الفصل 59: 59
59
الفصل التاسع والخمسون
أن يحبّ المرء شخصًا طوال أكثر من عشر سنوات بهذا العمق كان أمرًا مدهشًا من جهة، وعصيًّا على الفهم من جهة أخرى لكن عندما رأت أن الشخص الذي يكنّ له هذا الحب هو حبيبته استطاعت يوريسييل أن تفهم كل شيء.
بالنسبة للسيد فينسنت، لا بد أنها كانت شخصًا بالغ الأهمية.
والآن كان يطلب منها أن تشارك في مشروع كهذا.
كانت تظن أنها أدّت عملها كمساعدة له على نحو جيد طوال هذه المدة، لكن هذا الطلب كان أشبه باعتراف كامل بقدراتها.
بدأ السيد فينسنت يشرح لها المكافآت التي قد تنالها إذا نجح المشروع. تحدّث عن حصتها ونسبتها وكيف ستُسجَّل النتائج باسمها لكن شيئًا من ذلك لم يكن يعني يوريسييل.
فهي لم تأتِ إلى هنا طمعًا بمنصب رفيع في القصر الإمبراطوري، ولم تكن تحلم بمسيرة مهنية باهرة.
كل ما أرادته هو منزل مريح وحياة مستقرة تكفيها لتبقى بجانب والدتها ومع ذلك، كان السيد فينسنت هو من أوصلها إلى ما هي عليه اليوم.
كلما احتقرها الناس لأنها امرأة من عامة الشعب تعمل في الإدارة، كان يمنحها مهامًا تثبت بها كفاءتها.
قد يكون رئيسًا صارمًا، لكنه بالنسبة لها كان شخصًا صالحًا.
هزّت يوريسييل رأسها دون تردد.
“إذا كنت تثق بي لهذه الدرجة، فسأبذل قصارى جهدي.”
لكن كان هناك سؤال واحد أرادت طرحه.
“لدي سؤال واحد فقط.”
“ما هو؟”
“لماذا اخترتني أنا؟”
كان لدى السيد فينسنت خيارات كثيرة ومع اقتراب موجة الترقيات المقبلة، كان هناك عدد لا يُحصى ممن سيتسابقون للحصول على هذه الفرصة.
فلماذا اختارها هي؟
خصوصًا وأن وجود امرأة من عامة الشعب كمساعدة قد يضعف مصداقية المشروع في نظر الآخرين.
أطلق فينسنت ضحكة قصيرة وكأن السؤال سخيف.
“لأنكِ بارعة. هل يوجد هنا أحد يملك سجلًا يضاهي سجلكِ؟”
“آه…”
وكما قال بالفعل، كانت نتائج يوريسييل استثنائية.
فعلى الرغم من أنها مجرد مساعدة ولا يظهر اسمها رسميًا في الوثائق، إلا أن الجميع كانوا يعرفون مدى تميز مقترحاتها وارتفاع نسبة الموافقة عليها.
أومأت برأسها متقبلة إجابته، ثم استدارت لتغادر لكن فينسنت تحدث مجددًا، وصوته ملأ أرجاء الغرفة.
“كما أنني ظننت أن أهدافنا متشابهة.”
“عذرًا؟”
“قلتِ من قبل إنكِ تريدين معرفة هوية والدكِ أيضًا.”
ما إن نطق بتلك الكلمات حتى أدركت يوريسييل مقدار التغير الذي طرأ على أفكارها خلال السنوات الثلاث الماضية.
فمشاهدتها له وهو يفتش بجنون عن زوجته جعلتها تتساءل مرارًا:
هل يمكن أن يكون الرجل الذي لم تره يومًا، والدها، يبحث عنها هي الأخرى؟
كانت تعلم أن الاحتمال ضئيل للغاية ومع ذلك، أرادت العثور عليه، إذا كانت والدتها محقة وكان قد مات بالفعل، فلن يبقى سبب تتمسك بسببه بغضبها أما إذا كان لا يزال حيًا، فقد تتمكن من معرفة السبب الذي جعله يتخلى عنهما.
