الفصل 3: 3
3
الفصل الثالث
“حتى لو لم تكن على وشك الموت، فلا يوجد شيء لا تستطيع فعله، أليس كذلك؟ ففي النهاية أنت من آل بلانشيت.”
ارتسمت على وجهه الملتفت نحوي ملامح عدم تصديق واضحة ولم يكن ذلك مستغربًا فلم يسبق لأحد أن ردّ على سيد شاب من طبقة النبلاء بهذه الوقاحة.
الجميع يطأطئون رؤوسهم ما إن يقفوا أمام أحد أفراد آل بلانشيت.
“كم هو مسلٍّ.”
ظهرت ابتسامة خافتة على وجه كاسيان ثم اختفت بالسرعة نفسها
أما عيناه، المملوءتان بالازدراء البارد، فقد ثبتتا عليّ بلا تردد.
“في النهاية، أنتِ هنا فقط على أمل التقاط قطرة واحدة تتساقط من مائدة آل بلانشيت، أليس كذلك؟”
شخص يعيش على ما يتساقط من بلانشيت.
كان هذا الوصف ينطبق عليّ تمامًا بل كان تعليقًا عاديًا إلى درجة أنني كنت سأتجاهله في أي وقت آخر ففي النهاية، كان عدد لا يُحصى من عامة الناس ــ أو على الأقل جميع سكان إقليم كليونليف التابع للورد ألفونس ــ يعيشون بهذه الطريقة وما الغريب في ذلك؟ كل ما على الخادم فعله هو التصرف وفق رغبات سيده.
وبصفتي خادمة مكلّفة بخدمة السيد الشاب، كان يفترض بي أن أغلّف كلماتي بالعسل، وأحرص على ألا أزعجه.
فلماذا قلت تلك الأمور؟ لماذا حاولت الإيحاء بأنني مختلفة؟ وأنني جئت لإنقاذه؟ كان يكفي أن أنطق ببضع أكاذيب معسولة لا أكثر لكن لساني تحرك من تلقاء نفسه.
“أنت محق لقد جئت إلى هنا على أمل أن أحصل على أي شيء مهما كان.”
كان القرار أقرب إلى الاندفاع منه إلى التفكير. بدت عيناه فارغتين، ممتلئتين باستسلام عميق إلى درجة جعلت الكلمات الحلوة، الخفيفة كغزل البنات، ترفض الخروج من فمي.
حقًا لقد كان اختيارًا أحمق بماذا كنت أفكر؟ ما الذي أردت تحقيقه باعتراف كهذا أمامه؟ ولأي سبب كنت أستفز السيد الشاب؟ لطالما اعتقدت أن خلط المشاعر بالعمل أمر لا يفعله إلا الحمقى ومع ذلك، لوهلة قصيرة أصبحت أنا ذلك الأحمق.
وكما هو متوقع، ارتفع أحد حاجبي كاسيان بانسيابية كما لو أنه سمع شيئًا يثير اشمئزازه ثم أطلق صوتًا خافتًا:
“آه…”
ورسم على شفتيه ابتسامة ماكرة.
“لكن لا تبدين يائسة إلى هذا الحد، أليس كذلك؟”
ورغم السخرية الواضحة في كلماته، بدا صوته غريبًا في صدقه حتى إن سؤاله كاد يبدو حقيقيًا، بالطبع لم يكن كذلك.
انقبض حلقي ففي حياتي كلها لم أكن يومًا سوى شخص يائس وحتى الآن، في هذه اللحظة نفسها، كان عليّ أن أكون يائسة في كل ثانية لأن اليأس وحده هو ما جعلني أواصل العيش يومًا بعد يوم وأتمكن بالكاد من إعالة نفسي وأمي.
في الواقع كان تصرفي اليوم غريبًا عن طبيعتي وربما لهذا السبب بدوت بعيدة عن اليأس الحقيقي فالذين يعيشون اليأس حقًا يحفرون آبارهم بأيديهم، ثم يركعون أمام من يمنحهم الفتات. هكذا يسير العالم ومن هذه الزاوية كنت قد ارتكبت خطأً فادحًا اليوم. ثبتت عيناه الحمراوان عليّ بلا اهتزاز وفي كل مرة ألتقي فيها بتلك النظرة، أشعر وكأنها تخترق عظامي مباشرة حتى وهو جالس باستقامة كاملة، كان حضوره وحده كافيًا لسحقي.
