مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 1: 1نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 1: 1

 


1

الفصل الأول 

عشر سنوات. 

فترة زمنية تفتحت خلالها عشرات الفصول ثم ذبلت واختفت. 

مدة كافية لأن يُمحى وجه شخصٍ ما من الذاكرة، بل وحتى اسمه. 

إذن… لماذا تقف أمامي الآن؟ ولماذا تناديني باسمي؟ 

تقف هناك داخل جسدٍ مختلفٍ تمامًا، ومع ذلك تحمل الوجه ذاته الذي لم يتغير قط. 

***

السنة الإمبراطورية XXXX الشهر الثالث، اليوم الأول. 

أي قبل عشر سنوات من الآن، حين التقيت أنا وكاسيان دي بلانشيت لأول مرة. 

كانت ألفونس، القرية الصغيرة البعيدة عن العاصمة، بلدة متواضعة لا يسكنها سوى عدد قليل من الناس؛ هادئة إن أردت وصفها بلطف، ومملة إلى حد الاختناق إن أردت وصفها بصدق. 

ففي ظل سماء تبدو متشابهة كل يوم، كانت الحياة اليومية تنساب هي الأخرى على الوتيرة ذاتها دون تغيير ومع ذلك، فقد اشتهرت هذه البلدة بمناظرها الجميلة وكثرة ما يمكن رؤيته فيها لكن سكانها لم يملكوا وقتًا للاستمتاع بمثل تلك الأمور التافهة فمعظمهم كانوا يقضون أيامهم تحت شمسٍ حارقة، يحرثون الحقول الشاسعة ويحفرون الأرض تنفيذًا لأوامر اللورد، حتى تسودّ جلودهم من شدة التعرض للشمس. أما المهاجرون الذين استقروا هنا قادمين من أماكن أخرى، فكانوا في وضعٍ أفضل نسبيًا ويتمتعون ببعض الراحة. وأولئك الذين امتلكوا قوارب صيد وأبحروا إلى البحر لمراقبة الأسماك واصطيادها كانوا موضع حسدٍ من عدد لا يُحصى من القرويين. وكذلك أولئك الذين أحسنوا التودد إلى اللورد وسجّلوا أسماءهم رسميًا في نقابة التجار لكن حتى هؤلاء لم يكونوا سوى أناس عاديين في النهاية فالجميع هنا كانوا يعملون طوال النهار، ثم يدفعون ضرائب باهظة للورد كي يتمكنوا من الاستمرار يومًا إضافيًا لا أكثر. 

وأنا كنت واحدة من هؤلاء القرويين، الفرق الوحيد أن أمي كانت مضطرة للعمل بجهد مضاعف مقارنة بالآخرين لتربيتي وحدها. كانت مهاجرة حملتني معها، وأنا ما أزال طفلة صغيرة، حتى استقرت في هذه القرية. 

ورغم أن وجود المهاجرين لم يكن أمرًا نادرًا هنا، فإن ما ميّز أمي عن غيرها هو أنها بدت حقًا كسيدة نبيلة. 

بشرتها البيضاء النادرة، ويداها الرقيقتان اللتان بدتا وكأن قطرة ماء واحدة لم تمسهما طوال حياتهما، وشعرها الناعم، وملامحها الراقية التي تشبه نبيلات العاصمة في قصص الأطفال. كل ذلك كان كافيًا لجذب انتباه القرية بأكملها وكلما سألها أحد الفضوليين عن زوجها، كانت تحمر خجلًا قليلًا ثم تردد الجواب ذاته في كل مرة، وكأنها تحفظ نصًا مكتوبًا. 

“والد طفلتي كان فارسًا من عامة الناس أحبني كثيرًا. ذهب للدفاع عن الإمبراطورية واستشهد بشجاعة في ساحة المعركة.” 