وإذا صحّ ظنها، وكان يملك قدرًا من الضمير وثروة معقولة، فربما لن تضطر بعد الآن للتوسل من أجل دواء والدتها.
في الماضي كانت تخشى فتح ذلك الصندوق المليء بالألم أما الآن، فقد أصبحت مستعدة لفتحه حتى النهاية حتى لو جُرحت أثناء ذلك، فربما بعد انكشاف كل شيء، تتفكك العقدة التي طالما التفت حول قلبها.
نعم، لقد أرادت أن ترى وجه الرجل الذي يجري دمه في عروقها.
لم تكن بنفس يأس السيد فينسنت، لكنها أرادت معرفة الحقيقة.
“نعم، هناك شيء أود أن أسأله.”
حملت نبرة يوريسييل مرارة جعلت فينسنت يصمت للحظة.
فكلما تحدثت بهذه الطريقة، كان يرى على وجهها ذلك الاستسلام الهادئ، ولم يعتد عليه أبدًا، لطالما ظن أن حياته تحمل أكثر القصص مأساوية لكن كلما نظر إليها، تلاشى ذلك الاعتقاد، كان الأمر مثيرًا للسخرية.
أحيانًا كان يتساءل أي نوع من الرجال كان والدها، ليترك طفلته خلفه بهذه الصورة ومن هذه الناحية، فإن جهاز التتبع سيمنحهما الخاتمة التي يبحثان عنها له ولها.
ناولها فينسنت بطاقة تعريف صغيرة تحمل اسم القسم المسؤول عن التعامل مع برج السحرة.
“إذا ذهبتِ إلى هذا المكان، فستجدين القسم والموظفين المكلفين بهذه القضية.”
“نعم، فهمت.”
انحنت له بأدب ثم غادرت المكتب بخطوات سريعة.
مرت بعشرات الأسقف الذهبية حتى ظهر أمامها أخيرًا برج السحرة الشاهق في قلب العاصمة.
ورغم أنها رأته مرارًا أثناء عملها كمساعدة إدارية، فإن هيبته كانت دائمًا تطغى على المكان كله.
ما إن دخلت حتى بدا الداخل مختلفًا تمامًا عن العالم الخارجي.
كان البناء المغلق يحتوي على درج حلزوني هائل يلتف صعودًا كأفعى عملاقة.
والوجوه التي تصعد وتهبط عليه بدت مرهقة إلى حد بعيد.
وكان ذلك طبيعيًا فهذا منتصف موسم الاختبارات، الفترة التي يبلغ فيها التوتر ذروته.
السحرة الذين يجتازون هذه الامتحانات القاسية هم أشخاص يكرسون حياتهم للسحر، يدرسون ليلًا ونهارًا دون توقف.
لكن رغم كل هذا الجهد، لم يكن برج السحرة يحظى بالدعم الكافي. في الأزمنة القديمة، كان السحرة الحقيقيون قادرين على استدعاء الأرواح والوحوش المقدسة، وممارسة ما كان الناس يعدّونه سحرًا حقيقيًا لكن في حقبة ما، بدأ أفراد العائلة الإمبراطورية يصفونهم بالشياطين، وأمروا بإحراقهم جميعًا على أعمدة الإعدام وكان ذلك نتيجة إمبراطور مستبد خشي من تضخم نفوذ السحرة وقوتهم.
ولم تعترف الإمبراطورية بالسحرة مجددًا إلا في السنوات الحديثة.
لكن الأرواح التي أُزهقت آنذاك لم يكن بالإمكان إعادتها إلى الحياة أما أولئك الذين امتلكوا يومًا هالات سحرية قوية في أجسادهم، فقد اختفوا تمامًا من هذه الأرض، ولم يبقَ سوى أناس عاديين يدرسون بقايا ذلك الإرث ويحاولون الحفاظ عليه.
