الفصل 6: 6
6
الفصل السادس
كانت العيون تتبعني طوال الطريق وأنا أسير عبر الزقاق الضيق.
زوجة بائع السمك، وصاحب متجر الأدوات المتفرقة، وأصحاب البسطات الذين لا أعرف منهم سوى الأسماء، كان ذلك طبيعيًا تمامًا فأي شخص يرتدي عباءة فاخرة مطرزة بخيوط الذهب وتحمل شعار آل ألفونس كان يبدو غريبًا بصورة صارخة وسط هذا الزقاق المتواضع ورغم أن أحدًا لم يجرؤ على قول ذلك بصوت عالٍ، فإن فضولهم لمعرفة سبب استدعاء قصر ألفونس لي كان واضحًا على وجوههم فعلى الرغم من أننا جميعًا نعيش تحت سماء ألفونس نفسها، فإن قصر اللورد بالنسبة لأهالي القرية كان مكانًا بعيدًا كالسماوات ذاتها، سماء لا يمكن بلوغها. ورغم أن اللورد ليس سوى واحد من عدد لا يُحصى من النبلاء المنتشرين في أنحاء الإمبراطورية، فإنه هنا، في هذه القرية الصغيرة، السلطة المطلقة بلا منازع حتى مجرد خادم من خدم ذلك القصر كان يسير وظهره منتصب بكبرياء، فيتوقف تجار النقابة عن أعمالهم وينحنون له باحترام عميق وبما أنني كنت أسير خلفه مباشرة، فقد تلقيت تلك التحيات أنا أيضًا بشكل غير مباشر وقد جعلني ذلك أشعر بعدم الارتياح وكأنني أتلقى شيئًا لا أستحقه.
إذا كان مجرد الوقوف خلف خادم من خدم آل ألفونس يبعث في نفسي هذا الشعور فما نوع العالم الذي ينتمي إليه ذلك السيد الشاب يا ترى؟ في بلانشيت، لا بد أن مثل هذه الأمور عادية كبساطة التنفس حتى لورد ألفونس نفسه، الذي يجعل جميع سكان القرية يركعون أمامه، كان ينحني رأسه أمام ذلك الشاب بل وأكثر من ذلك، ذلك اللورد الذي لا يمكن لشخص مثلي أن يحلم حتى برؤيته مرة واحدة في حياته، كان ـ بحسب ما سمعته ـ يتخبط بعجز أمامه. عندما أفكر في الأمر الآن، أجد أن ذلك السيد الشاب هو بالضبط ذلك النوع من الأشخاص الذين لا نراهم إلا في الروايات. شخص لا يمكن أن يوجد في قريتنا.
بالأمس لابد أنني كنت فاقدة لعقلي حقًا، أن أقول مثل تلك الكلمات لشخص كهذا يا لها من حماقة. لقد تصرفت بدافع شفقة عابرة، فقط لأنني رأيته صبيًا في مثل عمري ولم أدرك إطلاقًا أن المسافة بيني وبينه تمتد بين السماء والأرض، إلى أفق يستحيل عليّ بلوغه ومع ذلك فإن أمره بإعادتي إليه يملأني بخوف جديد.
من المضحك أنني رفضت عرضه في البداية وكأن لي حق الاختيار أصلًا. في الحقيقة، شخص مثلي ينبغي أن يتحرك عندما يأمره بلانشيت، وأن يتظاهر بالموت إن طُلب منه ذلك لكنني نسيت هذه الحقيقة للحظة. ذلك السيد الشاب… لا، بلانشيت نفسه يستحق الامتنان لمجرد أنه منحني أجرًا سخيًا إلى حد مبالغ فيه، بل وعوض صاحب متجر السمك أيضًا ولهذا السبب تحديدًا ابتسم عم ليوردين باعتذار وودّ في الوقت نفسه. لقد حافظ كاسيان على سمعته النبيلة بالطريقة التي تليق بآل بلانشيت.
وجعلني ذلك أدرك مجددًا كم هو سهل على الأثرياء أن يُنظر إليهم كأشخاص صالحين.
ذلك السيد الشاب، الذي يستطيع استدعاء خادمه الشخصي بمجرد حركة من إصبعه، سيصبح بالتأكيد في نظر الجميع إنسانًا نبيلًا وعظيمًا بحلول المرة القادمة التي أعبر فيها هذا الزقاق ومع ذلك فإذا قارناه بلورد ألفونس، فربما كان الأمر صحيحًا فعلًا فاللورد هنا اعتاد خلال مواسم الحصاد أن يجبر القرويين على العمل لديه دون أن يدفع لهم حتى قطعة نحاسية واحدة وبما أنه النبيل الوحيد الذي يعرفه أهل القرية، فقد اعتادوا الاعتقاد أن جميع النبلاء متشابهون. صحيح أن معظم النبلاء يوزعون المال أحيانًا لحماية سمعتهم، لكن ذلك نادر الحدوث خارج العاصمة وحتى عندما يحدث، فإنه يكون لمن يعتبرونهم جديرين بذلك فقط ومن هذا المنطلق، فإن ما فعله ذلك السيد الشاب ـ على بساطته ـ كان حدثًا ذا أثر كبير. على الأقل، سيظل أهل القرية يتحدثون عنه عامًا كاملًا ومع ذلك، فإن رؤية الجميع يصفون كاسيان بأنه شخص صالح تركت طعمًا مرًا في صدري. في الحقيقة، أنا آخر شخص يحق له الحكم عليه فأنا نفسي قبلت العمل عنده بسبب المال.
