مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 2: 2نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 2: 2

2

الفصل الثاني 

ظلّت عيناي متسعتين طوال الوقت وأنا أعبر الحديقة فالنافورة المرتبة بإتقان، والأزهار المتفتحة بلا شائبة في كل زاوية، كانت كافية لتُظهر حجم الجهد الذي بذله الخدم بمجرد النظر إليها. 

‘إذن فهو حقًا مهووس بالكمال كما يقولون.’ 

ما إن دخلت القصر حتى ألقى رجل بدا وكأنه كبير الخدم نظرة واحدة على ملابسي، فعقد حاجبيه واستبدلها فورًا بزيّ خادمة. كنت قد حرصت على ارتداء أفضل ما أملك، ومع ذلك بدا الأمر غير مقبول تمامًا في نظرهم. وبملابس أكبر من مقاسي بكثير، تتدلى أكمامها متجاوزة أطراف أصابعي بنصف عقلة تقريبًا، بدوت في غاية السخف لكن كبير الخدم تظاهر بعدم ملاحظة ذلك، واستأنف قيادتي عبر الممرات. سرنا في رواق طويل يقود إلى جناح منفصل تعلوه قمة برج مرتفعة وخلال الطريق أمطرني بسلسلة من التعليمات. 

“عليكِ دائمًا إظهار أقصى درجات الاحترام أمام السيد الشاب. حالته التنفسية سيئة، لذلك أزيلي أي ذرة غبار فور ظهورها. وأعيدي كل ما يستخدمه إلى مكانه الأصلي تمامًا…” 

وبينما كان يعدّل منظاره الأحادي، ألقى نظرة جانبية ليتأكد من أنني أستمع جيدًا لكن التجهم لم يغادر وجهه، كان يحمل التعبير ذاته الذي رأيته على وجه العمة ماري؛ نظرة استسلام مرهقة، وكأنه يتساءل في قرارة نفسه كم سأصمد قبل أن أُطرد. 

“وتحت أي ظرف من الظروف، يُمنع عليكِ الصعود إلى العلية.” 

“نعم.” 

“وأفترض أنكِ تدركين جيدًا أنه لا يجوز لكِ فتح ذلك الباب دون إذن مباشر من السيد الشاب. ومن الآن فصاعدًا، أنتِ يوريسييل، خادمة منزل الفيكونت فيلورد.” 

في هذا العالم، مجرد تنفس أحد العامة الهواء نفسه الذي يتنفسه وريث آل بلانشيت قد يتحول إلى مشكلة كبيرة. 

وقد فهمت تقريبًا ما يقصده كبير الخدم. كان يريد القضاء على أي احتمال للمشكلات منذ البداية ورغم أنني كنت أعلم ذلك مسبقًا، فإن تذكيري مرارًا بأنني أنتمي إلى عالم مختلف تمامًا عن عالم ذلك الرجل كان أمرًا مرهقًا بعض الشيء. 

“بالطبع.” 

يبدو أن إجابتي المقتضبة أزعجته، إذ أجبرني على إعادة جميع التعليمات التي قالها كلمة بكلمة لكن الأمر لم يكن صعبًا فالخبرة التي اكتسبتها من سنوات العمل الشاق لم تأتِ من فراغ. 

المطعم العائلي الذي عاملني بعدائية وبائع السمك الذي استغل عملي ثم رفض أن يدفع أجري. مقارنة بتلك التجارب، كان هذا بالكاد يُعد تحديًا فعلى الأقل، في مكان مليء بالنبلاء، لن يحتالوا عليّ ويسرقوا أجري. وحين كررت جميع تعليماته دون أن أفوّت كلمة واحدة، اتسعت عيناه بدهشة واضحة قبل أن يفتح الباب. 

في الداخل، كان هناك شخص مستلقٍ على السرير بلا حراك، وكأنه غارق في النوم وما إن هممت بالدخول حتى أوقفني كبير الخدم، ثم انحنى باحترام وقال: 

“أحضرت الفتاة التي ستخدمك يا سيدي.” 

ساد الصمت في الغرفة وكانت تلك الثواني القليلة كافية لخلق توتر خانق وبدأ القلق يتسلل إليّ من أن يتم طردي فورًا بعد كل هذا العناء، وكما توقعت تمامًا لم تخذلني نذيرتي السيئة. 

“لقد قلت مسبقًا إنني لا أحتاج إلى شيء كهذا.” 

كان صوته أجشّ قليلًا، لكن لو لم يكن مبحوحًا لكان نقيًا وعذبًا للغاية بل حمل الرقي ذاته الذي رأيته في أواني الخزف البيضاء الفاخرة الموضوعة في الممرات. وبرغم أنه لم ينطق سوى بجملة واحدة، فإن أسلوبه كان متزنًا إلى درجة لا تناسب عمره إطلاقًا أما مضمون كلامه، فكان بعيدًا كل البعد عن الرقي إذ أشار إلى شخص حيّ بعبارة “شيء كهذا”. كما قيل تمامًا لم يكن طبيعيًا بالكامل لكن ذلك لم يؤثر فيّ كثيرًا. 

