مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 5: 5نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 5: 5

5

الفصل الخامس 

إن وريث آل بلانشيت وفتاةً من عامة الشعب لا يُسمح لهما حتى بأن يشغلا الحيز نفسه، ناهيك عن أن يتنفسا الهواء ذاته. 

كان هذا ما تردده أمي دائمًا في العاصمة. 

إليز دي بلانشيت. 

المرأة التي تخلّت عن اسم إستيبان لتصبح سيدة آل بلانشيت، وكانت تُظهر للعالم وجهًا مهيبًا لا تشوبه شائبة لكن خلف ذلك الوجه كان هناك دائمًا جانب مظلم فكلما طُرح موضوع النساء من عامة الشعب، كانت تثور كأنها أصيبت بنوبة غضب وتصفهن بأنهن نساء لا يعرفن حدودهن وكان أكثر ما تكرهه هو قصص سندريلا بل كانت تنفعل عند سماعها أكثر من أي شيء آخر. وكان منطقها بسيطًا للغاية: 

منذ بداية التاريخ، لم يكن هناك سوى سبب واحد يجعل الأشياء الوضيعة تلتصق بالنبلاء، سبب واحد لا غير. 

حسنًا لم تكن مخطئة تمامًا فالفتيات الشابات الجميلات اللواتي يتشبثن برجال يكبرونهن بعقود طويلة غالبًا ما يكنّ من أصول متواضعة، وكانت دوافعهن واضحة للجميع ولهذا لم يكن ينبغي لي أصلًا أن أتبادل الكلمات مع تلك الفتاة لكن بما أنني لم أعد الوريث المنتظر، بل مجرد مريض يحتضر ولم يتبقَّ له الكثير من الوقت فالأمر مقبول. هنا في ألفونس، بعيدًا عن العاصمة، أستطيع أن أخلع اسم بلانشيت فأنا على وشك التخلي عن ذلك الدرع المزعج المسمى “بلانشيت” مع حياتي نفسها. 

أليس هذا سببًا كافيًا لأسمح لنفسي بالعبث بزينة صغيرة في أيام عمري الأخيرة؟ ألن تصبح حياتي المتبقية أكثر تسلية بقليل إذا أمسكت بيأس تلك الفتاة بيد واحدة ولعبت به كما أشاء؟ 

حتى مثل هذه الأفكار المبتذلة والسخيفة تعبر ذهني أحيانًا. لقد أعلنت تلك الفتاة بجرأة أنها جاءت من أجل المال أما أنا فأجد نفسي أتمنى أن يبكي أحدهم عليّ عندما أموت ولو كانت هي ذلك الشخص فلن يكون الأمر سيئًا. 

لو أنها انتحبت أمام موتي بذلك الإصرار المحموم الذي تحاول به إنقاذ أمها ألن تكون تلك صورة جميلة نوعًا ما؟ ولو ظلت تتذكرني طوال حياتها بذلك الارتجاف نفسه حتى ترتجف يداها كلما تذكرتني فلن يكون ذلك سيئًا أيضًا. 

أعلم أن الأمر أناني ومتمحور حول الذات إلى حدٍ فظيع لكن ماذا في ذلك؟ أنا مريض وهي عامية ارتكبت جريمة إفساد مزاج مريض، فتاة وُلدت مذنبة منذ البداية. ولأول مرة منذ أن صدر بحقي حكم الموت ارتسمت ابتسامة على شفتي بينما كنت أخطط للغد ذلك اليوم الذي تمنيت لو أنه يختفي. 

***

قبل شروق الشمس في الفجر الصامت الذي كانت فيه ظلمة الليل الحالكة تستقر ببطء فوق الأرض. 

بعد أن تفقدت أمي النائمة مرة واحدة، سويت الغطاء برفق وغادرت المنزل بهدوء وكعادتها دائمًا، كانت أمي قد أعدت بالأمس حساء اليقطين. 

نصيبي كان كثيفًا وغنيًا بالمكونات بوضوح أما حصتها فكانت مجرد ماء مخفف في الجانب الآخر. كان قلبها يميل دائمًا بهذا الشكل ترغب في منح ابنتها الوحيدة الأفضل، ولو بفارق ضئيل. 