وقد تكرر هذا المشهد مرات لا تُحصى. وكان الرجال الذين يكبرونها سنًا يرمقونها بنظرات جانبية ويلقون أسئلة وقحة ثم تأتي زوجاتهم بعد ذلك، فينبشن جرح قصة زوجها الراحل ويحاولن استخراج المزيد من التفاصيل وفي كل مرة كانت أمي تكرر الجواب نفسه وفي كل مرة كانت أطراف عينيها ترتجف قليلًا، وتحمر جفونها أما القرويون فكانوا ينظرون إليها بفضول حاد، وكأنهم ينتظرون أن يخرج شيء جديد من تلك الإجابة القديمة. 

عندما كنت صغيرة، كنت أكره أولئك القرويين الذين يتدخلون في شؤون الآخرين بلا خجل فكلما ذُكر أبي المتوفى، بدت أمي حزينة وكانت تحاول ألا تريني تلك المشاهد، فتذرف دموعها سرًا بعيدًا عني لكن في غرفتنا الصغيرة التي لا تتجاوز بضعة أمتار، لم يكن بإمكاني ألا ألاحظ. وبعينَي طفلة، كنت أظن أن أمي تشتاق إلى أبي كثيرًا ولهذا كنت أختبئ قرب الباب كما أرادت، وأنتظر بصمت حتى ينتهي ذلك الوقت فذلك كان كل ما أستطيع فعله. 

واستمرت تلك الفضولات الوقحة لفترة طويلة فامرأة جميلة تشبه “أميرة أجنبية” كانت أكثر من كافية لسحر رجال القرية وكنت أعرف تمامًا ما سيحدث كلما وقعت أنظارهم على أمي، لذلك كثيرًا ما تشاجرت معهم وجهاً لوجه وسرعان ما اشتهرت في القرية كطفلة سيئة الأدب بسبب جرأتي غير المعتادة، إذ كنت أقول لهم: 

“لسنا بحاجة إلى رجال مثلكم، ارحلوا.” 

لكن ذلك كان أفضل بالنسبة لي فبعدها بدأت أمي تبكي أقل، وصارت أكثر جرأة بقليل وقد عقدت العزم على حمايتي، فبدأت تشارك بنشاط أكبر في شؤون القرية كما أن بعض القرويين الطيبين، تعاطفًا مع وضعنا، كانوا يجلبون لها أعمالًا متفرقة بين الحين والآخر ولأنها كانت مضطرة لإعالة نفسها وابنتها معًا، كانت تخرج إلى العمل مع الفجر وتعود متأخرة ليلًا ولم تنقطع الأعمال عنها يومًا؛ من المساعدة في قوافل التجارة، إلى العمل في الحقول، وحتى الخدمة في المطاعم. 

وبمرور الوقت أصبحت يداها الناعمتان خشنتين أما بشرتها البيضاء فقد اسمرّت تحت أشعة الشمس وهكذا تحولت الأجنبية التي دخلت القرية بهالةٍ غريبة عن هذا العالم إلى واحدة من أهلها شيئًا فشيئًا ومع ذلك، لم تختفِ أناقتها المميزة بالكامل ولهذا ظل القرويون يرونها وكأنها سيدة نبيلة وصلت حديثًا من العاصمة. 

ومع تقدمي في العمر بدأت أفهم شيئًا فشيئًا سبب ارتجاف أمي كلما تحدثت عن أبي. كانت أطراف عينيها ترتجف دائمًا عندما تكذب ولهذا أصبحت مقتنعة بأن قصتها عن والدي لم تكن الحقيقة كاملة لكنني بالطبع لم أطرح موضوعه أبدًا فإذا كان قد تركنا بهذه الصورة، فالأمر واضح. بالنسبة لي، لم يكن موجودًا أصلًا تمامًا كما لم يكن موجودًا منذ يوم ولادتي ولم أفتقده يومًا. فكيف أشتاق إلى شخص لم أره قط؟ 

بل كنت أعتقد أنه لم يكن إنسانًا صالحًا على أي حال فلو كان صالحًا حقًا، لما تخلى عن امرأة طيبة مثل أمي، وخاصة وهي تحمل طفله. 