فكثير من السادة النبلاء يعاملون خدمهم بهذه الطريقة وفوق ذلك، كنت قد سمعت مسبقًا عن سوء طباعه، لذلك شعرت بنوع من المناعة تجاه الأمر لكن الصورة التي رسمتها له في مخيلتي، كرجل يحتضر، تحطمت بالكامل وتبخرت بقايا الشفقة أو التعاطف عديم الفائدة كما يذوب الثلج تحت أشعة الشمس. 

كم كان سخيفًا أن أقلق عليه ولو للحظة. 

أنا التي إذا طُردت الآن فسأضطر للتفكير فورًا في ثمن دواء أمي لهذا الشهر فبأي حق كنت أشفق عليه؟ 

حاول كبير الخدم إقناعه بإلحاح لكن موقف السيد الشاب بقي ثابتًا. كان من النوع الذي يفرض هيبته حتى بالصمت ولأول مرة، راودتني رغبة حقيقية في رؤية وجهه. واصل كبير الخدم محاولاته، وكأنه معتاد على هذه المواقف، إلى أن رفع السيد الشاب إصبعه ولوّح به بحركة خفيفة تنم عن الضيق عندها فقط استدار كبير الخدم نحو الباب وأثناء مروره بجانبي، رمقني بنظرة حادة، وكأنه يوجه لي آخر تحذير ثم أغلق الباب خلفه بعناية وغادر. 

أما أنا، فلم أتحرك من مكاني بقيت واقفة كما أُمرت، منتظرة الإذن بالتحرك ومن طباعه الواضحة، بدا السيد الشاب شخصًا شديد الحساسية والانزعاج ولم تكن لدي أي نية لمنحه سببًا يشكو منه. ليس إذا كنت أريد الحصول على أجر هذا اليوم على الأقل. 

كم من الوقت مرّ هكذا؟ 

بعد أن تجاهلني طوال ذلك الوقت، رفع كاسيان الجزء العلوي من جسده ببطء حتى هذه الحركة البسيطة بدت شاقة عليه لكنني أبقيت رأسي منخفضًا وتظاهرت بعدم الملاحظة ولم أحاول مساعدته فمع شخص يملك هذا القدر من الكبرياء، قد تُعد المساعدة إهانة. وبعد أن استند أخيرًا إلى حافة السرير، تجاهل وجودي تمامًا وكأنني غير مرئية، ومدّ يده إلى كتاب موضوع على الطاولة القريبة. تقلّبت الصفحات بسرعة تحت أصابعه. ألقى نظرة سريعة على محتواه ثم رماه جانبًا بضجر ثم أخذ كتابًا آخر ثم آخر ثم آخر. وبصمت، كنت أعيد كل كتاب إلى مكانه الصحيح وفي كل مرة، كان يبعثر المزيد. 

لم أستطع معرفة ما إذا كان يفعل ذلك عمدًا لتعذيبي أم أنها مجرد طبيعته الصعبة فلو كان يحاول إزعاجي، فقد كان متحفظًا على نحو غريب ولم يكن الأمر مرهقًا حتى. والمفارقة أن هذا تحديدًا هو ما جعله مزعجًا فأنا معتادة على الحركة الدائمة أما الوقوف بلا عمل، فكان يبعث فيّ التوتر ولذلك بدأت أرتب ما حولي بهدوء وأثناء ذلك، كنت أرى وجهه أحيانًا بين الصفحات المتقلبة. حرصت على البقاء على مسافة تسمح لي بمراقبته دون أن أثير انتباهه. كان وجهه شاحبًا إلى درجة تكاد تجعله شفافًا. نبيلًا كما وصفته الشائعات لكنه هزيل أيضًا، وكأنه لم يتناول وجبة حقيقية منذ زمن وذراعاه وساقاه النحيلتان بدتا كأغصان جافة قد تنكسر عند أقل لمسة ومع ذلك حين لامست أشعة الشمس عينيه الحمراوين، أشرقت فيهما حيوية غريبة وتحت تلك العينين الصافيتين، رسم أنفه الحاد وفكه المتناسق ملامح جمال منحوت بعناية، وكأن فنانًا بارعًا قد صنعه بيديه وكلما نظرت إليه أكثر، ازداد انسجام وجهه مع صوته العذب ومع اسمه النبيل أيضًا. 

كاسيان. 