بدت وضعيته الصلبة وكأنها تقول:
〘هيا إذن أريني يأسكِ.〙
ولذلك، وإن كان الأوان قد فات، بدأت أحفر بئري.
“لا يوجد شخص واحد في هذه القرية لا يعيش اليأس.”
ارتفع حاجبه مرة أخرى وهذه المرة بدهشة حقيقية.
“بالنسبة لشخص مثلي، فإن قطرة واحدة من بلانشيت هي ماء حياة، ماء يكفيني لأعيش يومًا كاملًا… لا، شهرًا كاملًا. وبالطبع، يا سيدي الشاب، أنت من يتحكم في مصدر ذلك الماء.”
قال ببرود:
“وهل تتوقعين مني حقًا أن أهتم بظروفكِ التافهة؟”
كانت الكلمات قاسية ولا مبالية لكنها اكتسبت معنى مختلفًا حين خرجت من فمه فمن القسوة أن تطلب من رجل لم يتبقَّ له سوى أيام معدودة أن يفسّر حياة الآخرين لذلك هززت رأسي.
“لست بحاجة إلى ذلك.”
“…”
“أردت فقط أن أقول إن الجميع يبذلون قصارى جهدهم للعيش.”
ساد الصمت مرة أخرى، صمت ثقيل يطفو في الهواء كشبح. ربما كان ينبغي عليّ أن أكتفي ببعض الكلمات المعسولة فمن السخافة أن أتوقع ولو ذرة من “التعاطف” من شخص أصبح حتى الفهم بالنسبة له رفاهية لكن عندما دققت النظر، لاحظت أن زاوية فمه ارتفعت قليلًا.
‘هل يجد هذا ممتعًا؟’
اختفى هذا الظن فورًا عندما شق صوته الحاد أفكاري.
“هل أبدو وكأنني أسأل عن يأس هؤلاء القرويين؟”
“أنا واحدة منهم أيضًا.”
“حقًا؟ إذن سأجد شخصًا يائسًا آخر. هل هذا ما تريدينه؟”
اختنقت أنفاسي. كانت الكلمات بسيطة لكنها أصابتني في الصميم.
رغم كل ما مررت به في حياتي، ورغم أنني تعاملت مع أناس أشد نفوذًا من هذا السيد الشاب فإن هذه الكلمات وحدها نجحت في تقييدي.
هل السبب مكانته الرفيعة؟ لا، فقد التقيت بنبلاء كثيرين من قبل. كان المسافرون من الطبقة الأرستقراطية يمرون بهذه المنطقة أحيانًا ومعظمهم لم يُظهروا استياءهم علنًا إذا كرهوا شخصًا ما، كانوا يكتفون بتذكر الأمر ثم يتخلصون منه لاحقًا أما هذا الرجل فكان يتلاعب بالبشر كما لو كانوا ألعابًا. كان يستمتع بمعرفته أن كل شيء يعتمد على طرف إصبعه. يضعني فوق راحته الشاحبة ثم يعبث بي ويمسك بيأسي بقوة داخل قبضته.
‘لماذا قلت الحقيقة؟’
الآن فقط أشعر بالندم. لم أدرك أن ذلك سيغذي غروره أو ربما أدركت ولهذا كان الأمر أكثر حماقة. ومن المضحك أنني لم أشعر بهذا إلا بعد أن قلت كل ما أردت قوله لكن ما حدث قد حدث ومن يسبب المشكلة عليه أن يتحمل نتائجها.
تجمعت كلمات مهينة ومذلة على شفتيّ قبل أن أخرجها أخيرًا.
“ما الذي تريدني أن أفعله إذن؟”
تحولت نظرة كاسيان فجأة من وجهي إلى رفوف الكتب وأصبحت حركة الصفحات أبطأ من السابق.