أمر لا يُرى بالعين لكنه واضح تمامًا. حركت الحساء سريعًا حتى يبدو متجانسًا بل إنني بدلت الأوعية مرة من قبل لكن أمي، جين التي كانت غافلة عن معظم أمور الدنيا، كانت تكتشف ذلك دائمًا بدقة مرعبة. 

تأملت الحساء الذي أصبح أكثر سماكة بقليل، ثم غطيته بعناية ودفعت الباب المتهالك محاوِلة التسلل إلى الخارج. 

حرصت على ألا يصدر المعدن أي صوت لكن ما إن خرجت حتى أمسكت بي أمي مجددًا. 

كيف انتبهت رغم كل حذري؟ لا أعلم. 

تنهدت فاقتربت مني وهي تحمل وعاء حساء اليقطين. 

“كلي هذا قبل أن تذهبي.” 

كدت أقول لها بغضب أن تعود للنوم بدلًا من إضاعة وقتها هكذا لكنني تراجعت فصوتها الأجش أذاب قسوة قلبي. 

“قلت لكِ ألا تخرجي.” 

“وكيف أفعل ذلك بينما ابنتي الوحيدة تعاني بسببي؟ لقد شقيتِ كثيرًا لأنكِ حصلتِ على أم سيئة.” 

“لا تقولي هذا!” 

انفجرت الكلمات مني بحدة فابتسمت بلطف وقالت إنها كانت تتحدث بحماقة. ذلك التعبير على وجهها ضغط على قلبي مجددًا وأردت الاعتذار لكن الكلمات لم تخرج وبينما كنت مترددة، لفّت وشاحًا حول عنقي. 

كان وجهها هادئًا وصافيًا كعادته وكأن لا شيء في العالم يزعجها. كان الوشاح جديدًا، مصنوعًا من صوف الحملان وصوف الحملان سلعة باهظة الثمن، نوع من الكماليات. 

“لن تذهبي إلى أي مكان مجددًا أثناء غيابي، أليس كذلك؟” 

“‘بالطبع لا.” 

وكانت ردة فعلها المذعورة كافية لتؤكد شكوكي. أمي كانت دائمًا ترتجف عند طرفي عينيها عندما تكذب. ومشاهدة هذه المرأة العاجزة وهي تكافح لتلفيق كذبة لا تجيدها أصلًا كانت تغمرني بالذنب فأنا السبب في أنها أصبحت هكذا. 

“الطبيب الأخير قال إنكِ يجب ألا تخرجي في البرد مهما حدث.” 

“لن أفعل شيئًا كهذا.” 

كنت أعلم أنها لن تستمع مهما قلت هكذا كانت دائمًا. 

امرأة مستعدة لفعل أي شيء من أجلي، عملاقة هشة، تملك إرادة فولاذية لكنها حُرمت الجسد القادر على مجاراتها. 

وحين أدركت أن المزيد من الكلام لن يؤدي إلا إلى إيذاء نفسي، استسلمت وتظاهرت بتصديق كذبتها. 

بالطبع، لم يكن استسلامًا كاملًا فهذا البلدة صغيرة جدًا وهذا يعني أنني أعرف تمامًا الأماكن التي قد تذهب للعمل فيها. غالبًا متجر السمك الخاص بالعمة لاكليفيت أو محل الحلويات الخاص بالعم تومسون. 

فهذان هما المكانان الوحيدان اللذان ما زالا يقبلان تشغيل شخص بحالتها وسيتوجب عليّ الذهاب إليهما والتوسل إليهما كي يرفضا تشغيلها لكن رؤية ذلك الكبرياء على وجه أمي جعلتني أتساءل إن كان هذا هو الصواب حقًا وشعرت بالضياع. 

في تلك اللحظة، انطلقت منها نوبة سعال حادة وبما أنها لن تغادر قبل أن تنتهي من أكلي، اضطررت لدفعها إلى الداخل وإفراغ الحساء بسرعة حتى إنني غسلت الطبق فورًا حتى لا تحاول لمسه مجددًا وحين خرجت أخيرًا، كانت صورة أمي لا تزال تلوح في البعيد حتى عندما أشرت لها أن تعود إلى الداخل، ظلت تلوّح بيديها كدمية ورقية تتحرك مع الريح، يا لها من امرأة حمقاء. 