كانت أمي تخفي التجاعيد التي بدأت تظهر على ظهر يديها، وتشتري لي الحلوى اللذيذة، وتقرأ لي الكتب لكن تربية طفل بمفردها كامرأة كانت مهمة شاقة للغاية. 

وعندما بلغت الثالثة عشرة من عمري، بدأت أمي تمرض كثيرًا. حتى أولئك القرويون الذين أظهروا لها بعض التساهل سابقًا لم يعودوا قادرين على مراعاتها بعدما أصبحت عاجزة عن العمل كما ينبغي وكان الدواء باهظ الثمن بصورة لا تُصدق أما أمي، فحاولت توفير المال حتى إنها أخفت آلامها وأصرت بعناد على مواصلة العمل إلى أن انهارت أخيرًا عندها فقط، بعدما أصبحت طريحة الفراش، اضطرت إلى التوقف عن العمل تمامًا. ومنذ ذلك اليوم، بدأت أتولى كل عمل أستطيع العثور عليه. 

حللت محل أمي في الأعمال المتفرقة، وكنت أنجز مختلف المهمات الصغيرة للقرويين وحين اكتسبت سمعة جيدة باعتباري شخصًا يعتمد عليه في إنجاز المهام، تضاعف مقدار العمل الذي يصلني. في العاصمة، كان من المستحيل تقريبًا أن يعمل شخص في مثل سني. لكن في ألفونس البعيدة، كان الجميع يعملون مهما كانت أعمارهم كي لا يموتوا جوعًا وأصبح من المعتاد أن أقضي يومي في غسل الأطباق حتى تتشقق يداي، وجمع الأعشاب الطبية، ونسخ المخطوطات اعتمادًا على ما أملكه من معرفة بسيطة بالقراءة والكتابة، ثم أعود إلى المنزل تحت سماء حالكة السواد. أحيانًا كان استياءٌ بلا وجهة، كقاربٍ فقد دفته، يتجه نحو والدي غير الموجود لكن حتى ذلك كان رفاهية فمن لا يملك وقتًا لرفع رأسه نحو السماء لا يستطيع تحمل عبء المشاعر. كانت المشاعر مجرد عائق يؤخر العمل الحقيقي وكان ذلك اليوم واحدًا من تلك الأيام. على أعتاب الربيع مباشرة، حين بدأت قسوة الشتاء الطويل تتراجع أخيرًا، كنت أسير بخطوات سريعة. فقد كان لدي عمل مؤقت عليّ إنجازه. 

أمام القصر الضخم الذي يحمل عند مدخله لافتة كبيرة، امتد المبنى عميقًا إلى الداخل على نحو يليق بمقر إقامة اللورد. 

وكانت هذه أول مرة أدخل فيها إلى هذا العقار العتيق الذي ظل مغلقًا بإحكام أمام الغرباء طوال الوقت ورغم أنني نادرًا ما أرفض أي عمل يُعرض عليّ، فإن بيوت النبلاء كانت تدقق في خلفيات خدمها بدقة شديدة، لذا لم تتح لي فرصة العمل لديهم من قبل وقد حذرتني أمي مرارًا من الحديث عن وضعنا أو الكشف عن أي شيء يتعلق بماضينا. ربما كان أبي مجرمًا أو ربما كانت أمي فعلًا أميرة لمملكة سقطت منذ زمن وبينما كنت أخترق الشجيرات، اخترت الفكرة الثانية على سبيل المزاح. 

داعب شيء ناعم أطراف أصابع قدمي. 

هذه المرة يجب أن أنجح فالأجر الذي يدفعونه هنا يفوق أي عمل آخر بفارقٍ هائل وإذا تمكنت من الحصول على وظيفة دائمة، فسيساعد ذلك كثيرًا في تغطية تكاليف دواء أمي. 

مرت كلمات العمة ماري في ذهني وهي تسلمني رسالة التوصية. 

