فقد التفتوا إليه تلقائيًا. 

قال تيوبه بحماس: 

“يبدو أن استقبالًا مثاليًا ينتظرك يا سيدي.” 

امتطى كاسيان جواده، مرتفعًا فوق الحشود، ونظر إلى الأمام. 

وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة بالكاد أخفت سخريته. 

استقبال؟ أي استقبال؟ 

لم يكن هذا استقبالًا على الإطلاق بل عرضًا مدروسًا بعناية. 

مسرحية كاملة ستتصدر الصحف بحلول صباح الغد. 

وكما توقع كانت والدته قد أغرقت الصحافة المحلية بأخبار عودته مسبقًا حتى المصورون الذين يحومون في المكان كانوا على الأرجح جزءًا من ترتيباتها لكن كاسيان لم يقل شيئًا اكتفى بشد اللجام. 

أطلق الحصان صهيلًا طويلًا ثم بدأ يتحرك ببطء استجابة للقوة الخفيفة التي مارسها عليه. 

ثلاث سنوات، قد تبدو فترة قصيرة لبعض الناس لكنها بالنسبة إليه كانت ثلاث سنوات من الجحيم وخلالها تغيرت العاصمة. 

المباني التي كانت منخفضة أصبحت ترتفع نحو السماء. 

والأسوار صُبغت بألوان هادئة منحت المدينة طابعًا عصريًا ومنظمًا حتى إن أجواء المكان بدت وكأنها مدينة جديدة بالكامل. 

وكانت قصاصات الورق الملون تتساقط من بعض أرجاء الحشود. 

أما أولئك الذين يطلقون على أنفسهم “أتباع بلانشيت” فلم يكونوا على الأرجح سوى جزء آخر من ترتيبات والدته المحكمة. 

ومع امتداد الطريق الطويل نحو قلب المدينة، بقيت الأنظار معلقة به طوال الوقت. 

قبل سنوات، عبر هذا الطريق داخل عربة أما اليوم، فقد عاد على ظهر جواد. ولم تكن هناك طريقة أفضل من هذه ليعلن للعالم أنه تعافى تمامًا فركوب الخيل يتطلب قوة حقيقية وكان ذلك رسالة صامتة لكل من يشاهده. 

راقب كاسيان كل ما حوله وكأنه ينظر إلى حياة شخص آخر. 

لكن عينيه ظلتا مثبتتين على الحشود،كان يتفحص الوجوه بعناية. 

فسأله أحدهم: 

“هل تبحث عن شخص ما؟” 

شخص ما… تردد صدى الكلمة في ذهنه. 

وعندها فقط أدرك من كان يبحث عنها دون وعي. 

يوريسييل. 

طوال السنوات الثلاث الماضية، كانت الشخص الوحيد الذي أثار فضوله باستمرار. 

كانت ترفع إليه تقاريرها وكأن ذلك واجب مقدس لكنها كانت تملك عادة مزعجة؛ إذ تتعمد إغفال أهم التفاصيل. 

والآن تلك الخادمة الجريئة التي لا يمكن التنبؤ بتصرفاتها لم تكن موجودة في أي مكان حتى في هذا الموكب الضخم الذي بدا وكأنه يضم نصف الإمبراطورية لم تكن هنا. 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة مريرة. 

لقد قالت يومًا إنها معجبة به. 

ولو كانت تنوي الكذب فكان عليها أن تستمر في كذبتها حتى النهاية. 

“بالطبع لا.” 

تمتم بذلك لنفسه ومع ذلك، لم تغادر عيناه الحشود. 

إلى أن وصل أخيرًا إلى قصر بلانشيت. 

***

في تلك الأثناء، كانت يوريسييل تشق طريقها سريعًا مبتعدة عن الجموع الصاخبة التي خرجت لاستقبال السيد الشاب. 

في البداية، هزها خبر عودته بشدة لكنها اتخذت قرارها الآن. 

لن تسمح لذلك بأن يؤثر عليها. 

ففي الحقيقة كان من السخف أن تهتم شخص مثلها إلى هذا الحد. 

هي ليست سوى الفتاة التي كانت ترسل الرسائل في مواعيدها المحددة لا أكثر. وما الذي قد تعنيه عودته لشخص مثلها؟ 

أحيانًا كانت تتساءل كيف تغير خلال تلك السنوات لكنها كانت تقنع نفسها بأن الأمر ليس سوى فضول عابر. 

ومع ذلك، ظلت عبارة: 

“أنا لست بخير.” 