“ماذا؟”
ثم سأل بنبرة هادئة:
“هل أنتِ مستعدة حقًا لفعل أي شيء؟”
حرّك إصبعه بكسل ولم أجد خيارًا سوى الاقتراب من سريره عندها أمسك بذقني برفق. كانت يده البيضاء النحيلة أقوى بكثير مما يوحي به وجهه الشاحب وانخفضت عيناه الحمراوان ببطء فوقي تلتمعان كالشمس وتفحصانني من أعلى إلى أسفل.
قريبتين إلى درجة أنني استطعت الشعور بأنفاسه.
“لابد أن لديكِ الكثير من الأشياء التي ترغبين بفعلها معي…”
توقف لحظة ثم أكمل بصوت منخفض:
“…وأنتِ معي وحدنا في هذه الغرفة.”
تحركت أصابعه ببطء فوق شفتيّ، حاولت الابتعاد من شدة الإحراج لكن جسدي تجمد بالكامل وارتجف ولم أكن ساذجة إلى الحد الذي يجعلني أسيء فهم ما يقصده فقد سمعت الشائعات. كان الناس يقولون إن صرخات النساء كانت تُسمع أحيانًا داخل قصر اللورد ثم تختفي تلك الخادمات في اليوم التالي بلا أثر وتتولى سيدة المنزل التخلص من الأمر بصمت أما هذا السيد الشاب فكان متمحورًا حول نفسه إلى أبعد حد.
تزاحمت آلاف الأفكار داخل رأسي لكن وسطها جميعًا اجتاحني شعور حارق بالعار. وبعد ما بدا كأنه أبدية داخل تلك اللحظة القصيرة أفلت كاسيان وجهي أخيرًا ثم عاد إلى كتابه وكأن شيئًا لم يحدث أصلًا لم ينظر إليّ حتى فقط استمر في تقليب الصفحات. وكأن الحادثة محيت من ذاكرته منذ زمن أما أنا فلم أستطع سوى الوقوف في مكاني ومراقبته فهذا واجبي في النهاية. ولسوء الحظ، توقف هذه المرة عن رمي الكتب وبدأ يقرأ كتابًا واحدًا بتركيز حقيقي ولم يعد لدي أي عذر للحركة وهكذا بقيت واقفة مذهولة. أتلقى تجاهله الصريح بصمت وكان وجهه الذي أراه بين الحين والآخر فوق صفحات الكتاب خاليًا من أي تعبير. الأمر الأكثر إذلالًا هو أنني بدوت الوحيدة التي فهمت شيئًا مختلفًا من ذلك الموقف، الوحيدة التي ارتجفت وأساءت الظن.
مر الوقت ببطء مؤلم وفوق الخجل بدأ القلق يتصاعد تدريجيًا.
‘هل سيطردني الآن؟’
حتى في هذه اللحظة، ترددت.
‘هل أتحدث؟’ هل أحاول إقناعه؟’ هل يمكن تغيير رأي شاب نبيل؟ هل يمكن إصلاح خطأ واحد؟ هل أعتذر؟ أم أشرح وضعي بالكامل؟’
وهكذا استمر الوقت في التدفق بلا معنى وكل ثانية أقضيها واقفة مترددة كانت تجعل أنفاسي أثقل وغمرتني موجة من الذنب فكل هذا كان خطئي أنا وإذا كان هذا أسلوبه في معاقبتي لأنني أزعجته فقد نجح بالفعل.
كان وجهه الهادئ خلف الصفحات الرقيقة مستفزًا إلى حد لا يطاق وكأن تلك المسافة التي لا يمكن تجاوزها بيننا ترسم الفارق الحقيقي بين كاسيان وبيني وتحذرني بصرامة:
〘لا تنسي مكانك أبدًا.〙
ومع مرور الوقت تحول شعوري بالإهانة إلى وعي مرير بالواقع وأخيرًا فهمت.
آه… إذن هذا هو الأمر، منذ البداية، لم يكن ينوي الاحتفاظ بي لقد احتاج فقط إلى لعبة جديدة يتسلى بها هذا اليوم. هذا السيد الشاب المتغطرس وكان من المضحك أنني أظهرت له شيئًا من الصدق ولو للحظة.