ما الذي يعطيني الحق لأقرر إن كان صالحًا أم سيئًا؟
يا لمدى بؤسي لقد انتزع عملي السابق دون أن يسأل عن رأيي ثم منحني عملًا أفضل منه ورغم أن جودة العمل أمر نسبي ولا يمكن الجزم بأن أحدهما أفضل من الآخر، فإنني أعرف نفسي جيدًا. طالما أن المال هو أولويتي، لكنت اخترت هذا العمل في النهاية مهما حدث بل وحتى لو لم يكن المال أولويتي لما اختلف الأمر كثيرًا فلا أحد في هذه القرية سيرفض فرصة مقابلة أحد أفراد بلانشيت وجهًا لوجه ولو سمعني أي شخص الآن، لوصفني بالجحود. لقد حصلت على أكثر مما أستحق فلماذا أشتكي إذًا؟
ومع ذلك كانت أفكاري تواصل الانحراف في الاتجاه ذاته.
هل الخلل فيّ؟ أم في هذا الوضع كله؟
كان واضحًا بصورة مؤلمة أن نوايا السيد الشاب تجاهي ليست بريئة. يكفي أن أتذكر ملامحه الباردة كشتاء قارس، ووجهه المنحوت الذي لم يسمح لي حتى برؤيته جيدًا.
كاسيان.
كل تلك الأشياء السامية التي يمتلكها لم تثر فيّ الحسد، بل الخوف وأيقظت داخلي مشاعر فوضوية وخشنة.
وبينما كانت هذه الأفكار الصغيرة المتشابكة تتراكم وتفسر دوافعه كما يحلو لها ظهر القصر أخيرًا أمام ناظري ورغم أنني رأيته بالأمس، فإنه لا يزال يبدو غريبًا بالكامل. لا، حتى لو عشت هنا الفصول الأربعة كلها، فسيظل ذلك العقار الشاسع مكانًا لا أنتمي إليه. وكما كان بالأمس، كان يلمع بلونه الأزرق البارد وفي الداخل، وقفت التماثيل المنحوتة بإتقان في مواقعها نفسها.
أمس كانت ستجذب انتباهي أما اليوم، فلم أعرها أي اهتمام. كان رأسي ممتلئًا بأسئلة لا حصر لها حول دوافعه التي لا أستطيع فهمها وكلما فكرت أكثر، ازداد كل شيء تناقضًا حتى الخادم الشخصي الذي كان يسير أمامي طوال الطريق لم يكن مختلفًا. ملامحه كانت تصرخ بوضوح أنه لا يرغب بي.
مجرد النظر إلى جانبه الصلب كان كافيًا لفهم ذلك.
كنت أعلم منذ الأمس أنه رجل صارم لكن اليوم بدا أكثر تصلبًا والمشكلة أن مستوى احترامه الرسمي لي ازداد أيضًا وعندما استرجعت الأمر، أدركت أنه كان يخاطبني بصيغة الاحترام.
هو الخادم الشخصي للفيكونت فيلورد، لورد ألفونس نفسه يعامل شخصًا مثلي بهذه الرسمية، كان يرتدي قناعًا بلا شك.
‘لماذا؟’
فالناس لا يرتدون الأقنعة إلا أمام من هم أعلى منهم مقامًا.
هل لأنه لم يجد شخصًا آخر قادرًا على تحمل مزاج ذلك السيد الشاب؟ لكنه بالأمس كان ينظر إليّ وكأنني مصدر إزعاج ومن السخف إذًا الاعتقاد بأنني أثبت له فجأة أنني قادرة على التعامل مع ذلك الشاب. وهكذا قادتني أفكاري إلى استنتاج واحد:
أن هذا السلوك ليس نابعًا منه أصلًا.
‘هل يمكن أن تكون هذه أوامر السيد الشاب نفسه؟’
كانت الفكرة عبثية إلى درجة أنني أطلقت ضحكة خافتة.
لماذا قد يصدر ذلك السيد العظيم أوامر كهذه من أجلي أنا؟
وعند نهاية الممر بعد النافورة الطويلة والحديقة الواسعة وصلنا أخيرًا إلى غرفة كاسيان. توقف الخادم أمام الباب الأبيض الضخم واستدار نحوي.
“لم تنسي التعليمات التي أخبرتكِ بها سابقًا، أليس كذلك؟”
“لا.”