ولأنني لم أملك شيئًا آخر أفعله، أسرعت خطواتي حتى تقلصت صورتها إلى نقطة صغيرة ثم اختفت تمامًا عندها فقط أطلقت زفرة طويلة واتجهت نحو الشارع المستقيم الطويل الذي تصطف على جانبيه مساكن النبلاء. في تلك الساعة الهادئة التي كانت فيها أشعة الفجر القرمزية، المشابهة للشفق، تصبغ الأرض ببطء. 

وكعادتي دائمًا، قادني ذلك الوقت إلى الأزقة المألوفة ثم إلى نهايتها إلى الميناء. كان الطريق المؤدي إلى متجر أسماك ليوردين مألوفًا إلى درجة أن قدميّ تحركتا من تلقاء نفسيهما وما إن اختفت أمي عن ناظري، حتى اندفعت ذكريات الأمس التي حاولت تجاهلها بقوة 

كمدٍّ جارف. 

السيد الشاب المحتضر ذلك الذي همس كشيطان يمتلك وجه ملاك أبيض نقي وأنا واقفة أمامه في ذروة المهانة. 

نظرته اللامبالية، ورفضه القاطع، والبرودة التي ملأت الغرفة، والحرارة المشتعلة فوق شفتيّ، والعار الذي أحرق جلدي حين قلت إنني جئت فقط لأقتات على الفتات، لم يفكر ولو للحظة فيما شعرت به. ظننت أنني تجاوزت الأمر لكنني لم أفعل فقد ظل المشهد يطاردني في أحلامي طوال الليل وفي كل مرة، كان يسخر مني ويقول إنني غير مقنعة ثم يدير وجهه عني ببرود. 

هل لأن عمره قريب من عمري؟ أم لأن مواجهة شخص استثنائي إلى هذا الحد لأول مرة حطمت كبريائي الأسود؟ 

مواقف كنت أتجاوزها عادة بسهولة، ظلت تتكرر داخل رأسي بلا توقف والآن بعد أن طُردت بتلك الطريقة هل ستوبخني العمة ماري؟ 

وبينما كنت غارقة في هذه الأفكار الثقيلة، وأوشك على دخول متجر السمك لفت نظري رجل بالغ يرتدي شعار ألفونس المزخرف. كان يقف عند المدخل تمامًا بحيث يستحيل ألا أراه. 

ملابس حريرية نبيلة لا تنتمي إلى هذا الزقاق المتواضع. 

رفعت رأسي وتعرفت على وجهه فورًا. 

‘كبير الخدم؟’ 

كان الرجل نفسه الذي قادني بالأمس إلى كاسيان دي بلانشيت. 

‘ما الذي يفعله هنا؟’ 

كان من المستحيل أن يرسل ذلك السيد الشاب، الذي أجبرني على الوقوف لساعات، في طلبي مجددًا. 

هل ارتكبت خطأ بالأمس؟ هل جاء ليستجوبني؟ 

كلما فكرت أكثر، ازداد شحوب أفكاري. 

فتوقفت عن التفكير ونظرت إليه مباشرة. 

“ما الذي جاء بك إلى هنا…؟” 

حاولت أن يبدو صوتي ثابتًا لكنه خرج مرتجفًا كصوت جدي صغير وجعلتني نظرته الغامضة أبتلع ريقي بصعوبة لكن حينها قال: 

“تلقيت أمرًا بإحضاركِ.” 

تجمدت للحظة وكأن ضبابًا كثيفًا غطى عقلي. 

“أنا؟” 

“نعم. ستواصلين العمل كمرافقة السيد الشاب.” 

حدقت فيه، ظننت أنه يمزح لكن ملامحه كانت جادة تمامًا بل بدا عليه الانزعاج الواضح وكأنه يكره تنفيذ هذا الأمر. 

حقًا لا بد أن الرجل المحتضر المجنون قد أمر بهذا بنفسه فمن غير المعقول أن يأتي شخص إلى هذا الزقاق البائس من أجلي. 

بعد أن طردني بتلك القسوة بالأمس لماذا؟ 

لم أفهم نواياه لكن إجابتي كانت واحدة. 