وفي الحقيقة، فإن العاملين الحاليين في برج السحرة كانوا أقرب إلى المهندسين منهم إلى السحرة الحقيقيين.
فهم لا يتحركون إلا مقابل أجر وكان ذلك منطقيًا فمن يجتاز مثل تلك الاختبارات الشاقة ويصل إلى هذه المكانة، يملك كل الحق في المطالبة بمقابل عادل.
وبالنسبة ليوريسييل والسيد فينسنت، كان هذا سيصبح عقبة حقيقية.، فلن يكرّس أحد وقته وجهده لصناعة جهاز تعقب دون تمويل مناسب ولهذا كانت مهمتها الأكثر إلحاحًا هي تأمين الميزانية من الإدارة المركزية أما اليوم، فلم يكن هناك الكثير لتفعله.
كل ما عليها هو شرح المشروع والاستفسار عن حجم الدعم المالي المطلوب لإقناع أحد بتولي المهمة، حديث رسمي وجاف لا أكثر.
أطلقت زفرة طويلة، ثم تجاوزت الدرج الحجري واتجهت نحو مكتب الاستقبال. وكانت إجراءات الحراسة في برج السحرة صارمة كما سمعت تمامًا فلم يُسمح لها بالدخول إلا بعد التحقق من الختم الرسمي على بطاقة هويتها.
قالت موظفة الاستقبال بنبرة رسمية:
“سيأتي أحد مسؤولي القسم لاصطحابك بعد قليل. يُرجى الانتظار.”
انتظرت يوريسييل بهدوء.
ثم سمعت وقع خطوات يتردد صداه من أعلى الدرج.
استدارت تلقائيًا، وعندها ظهر شخص مألوف أمام ناظريها.
هايل.
كان شعره الفضي أطول قليلًا مما تتذكره، لكنها كانت واثقة أنه هو.
ثلاث سنوات، مرت ثلاث سنوات كاملة.
وفجأة تدفقت ذكريات ذلك الزمن إلى ذهنها بوضوح مؤلم، وكأن شيئًا منها لم يغب يومًا.
تلك الأيام البائسة التي اتهمها الجميع فيها بالسرقة، وتلك النظرات الجارحة التي لاحقتها أينما ذهبت، وفي النهاية انكشف المجرم الحقيقي، بينما رحل هايل إلى العاصمة دون أن يقول كلمة واحدة لكنه لم يذهب إلى ألفونس بل انتقلت عائلته إلى مكان آخر تمامًا.
ومنذ ذلك الحين لم تسمع عنه شيئًا، ورغم أنها لم تسرق شيئًا قط، فإنهم رأوا فيها لصّة سرقت شيئًا ثمينًا. على الأقل، هكذا كان الأمر في نظر هايل، فبسببها اضطروا إلى بيع “بريت”، الحصان الذي ربّوه بكل حب وبسبب ذلك خسروا أشياء أكثر بكثير. ولا تزال تتذكر صراخ السيدة كاثرين في وجهها قبل مغادرتها ألفونس.
“لو لم تكوني موجودة، لما حدث أي من هذا، لقد دمرتِ حياة ابني، كل هذا بسببكِ.”
لقاء شخص ظنت أنها لن تراه مجددًا ملأ قلبها بالارتباك والخوف.
لماذا يقف فتى كان يعشق الخيول داخل برج السحرة؟
هل دُمّرت حياته حقًا بسببها؟
هل تخلى عن الخيول بسبب ما حدث آنذاك؟
أما هايل، فكان ينظر إليها بالتعبير ذاته، امتلأت عيناه بالذنب.
ذكّرتها تلك النظرة بالأيام التي انتظرته فيها وهي خلف القضبان.
وبذلك اليوم الذي توقفت فيه عن انتظاره، وقررت بدلًا من ذلك أن تنتظر السيد الشاب.
اليوم الذي سارت فيه نحوه بإرادتها، واختارت أن تُقيّد نفسها به.