“تعرفين ذلك السيد الشاب الذي أوشك على الموت؟ لقد جاء إلى هنا ليستعيد عافيته.” 

كاسيان دي بلانشيت. 

اسم نبيل وجميل بقدر صاحبه. 

لقد أحدث وصول وريث عائلة بلانشيت إلى القرية ضجة كبيرة. حتى أنا، التي لا أهتم عادة بشؤون الآخرين، سمعت بالأمر. رجل يملك سلطة هائلة إلى درجة أن مجرد ذكر اسمه يكفي لإجبار الناس على الركوع حتى لوردنا، الذي لا نستطيع النظر إليه بسهولة، لم يكن أمامه سوى نملة تنحني خضوعًا وقيل إن موظفي القصر دخلوا في حالة فوضى بمجرد سماعهم أن وريث بلانشيت سيأتي إلى ألفونس للاستشفاء فلمدة شهر كامل، قاموا بتنظيف كل طريق قد يمر به حتى لم تبقَ ذرة غبار واحدة. 

وما زلت أتذكر جيدًا وجه العمة ماري المتجهم وهي تتمتم: 

“ما الذي ينقصه في العاصمة الجميلة حتى يأتي إلى هنا ويجعل الجميع يعانون؟ يقولون إنه لم يعد يملك الكثير من الوقت ليعيشه ربما لهذا السبب طباعه سيئة للغاية. لم يمضِ على وصوله وقت طويل، ومع ذلك طرد جميع الخدم.” 

ما فائدة امتلاك كل شيء إذا كانت أيامك معدودة؟ 

ترددت كلمات العمة ماري في أذني وكذلك نبرتها التي أظهرت شيئًا من الشفقة، لكنها كانت في النهاية تنظر إلى الأمر باعتباره مشكلة شخص آخر وللحظة قصيرة، ظننت أن ذلك الرجل قد يكون أكثر إثارة للشفقة مني. 

“لم يصمد أي خادم يومًا كاملًا معه. السيدة تقول إن إحضار شخص في مثل عمره قد يساعده، ألا يمكنكِ التحمل ليوم واحد فقط؟” 

كانت العمة ماري قد أخبرتني أن السيدة سيئة المزاج كثيرًا ما ترمي الأشياء في وجه الآخرين وإذا لم يجدوا بديلًا هذه المرة، فستقع هي في ورطة كبيرة ومن وجهة نظر اللورد، الذي أمضى سنوات يناور في العاصمة للحصول على مكانة بين النبلاء، كانت هذه فرصة لا تعوض فلا شيء سيخدم طموحاته أكثر من جذب انتباه آل بلانشيت لكن إذا نطق ذلك الوريث المتطلب بكلمة سيئة واحدة، فستتحول الفرصة إلى كارثة. 

ولذلك كانت السيدة، التي اعتبرت مساعدة زوجها واجبًا بصفتها ربة المنزل، تضغط بقسوة على مرؤوسيها. ورغم أن العمة ماري استخدمت معي أرق العبارات وألطف الألقاب لإقناعي، فإنني لم أتأثر إطلاقًا إلى أن سمعت مقدار الأجر حينها وافقت فورًا. سمِّني مرتزقة إن شئت فبالنسبة لشخصٍ مثلي يعيش كل يوم وكأنه سباق مع الزمن، لا يوجد شيء أهم من المال. وبصراحة، لم أكن أهتم بمرضه المميت أكثر مما اهتمت به العمة ماري ومع ذلك شعرت نحوه بشيء من الشفقة للحظة عابرة وهو أمر أزعجني قليلًا. كانت العمة ماري، وهي تدفعني إلى الأمام، واثقة من أنني لن أصمد طويلًا أما أنا، وعلى عكس توقعاتها، فقد اعتبرت التعامل مع نبيل مدلل أمرًا في غاية السهولة فما دام هناك أجر مقابل ذلك، يمكنني التكيف مع أي شيء لكن في اللحظة التي اجتزت فيها المدخل، طغت عليّ عظمة القصر وهيبته.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.