الفصل 4: 4
4
الفصل الرابع
تابعت عينا كاسيان يوريسييل وهي تبتعد شيئًا فشيئًا. كان المشهد مضحكًا على نحوٍ ما فقد غادرت وهي شاردة الذهن لدرجة أنها لم تخلع زيّ الخادمة أصلًا وكان مؤخر رأسها، الملفوف داخل شبكة الشعر والمتمايل مع خطواتها، يشبه تمامًا جروًا صغيرًا. جروًا يهز ذيله لصاحبه لكن ذلك الجرو نفسه، الذي تجرأ على النظر إليه مباشرة وإسداء النصائح دون أن يُطلب منه ذلك اتضح أنه ليس جروًا، بل مهرٌ صغيرٌ جامح. وكان لمنظرها من الخلف سحرٌ غير متوقع أما ما إذا كان وجه تلك الفتاة يشبه الجرو أم المهر، فلم يكن أمرًا يعنيه في الحقيقة فجزء من السبب أنه سيموت قريبًا وحتى لو لم يكن الأمر كذلك، فإن العلاقة بينهما لا تستحق هذا القدر من الاهتمام ففي النهاية، لن يلتقي مجددًا في حياته كلها بفتاة تافهة كهذه ومع ذلك… لماذا؟
“ما كان اسمها مجددًا؟”
لم يكن سوى فضول عابر فمعرفة اسمها لن تضره بشيء.
“يوريسييل.”
يوريسييل، اسم نبيل وجميل، أرقى بكثير من أن يخص فتاة عامية اسمرّ جلدها تحت الشمس فأسماء عامة الناس غالبًا ما تكون بسيطة ومباشرة، مثل ماري أو جيف أو ريدل أما اسم يوريسييل، فكان يستحضر صورة ابنة نبيل حقيقية ومن هذه الناحية كان الاسم يناسبها بصورة مدهشة. خصلات شعرها المقصوصة بعناية متواضعة كانت تخرج من تحت غطاء الخادمة، والزي الذي ترتديه أكبر من مقاسها بنصف درجة، وأسلوبها الخالي من الرقي يضيع وسط طريقتها العفوية في المشي أما بشرتها فكانت قد اكتسبت لون الشمس ومع ذلك كله كانت جميلة بلا شك. لقد أدرك ذلك منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها تمامًا كما يدرك المرء جمال حجر كريم للزينة بمجرد النظر إليه بغض النظر عن قيمته الحقيقية، فإن أي شخص يملك عينين سيرى جماله. كانت عيناها الخضراوان تتلألآن كجوهرتين هشتين انتُزعتا من أعماق البحر السحيقة لا من ظلال الغابات حتى إنه وجد نفسه يتساءل عن لون الشعر المخفي تحت غطاء الخادمة وتسلل إليه خاطر عابر يجعله يرغب في نزع الغطاء والعبث بخصلاته. حقًا كان اسم يوريسييل يليق بها تمامًا.
قد يكون من السخف إضفاء كل هذه المعاني على مجرد اسم لكن أي شخص يراها سيوافق على ذلك غالبًا مع أن موافقة الآخرين لا تهم أصلًا فطالما أن أحد أفراد آل بلانشيت قد اعترف بذلك، فما قيمة آراء البقية؟
تحت السماء التي يُعد اعترافه فيها قانونًا، راقب الفتاة التي استحوذت على انتباهه بصمت. كانت تنحني فوق العشب وتشم أزهار البنفسج وبدا من الصعب التمييز بين الزهرة والفتاة فقد تشابهتا إلى حد بعيد ثم فجأة، وكأنها تذكرت أمرًا عاجلًا، اندفعت راكضة. بدت وكأنها متجهة إلى مكان ما على عجل. وجهٌ أرستقراطي لكن بخطوات خفيفة طائشة لا تليق بالسيدات ولو رآها فتيات الطبقة الراقية، لأخبرنها بالتوقف عن اتخاذ ذلك الوجه الجميل ما دامت لا تعرف كيف تتصرف بما يليق به.
بدت وهي تهرب مسرعة أقل شبهًا بالحرية وأكثر شبهًا بنفاد الصبر.