لم يجد أيٌّ منهما الكلمات المناسبة، فامتد الصمت بينهما طويلًا.
وكان هايل أول من كسره.
“أنا آسف.”
علقت الكلمات في حلقها، لم تستطع الرد هذا كل شيء إذًا.
تلك النظرة التي رأت فيها الذنب بعد كل هذه السنوات وضعت نهاية لكل ما كانت تهرب منه.
لقد أصبح هايل وهي شخصين ينظر كل منهما إلى الآخر من خلال مرآة الذنب.
“وأنا أيضًا آسفة…”
لكن قبل أن تكمل، قاطعها هايل.
“ليس لديكِ ما تعتذرين عنه.”
وكأنه يرفض أن تُعرَّف علاقتهما بهذه الطريقة.
“أنا من هرب.”
بدا وجهه وكأنه على وشك البكاء، فازداد ألم قلبها.
كانت تتمنى ألا يلتقيا مجددًا أبدًا لكن العالم دائمًا ما كان يسير بعكس رغباتها.
لم تعد قادرة على تحمل النظر إلى ذلك الوجه الملطخ بالندم.
“دعنا لا نتحدث عن ذلك بعد الآن.”
وعاد الصمت ليملأ المكان مرة أخرى لكن الشيء الوحيد الذي منحها بعض الراحة، إن جاز وصفه بذلك، هو أن قلبها لم يعد يخفق بجنون عند رؤية هايل، لقد تعلّم أخيرًا أن يبقى في مكانه.
ارتجفت نظرات هايل وهو يحدق بها وهي كانت تعلم أن ذلك ليس حبًا بل ذنبًا فقط. وإذا كان الأمر كذلك فربما، وربما فقط، يستطيعان العودة إلى ما كانا عليه، إلى زمن كانا فيه مجرد صديقين فإذا كان عليهما العمل معًا داخل برج السحرة دون حرج، فلا بد أن تبذل جهدًا لتحقيق ذلك.
جمعت شجاعتها بصعوبة، ثم قالت:
“هل… كنت بخير؟”
لم يعد هايل يشبه الفتى الذي تتذكره.
لقد أصبح رجلًا بالغًا، يرتدي بدلة أنيقة مكوية بعناية.
وبالمقارنة مع الملابس المجعدة التي كان يرتديها أثناء رعاية الخيول، بدا أكثر نضجًا وأناقة على الأقل من الخارج.
“نعم…”
“هذا جيد.”
كانت ابتسامته المحرجة هي نفسها التي تعرفها.
ابتسامة هايل التي لم تتغير.
“وماذا عنكِ؟”
“أنا بخير.”
كانت قد سمعت أنه انتقل إلى العاصمة، لكن أحدًا من ألفونس لم يعرف شيئًا عنه بعد ذلك.
ولطالما افترضت أنه لا يزال يعمل في إسطبلات بلانشيت.
“هل كنت تعمل هنا طوال هذه الفترة؟”
“نعم… حدث الأمر بهذه الطريقة فحسب.”
رؤية ابتسامته الخجولة أيقظت شعورًا بالذنب داخل يوريسييل.
فقد كان يعشق الخيول أكثر من أي شيء وكان يؤلمها أن تراه يعمل في مجال آخر الآن، وكانت تعلم أن السبب هو هي.
“ظننت أنك ما زلت في مزرعة بلانشيت.”
“لم أعد أنوي العمل مع الخيول بعد الآن. العمل في قسم إدارة برج السحرة يناسبني جيدًا أما بريت فقد أرسلته نهائيًا إلى مزرعة أخرى.”
ربما كانت تلك البدلة التي يرتديها الآن هي الثمن الذي دفعه بسبب ارتباطه بها. وسيبقى يحمل ذلك العبء طوال حياته.
تمامًا كما قالت هي وتمامًا كما قال هايل.
“لستِ بحاجة إلى النظر إليّ بهذه الطريقة لقد مر وقت طويل.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.