بعد ذلك، استمر في التحكم بكل شيء بحركة بسيطة من أصابعه. ورغم تجاهله التام لي، كان واضحًا أنه لم ينسَ وجودي. إشارة صغيرة منه فأحضر كتابًا، يقلب عدة صفحات بلا اهتمام ثم يرميه ثم يعيد الأمر من جديد واستمرت هذه الحلقة العبثية عشرات المرات وأخيرًا، ضرب أحد الكتب على الطاولة بعنف مرة أخرى. 

〘هيئة الأمير وسلوكه. 〙 

كتاب لا يناسب عمره إطلاقًا حتى أبناء الدوقات في العاصمة لا يقرؤون مثل هذه الكتب عادة إلا بعد بلوغهم سن الرشد فهي مؤلفات تُستخدم لغرس الفضائل المطلوبة في حاكم الإقليم وإعداد الورثة بل إن رؤساء العائلات غالبًا ما يستخدمونها لتقييم أبنائهم واختيار وريث الأسرة وبمعنى آخر لم يكن لهذا الكتاب أي قيمة فعلية بالنسبة لكاسيان، الذي قد تنتهي حياته في أي لحظة. 

وباعتباره الابن الوحيد لآل بلانشيت، لم يكن مضطرًا أصلًا إلى التنافس على منصب الوريث لذلك لم أجد تفسيرًا لتصرفاته سوى أنه يتعمد مضايقتي ثم فكرت: 

‘لو قيل لي إن عمري المتبقي قصير جدًا ألن أغضب أنا أيضًا؟ ربما سأكره كل شيء.’ 

ضحكات الناس، السماء التي تشرق وتغيب كل يوم بانتظام بل وحتى الفصول وهي تبدّل ثياب الطبيعة عامًا بعد عام. ربما كان يريد أن يتشارك الجميع ألمه وفي الحقيقة، بصفته وريث آل بلانشيت الوحيد، كان يملك السلطة الكافية ليفعل ذلك. 

وفي اللحظة التي مددت فيها يدي لالتقاط الكتاب الذي رماه مجددًا اخترقتني نظرات كاسيان مباشرة. كانت عيناه الحمراوان حادتين إلى درجة جعلت تجاهلهما مستحيلًا فاستدرت نحوه والتقت عيناي بنظرته الثقيلة الخانقة. كانت عيناه نافذتين وكأنهما تحاولان اختراق عظامي نفسها ثم خرج صوته أخيرًا. 

حادًا وقاطعًا كسيف صُقل تحت السماء المفتوحة. 

“اخرجي.” 

كم خادمًا طرده بهذه الطريقة قبلي؟ والآن جاء دوري فحسب. تداخلت صور أولئك السابقين في ذهني مع وجهه فقلت: 

“حتى لو طردتني، فستعامل الشخص التالي بالطريقة نفسها.” 

نظر إليّ كاسيان بنظرة متحدية، وكأنه يدعوني إلى الاستمرار وكان ضغط نظرته وحده كافيًا لتجميد الهواء لكن بما أنني سأُطرد على أي حال، فلماذا لا أقول ما أريد قوله؟ 

“حتى لو لم أكن أنا، فلن تستطيع السيدة الكبرى أن تتركك وحدك.” 

وكان ذلك صحيحًا فصاحبة هذا القصر ليست هو ولن تسمح أبدًا بإهمال شخص من آل بلانشيت. 

ويبدو أن كاسيان كان يعرف ذلك أكثر من أي أحد. 

“ثم ماذا؟” 

ارتسمت ابتسامة باهتة ومريرة على وجهه. 

“إذن عليّ أن أصمت وأدعكِ تخدمينني؟” 

“سأكون أفضل من خدمك السابقين.” 

“واثقة جدًا من نفسكِ.” 

تقطر السخرية من صوته فقلت: 

“لقد صمدت أكثر من ساعة، أليس كذلك؟ أستطيع فعل أي شيء تطلبه.” 

علّقت آمالي على حقيقة أنه لم يطردني حتى الآن وبعد معرفتي بأن عشرات الأشخاص سبق أن طُردوا قبلي، كنت قد تحركت بحذر شديد ثم توهمت بغرور أن ذلك قد نجح لكن في تلك اللحظة ارتسمت سخرية واضحة لا لبس فيها على وجه السيد الشاب الشاحب. 

“وكيف لكِ أن تعرفي ما الذي أريده؟” 

اختفى الصوت العذب الذي سمعته سابقًا وحلّ محله صوت عميق منخفض، اهتز داخل أذني وانتقلت نظرته الباردة من وجهي إلى عينيّ مباشرة. 

وفي داخل عينيه الحمراوين، المستقرتين تحت شعره الذهبي المتلألئ كجوهرتين نفيسـتين رأيت انعكاس صورتي بوضوح ثم قال: 

“هل تظنين حقًا أن رجلًا يحتضر عاجز عن فعل أي شيء؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.