“أنا آسفة، لكن هذا غير ممكن.” 

فبعد أن اعتقدت أنني طُردت، وجدت عملًا جديدًا بالفعل أثناء عودتي بالأمس. 

“لقد وافقت على العمل هنا.” 

صحيح أن أجر قصر ألفونس مغرٍ لكنني لا أستطيع المخاطرة بسمعتي في هذه البلدة أو العودة إلى مكان قد أطرد منه في أي لحظة وفي الحقيقة لم أكن أرغب بالعودة أصلًا. فكرّت بالأمر جيدًا هناك أماكن أخرى للعمل ويمكنني النجاة من هذا الشتاء بطرق أخرى. لا، إنها أعذار فقط. الحقيقة أنني ببساطة لا أريد العودة إلى ذلك المكان إلى ذلك المكان الخانق المشتعل بحرارة غريبة حتى في أبرد الفصول ومع ذلك قال كبير الخدم: 

“لن تكون هناك مشكلة.” 

“ماذا؟” 

“لقد رتبنا الأمر مسبقًا لإحضاركِ.” 

عجزت عن الكلام فحتى بالنسبة لخدم اللورد كان هذا تجاوزًا فظيعًا أن يقرروا مصيري دون أن يسألوا عن رأيي! 

وفي تلك اللحظة ظهر بائع السمك وحسم الأمر فورًا. 

“أنا آسف يا إيل.” 

“عمي…” 

“سيكون وضعكِ أفضل في قصر ألفونس مما هو عليه هنا، أليس كذلك؟” 

بدا معتذرًا حقًا لكنه كان مقتنعًا بأنني حصلت على فرصة أفضل. وفي الداخل كانت أصوات العاملين تناديه بإلحاح وبما أنه تخلى عني فجأة، فسيضطر إلى العمل بجهد مضاعف اليوم. 

وحقيقة قبوله بذلك أكدت لي أن ألفونس دفع له مبلغًا سخيًا. 

قبضت يدي بقوة وسمعت كبير الخدم يقول مجددًا: 

“هيا بنا.” 

أثارني افتراضه أنني سأوافق تلقائيًا. عادة لا يهزني المال لكن حين يتعلق الأمر بذلك السيد الشاب يتحول كل شيء إلى شيء آخر، شيء لا يشبهني. ومرة أخرى تصرفت بعاطفة. 

“هل تسير الأمور دائمًا بهذه الطريقة؟” 

تردد كبير الخدم قليلًا ثم تأملني بصمت وقال: 

“سنضاعف أجركِ.” 

ظل يتحدث وكأنه واثق تمامًا من موافقتي ورغم أنه بدا أكثر تهذيبًا من الأمس، فإن عدائيته كانت واضحة حتى ذلك التهذيب بدا قسريًا ومصطنعًا وهنا تأكدت كل هذا بأمر من ذلك السيد الشاب اللعين. دفع أجر عملي لعمي وضاعف راتبي وأمر بإعادتي إليه وبعد تلك النظرة الحمراء الباردة بالأمس كان الأمر غير قابل للتصديق. ماذا كان يدور في رأسه بحق السماء؟ 

‘هل وجد لعبة جديدة تسليه؟’ 

حين تذكرت تلك الابتسامة المهتمة على شفتيه، بدا ذلك احتمالًا واردًا فبالنسبة إليه، إنفاق هذا القدر على لعبة ليس شيئًا يُذكر أما بالنسبة لي فكان ثمنًا باهظًا ولم يكن أمامي خيار سوى قبول هذا العرض المغلف بالحلاوة فالمبلغ المضاعف الذي ذكره كبير الخدم أمسك بكاحلي ومنعني من الهرب. ذلك المال لن يغطي دواء أمي فقط بل سيتبقى منه فائض. 

وربما أستطيع أخيرًا شراء أعشاب ريبيرو شيء لم أجرؤ حتى على التفكير فيه سابقًا أما مدة بقائي هناك فلم أكن أعرفها. 

بالطبع، هذا إن استطعت الصمود أصلًا لكن كما يحدث دائمًا 

غرق خجلي سريعًا تحت وطأة اليأس ثم قلت في النهاية: 

“سأذهب.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.