ألم يكن من المفترض أن تكون سعيدة بالفرار من هذا المكان الجحيمي؟ فالجميع كانوا كذلك. كل من سبقهـا كان يجد صعوبة حتى في التنفس قربه أما هي فكانت تركض وكأنها متجهة إلى جحيم آخر. خطواتها مثقلة بهدف واضح وفجأة تذكر طرف كمّها الواسع وهو يرتجف قليلًا أثناء حركتها وكيف ارتجف وجهها الصغير بين أصابعه كزهرة رقيقة. جميلة إلى حد الإيلام ومع ذلك كان هو من أوقفها بقسوة. في العادة، بعد تعرض فتاة لمثل هذا الإذلال، كانت ستنفجر بالبكاء وتهرب إلى الخارج لكنها صمدت حتى النهاية بعناد وكأن ما حدث لم يكن يعني لها شيئًا. في الحقيقة، منذ البداية كانت الطريقة التي نظرت بها إليه مباشرة وقالت ما في خاطرها تشبه أزهار البنفسج المزروعة في الحديقة.
مستقيمة لا تعرف الخوف.
وأمام رجل تتلاشى حياته يومًا بعد يوم، كان إصرارها على بذل كل ما تستطيع واضحًا بشكل مؤلم مثل زهور البنفسج التي تتفتح حتى في أبرد الفصول بدت صلبة ويائسة في الوقت نفسه.
ومن أين جاء كل ذلك الإصرار؟ وجد نفسه يتساءل رغم أن الأمر لا يعنيه أصلًا.
“يبدو أن لديها مشكلة ما.”
“عفوًا؟”
انتبه كبير الخدم، الذي كان ينتظر اللحظة المناسبة ليسأل السيد الشاب إن كان سيعيد الفتاة غدًا، إلى صوته المفاجئ.
“تلك الفتاة، إنها من أبناء هذه القرية، لذا لا بد أنك تعرف قصتها.”
“مـ… ماذا تقصد بقولك إنها من أبناء القرية؟”
استدارت عينا كاسيان الحمراوان ببطء واستقرتا على كبير الخدم. عينان باردتان كصقيع الشتاء، عينان تخصان آل بلانشيت ومن المستحيل تصديق أنهما تعودان لشاب لم يتجاوز الثامنة عشرة.
ارتجف جسد كبير الخدم بعنف فهو من قدم الفتاة على أنها ابنة نبيل وهو من أخبر السيد الشاب أنها فتاة ذكية وسريعة البديهة وتليق بخدمة آل بلانشيت.
“هل ظننت حقًا أنني لن أكتشف الأمر؟ يا للمأزق. الآن أصبحت أعرف كل شيء.”
هل كان جميع أفراد آل بلانشيت بهذا الرعب؟ بهذه القسوة؟ لطالما عزّى كبير الخدم نفسه بحقيقة أنه لا يخدم آل بلانشيت مباشرة وأن هذا السيد الشاب سيرحل من هنا في النهاية لكن منذ وصول وريث آل بلانشيت، وهو يعيش كل يوم تحت ضغط خانق والمفارقة أن كاسيان لم يكلف نفسه حتى عناء سؤاله عن اسمه وكأنه لا يستحق ذلك وهذا تحديدًا ما جعله وريث آل بلانشيت حتى لو كان مقدرًا له أن يموت قريبًا. ولهذا السبب كان قد درب الفتاة التي اختارها للغد بعناية شديدة لكن هل أخطأ هذه المرة؟ ابتلع ريقه الجاف بصعوبة وقال:
“أنا آسف.”
ظل وجه كاسيان خاليًا من أي تعبير وكأنه يقمع سخرية ما فشعر كبير الخدم بقشعريرة باردة تسري في عموده الفقري.
“لقد… لقد ارتكبت خطأً لا يُغتفر.”
في الواقع، لم يكن يستطيع إنكار مسؤوليته فإرسال فتاة من عامة الناس لخدمة وريث آل بلانشيت أمر قد يُعد إساءة جسيمة. ربما لا يسبب أزمة كبيرة لكن أقل ما فيه أنه سيقوض مصداقية اللورد وبعد كل الجهود التي بذلوها لإرضاء السيد الشاب، لا يمكن السماح بحدوث ذلك. وبدأ شكه بأن الفتاة ارتكبت خطأً ما يتحول تدريجيًا إلى يقين فهو أخبرها بوضوح عن مكانتها المزيفة وعن العائلة التي يفترض أن تنتسب إليها والآن بعد انكشاف الحقيقة، لن يزيد أي عذر الوضع إلا سوءًا. كان الأفضل أن يشرح الأمر بصراحة ويأمل في ذرة رحمة من السيد الشاب وفجأة تذكر ما أخبرته به رئيسة الخادمات ماري عن الفتاة.