وقبل أن يفتح الباب، أطلق تنهيدة وأضاف تحذيرًا آخر:
“ولا تنسي أنكِ الآن الآنسة الشابة من آل فيلورد.”
للحظة، كدت أصدق فعلًا أنني ليدي فيلورد ثم تذكرت أنه يكرر كلام الأمس فقط، فأومأت برأسي.
“أفهم ذلك.”
يبدو أن عليّ أن أتظاهر بأنني ابنة نبيل حتى أكون جديرة بخدمة ذلك السيد الشاب ولو شكليًا وقد شعرت بالفارق الشاسع بيننا من جديد وهو أمر فكرت فيه مرارًا أثناء الطريق إلى هنا.
بعد ذلك سلمني زي خادمة جديدًا وعندما ارتديت الفستان المزخرف بالدانتيل ونظرت إلى المرآة، وجدته مناسبًا تمامًا لمقاسي بعكس الأمس.
لقد أعدوا هذا أيضًا؟ إذن لا بد أن كاسيان غيّر رأيه منذ البارحة.
إعداد شيء كهذا يحتاج إلى يوم كامل على الأقل.
كدت أطلق صوتًا من الدهشة فبمجرد أمر واحد من ذلك السيد الشاب، استطاع الخادم أن يحضر فستانًا مفصلًا على مقاسي بهذه السرعة. وأخيرًا، وصلنا إلى الجناح الغربي الأقصى حيث يقيم كاسيان فتح الخادم الباب وفي اللحظة نفسها اجتاح التوتر جسدي كله فأخذت نفسًا عميقًا وصل إلى أعماق رئتي.
‘ركزي فقط على أعشاب علاج أمي. لا تكرري خطأ الأمس. إذا تجنبت المشاكل فحسب، فبإمكاني الصمود شهرًا كاملًا على الأقل.’
وبهذه الفكرة خطوت بهدوء إلى الداخل.
***
إلى جوار السرير الذي تغمره أشعة الشمس أدار كاسيان ذو الشعر الذهبي رأسه ببطء.كالعادة وقعت عيناه على يوريسييل للحظة قصيرة ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة دون أن يدرك ذلك حتى أما يوريسييل، فبمجرد دخولها انشغلت بالبحث عن أي عمل تقوم به كالعادة. كانت تنظف أشياء لا تحتاج إلى تنظيف، وتتنقل ذهابًا وإيابًا أمام رفوف الكتب بلا سبب حقيقي. رغم أنني أعلم أنها أكثر الخدم اجتهادًا فإن كل حركة تقوم بها كانت تثير ضيقي بشكل لا يُحتمل فلماذا تكون بهذه الحماسة للعمل بينما وجودها هنا قائم على ذريعة فارغة أصلًا؟ التقرير اليومي الذي يرفعه لي الخادم عنها كان مفصلًا إلى حد مذهل وبحسبه، فإن تلك الساقين الصغيرتين الهزيلتين كانتا تنجزان تقريبًا كل الأعمال الموجودة في القرية لكنها الآن هنا فلماذا ما زالت منشغلة بالأعمال المنزلية؟ خصوصًا تلك التي لم يطلبها منها أحد. استغراقها الكامل في العمل وكأنها لا تبدي أي اهتمام بي إطلاقًا كان يثير انزعاجي أكثر فأكثر فقد أمضيت وقتًا طويلًا أفكر فيها بالأمس.
أليس من المفترض أن تكون فتاة عامية مثلها تفكر بي أكثر مما أفكر أنا بها؟ اختلطت داخلي مشاعر سخيفة لا معنى لها.
“برأيك، لماذا وظفتكِ؟”
“هاه؟”
استدارت نحوي تلك العينان المستديرتان كعيني أرنب وكأنها تسألني عما أقصده. ذلك التمرد الصاخب الذي أظهرته بالأمس اختفى تمامًا وحل مكانه حمل مطيع وكان ذلك يثير أعصابي.
“هل تعلمين أصلًا كم خادمة مخصصة لتنظيف هذه الغرفة؟”
“آه…”
عندها فقط بدا أنها فهمت. وسقطت قطعة القماش الجافة من يدها.
“إذًا… ماذا ينبغي أن أفعل؟”
نظرت إليّ بوجه يوحي بأنها تنتظر مني الإجابة حتى إنني عجزت عن الرد للحظة وربما لهذا السبب بالذات كانت مشاعري تجاهها تتحول باستمرار إلى شيء حقير وصغير.
“حسنًا عادةً ما تعرف سيدات الأسر النبيلة أمورًا كهذه بالفطرة.”
ارتسمت ابتسامة ساخرة خفيفة على زاوية شفتي وفي المرآة المقابلة بدا انعكاسي كأنه صورة شرير متكامل.
“أتساءل حقًا لماذا تهتم الليدي فيلورد الموقرة بالتنظيف أكثر من اهتمامها بأمور من هذا النوع.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.