وفور أن أدركت ذلك انتهى التعذيب أخيرًا. دُق الباب ودخل كبير الخدم ليصطحبني وألقى عليّ نظرة حذرة ثم بدا متفاجئًا.
على الأرجح لأنه لم يتوقع أن أصمد كل هذا الوقت وبالفعل، كانت العمة ماري قد أخبرتني مسبقًا أن الآخرين لم يتمكنوا حتى من إكمال نوبة حراسة واحدة قبل المغادرة ولهذا تجرأت على التمسك بالأمل لكن ذلك الأمل بدا الآن سخيفًا.
نظر كبير الخدم إلى سيده ثم عاد ينظر إليّ وبدا أنه توصل إلى الاستنتاج نفسه الذي توصلت إليه أنا فتصلب وجهه فورًا وردة فعله أكدت لي الأمر. السيد الشاب كان غاضبًا حقًا. لم ألاحظ ذلك من قبل، لأنه ظل جالسًا بلا حراك طوال الوقت لكن ما أهمية ذلك الآن؟ لن أراه مجددًا على أي حال فأي أحمق لا يفهم معنى أن يُترك واقفًا لساعات بلا كلمة واحدة؟ وحين عادت عيناه إليّ، أصبحتا حادتين بشكل مخيف حتى شعرت وكأنني ارتكبت جريمة عظيمة.
“سيدي الشاب، حان وقت راحتك.”
وبإشارة صغيرة من كاسيان، أسرع كبير الخدم بإخراجي من الغرفة كما لو أن منظرًا مزعجًا يجب إبعاده عن ناظريه فورًا.
لم يتوقف كبير الخدم إلا بعد أن تجاوزنا الباب وسرنا بعيدًا داخل الممر الثاني ثم استدار نحوي وكانت ملامحه مثقلة بالتنهدات ولم تختلف تجاعيد جبينه عن تلك التي رأيتها عندما أحضرني أول مرة. فهمت السبب. لقد تمسك بأمل ضئيل والآن عليه أن يبحث عن شخص جديد يا له من صداع. وبما أنه يعلم أن المشكلة تكمن في سيده لا فيّ، فإنه لم يقل شيئًا آخر بل اكتفى بإعطائي ظرفًا.
“هذا أجر ممتاز.”
وأشار إلى باب قريب.
“لمخرج من هناك.”
كان صوته أثقل من المعتاد ولم يطرح أي أسئلة لا عمّا إذا كنت قد ارتكبت خطأ ولا عن سبب برودة تعابير السيد الشاب وكأن ما حدث مجرد روتين يومي داخل هذا القصر.
ورغم تحذيرات العمة ماري كنت قد اعتقدت بغرور أنني سأكون مختلفة لكنني انتهيت، بصورة مخزية، كواحدة أخرى من بين عدد لا يحصى من المطرودين. وعندما خرجت إلى الخارج، كشفت السماء السوداء مدى الوقت الذي مضى دون أن أشعر. كان هواء الليل القاسي، في أواخر الشتاء، يلامس وجهي ببرودة حادة، تمامًا كحال قلبي. وشعرت بثقل خانق في صدري رغم الأجر السخي الذي لن أحصل على مثله في أي مكان آخر وتبع ذلك ندم مرير وشعور بأنني كنت أستطيع التصرف بشكل أفضل وكان ذلك الندم يثقل خطواتي مع كل خطوة أخطوها وقبل أن أعبر الشجيرات المؤدية إلى البوابة الرئيسية، توقفت عند الجرف الشهير بإطلالته الجميلة ومن هناك رأيت أسطح المنازل الملونة متجمعة في البعيد وفي مكان ما بينها كان منزلنا الصغير، لونًا متواضعًا بين ألوان كثيرة وهناك كانت أمي على الأرجح تُعد الحساء الآن غير عابئة بصحتها كعادتها. فأسرعت في السير دون أن أدرك أن شخصًا ما كان يراقب مغادرتي من الأعلى.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.