“أحضرتها لأن أمها مريضة. كان وضعهما يبعث على الشفقة.”
ظهر اضطراب خاطف على وجه كاسيان.
فتاة جاءت لتكسب ثمن دواء لأمها المريضة اكتملت الصورة دون الحاجة إلى مزيد من الشرح.
حركات قدميها المتوترة، ونظرتها المشفقة نحوه رغم تدني مكانتها وتلك الشفقة الخافتة في عينيها، واليأس والندم المختبئان خلفها.
الآن أصبح كل شيء مفهومًا لكن ذلك الاضطراب اختفى بسرعة وسأل ببرود:
“إذا حصلت على الدواء هل تستطيع إنقاذ أمها؟”
كان كبير الخدم يعرف جيدًا أوضاع القرويين ولهذا عرف الجواب.
“حين لا يستطيع الناس تحمل تكلفة طبيب حقيقي فإن معظمهم يذبلون ببطء حتى يرحلوا.”
وللحظة قصيرة جدًا ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي كاسيان.
طرق بأصابعه على حافة النافذة، مرة ثم أخرى وكأنه يفكر في شيء ما، وتشكل خط رفيع بين حاجبيه وحين ابتلع كبير الخدم ريقه مجددًا، تكلم كاسيان أخيرًا.
“أحضروها غدًا مرة أخرى.”
“…ماذا؟”
“أخبرهم أن يعيدوا تلك الفتاة غدًا.”
تردد صوته الأجش داخل الغرفة بوضوح وتلعثم كبير الخدم من شدة الارتباك.
“نـ… نعم مفهوم.”
استدار على الفور لينصرف لكن كاسيان حرّك إصبعه فلم يجد كبير الخدم خيارًا سوى العودة.
“ذلك الزي الذي ترتديه الخادمة.”
قال كاسيان بضيق:
“أشعر بالانزعاج كلما نظرت إليه.”
عندها تذكر كبير الخدم أن الزي كان أكبر من مقاس يوريسييل بنصف درجة.
“سأقوم بتعديله فورًا.”
“ومن الآن فصاعدًا، على الجميع في هذا المنزل مخاطبتها بأقصى درجات الاحترام.”
“لكن…!”
أن يُطلب من كبير خدم في منزل نبيل أن يستخدم ألفاظ الاحترام مع فتاة عامية كان ذلك أمرًا مهينًا.
هل أصبح السيد الشاب متعلقًا بها إلى هذا الحد؟ وإلا فلماذا يهتم بظروف فتاة تافهة كهذه؟
لم يجد تفسيرًا آخر وإذا كان هذا صحيحًا شعر الدم ينسحب من وجهه. صحيح أنه ارتاح من عبء البحث عن خادم جديد يتحمل طباع السيد الشاب لكن هذا التقارب بينهما كان مصدر قلق أكبر فإذا علمت السيدة الأرملة بالأمر، فستثور غضبًا بلا شك ولو انتشرت شائعة عن علاقة وريث آل بلانشيت بفتاة عامية
فإن الجميع هنا سيدفعون الثمن أما آل بلانشيت، فبإمكانهم التخلي عن الفتاة متى انتهت فائدتها لكن اللوم كله سيقع على إقليم ألفونس.
إلا أن القشعريرة التي أصابته عند رؤية وجه كاسيان لم تكن بسبب ذلك بل بسبب شيء آخر شيء أشد رعبًا.
قال كاسيان بصوت هادئ:
“تلك الفتاة ستظل دائمًا الآنسة فيلورد، ابنة الفيكونت فيلورد وفي إقليم اللورد ألفونس هل يتحدث كبير الخدم مع مرافقة السيد الشاب دون استخدام الألقاب المناسبة؟”
“لا.”
“إذن استمر في معاملتها كما كنت تفعل.”
“…”
ثم ابتسم، ابتسامة شيطان يرتدي قناع ملاك وقال:
“فهي في النهاية سيدة نبيلة، أليس كذلك؟”
كان تحذيرًا واضحًا، يجب أن يبقى هذا الأمر سرًا مطلقًا وخادم الشيطان المقيد بسلاسله لا يستطيع مخالفة أوامره.
“بالطبع.”
راقب كاسيان كبير الخدم وهو ينسحب مسرعًا، كمن يفر من كارثة وعندها فقط ارتسمت على شفتيه ابتسامة باردة ساخرة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.