عالقة في صدرها كشوكة لا تُنتزع، ثقيلة، ومقلقة. 

لكن حتى ذلك لم يكن شأنًا يخصها فالأهم من كل شيء الآن كان أمرًا آخر، أمر أكثر أهمية بكثير. 

كان عليها أن تطمئن على حالة والدتها. 

أحاطت جين بذراعها وشقت طريقها بين الحشود أما جين، غير المدركة لكل ما يحدث، فكانت تنظر إلى الناس والضجيج بابتسامة مشرقة وقالت: 

“يبدو أن شخصًا مهمًا قادم إلى العاصمة. انظري فقط إلى عدد الناس الذين خرجوا لاستقباله.” 

“…”

“ألا تظنين ذلك يا عزيزتي؟” 

نظرت يوريسييل إلى وجه أمها المبتسم بعينين أوشكتا على الامتلاء بالدموع فقد بدأت جين تفقد ذاكرتها تدريجيًا منذ أن شرعت في تناول الدواء. 

كان الدواء الذي قدمه السيد الشاب يؤدي مفعوله كما وعد. 

لقد خفف مرضها بالفعل. 

لكن مع كل جرعة كان ينتزع جزءًا آخر من ذكرياتها. 

وقد مرت ثلاث سنوات كاملة. 

وبسبب الآثار الجانبية طويلة الأمد، نسيت جين أشياء كثيرة. 

لم تعد تتذكر السيد الشاب في ألفونس، ولا القصر، ولا الإحسان الذي أغدقه عليهما بل إنها نسيت حتى أن ابنتها كانت مرتبطة به يومًا ما ولو توقف الأمر عند هذا الحد لكان تقبله أسهل. 

لكنها أحيانًا كانت تتجول باحثة عن أبٍ لم يوجد أصلًا. 

ومع ذلك طالما أن الدواء يبقيها على قيد الحياة، فهذا يعني أنه يؤدي وظيفته. 

لكن يوريسييل لم تستطع منع نفسها من التفكير أحيانًا. 

ماذا لو لم يعد يفعل حتى ذلك؟ 

وكلما خطرت لها هذه الفكرة، اجتاحها خوف حاد كالسهم. 

في هذا اليوم، كانت متجهة إلى عيادة طبية خاصة أوصى بها السيد فينسنت. 

عيادة مشهورة وذات سمعة ممتازة. 

كل شيء فيها، من حجز الموعد إلى الحصول على الاستشارة، يستغرق شهورًا من الانتظار. 

كما أن تكلفتها باهظة للغاية لكن مهارة أطبائها لا تضاهى. 

ولهذا جمعت يوريسييل شجاعتها وحددت الموعد. 

وكانت خطواتها نحو العيادة ثقيلة على نحو غير معتاد. 

“أمي، الطبيب الذي سنقابله اليوم سيجري فحصًا بسيطًا فقط. إنه جزء من المزايا التي أحصل عليها من عملي، لذلك لا داعي للقلق.” 

وبما أن وظيفتها الحكومية توفر السكن والطعام، كان من السهل استخدام ذلك كذريعة لطمأنة والدتها. 

فحتى في حالتها الحالية، كانت جين ترفض دائمًا إنفاق أموال ابنتها. 

ولحسن الحظ، صدقت تفسيرها هذه المرة دون أي شك. 

دخلتا معًا مبنى صغيرًا لكنه أنيق ومعتنى به جيدًا. 

وسرعان ما نودي على اسميهما، فتم اصطحابهما إلى مكتب الطبيب. 

كان الطبيب، الذي كشف شعره الأبيض عن تقدمه في السن بينما أوحت هيبته بحدة استثنائية، يملك وجهًا يجعل من المستحيل تقريبًا تخمين عمره الحقيقي. 

طرح عدة أسئلة تتعلق بالذاكرة ثم طلب من جين إكمال مجموعة من الاختبارات الكتابية وبعد فحص طويل ومعقد، سمح لهما بالمغادرة مؤقتًا وبعد لحظات، عادت ممرضة لتنادي يوريسييل وحدها. 

تركت والدتها في قاعة الانتظار وعادت إلى الداخل، وخطواتها متيبسة من القلق. 

كان اللورد فيتينريور جالسًا خلف مكتبه بملامح قاتمة. 

وكان التجهم العميق بين حاجبيه يوحي بأنه على وشك قول شيء خطير، شعرت يوريسييل بأن حلقها قد انقبض. 

فابتلعت ريقها بصعوبة وسألت: 

“هل هناك خطب ما؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.