الفصل 55: 55
55
الفصل الخامس والخمسون
ما إن التقطت الظرف الذي يحتوي على القارورة الزجاجية الشفافة، حتى تدحرجت الحبة الصغيرة في داخله برفق.
وانطلق من فوقها صوت جاف خالٍ من المشاعر:
“لقد قيل لكِ أن تكتبي رسالة مرة كل شهر.”
“…ماذا؟”
أدار الرجل عينيه بضيق، ثم ألقى عليها نظرة سريعة من رأسها حتى أخمص قدميها قبل أن يتابع:
“إذا كنتِ ترغبين في الاستمرار بتلقي الدواء، فمن الحكمة أن تلتزمي بهذه التعليمات.”
لم يكن أمرًا مباشرًا، بل بدا أقرب إلى نصيحة، وهذا ما جعل الأمر أكثر إرباكًا، كان لديها الكثير من الأسئلة لكنها حين وقفت أمام شخص ينتمي إلى آل بلانشيت، انحبست الكلمات في حلقها، شعرت وكأن شوكة عالقة هناك، تمنعها من النطق.
هل يقصد أن تستمر بإرسال الرسائل كما فعلت هذه المرة؟
إذا كان هذا كل ما يتطلبه الأمر، فربما…
وبعد أن قال ما جاء من أجله، اختفى الرجل بسرعة، وكأن مهمته انتهت وبسبب ذلك، لم تُتح ليوريسييل فرصة لطرح أي سؤال.
في راحة يدها المفتوحة، كانت القارورة الزجاجية والحبة الوحيدة تتلألآن بخفوت، ولم يستغرق الأمر منها وقتًا طويلًا لتفهم الوضع.
كان هناك أمر واحد واضح، أحدهم قرأ رسالتها، ثم أرسل ردًا عليها، وهذا يعني أن الإجابة كانت: نعم.
لكنها لم تكن «نعم» كاملة أو مؤكدة.
فقد أرسلوا حبة واحدة فقط.
كانت تلمع داخل القارورة بضوء خافت.
والآن فقط فهمت ما قصده كبير الخدم حين أخبرها أن تستمر في كتابة الرسائل، لم تكن مجرد نصيحة بل كانت تحذيرًا.
من دون رسالة لن يكون هناك دواء.
وبالطبع، لم تكن تلك مهمة صعبة، كل ما عليها فعله هو كتابة بضعة أسطر مليئة بالأكاذيب المصاغة بعناية.
إذا كان ذلك كافيًا للحصول على الدواء، فالثمن زهيد.
وإذا كان بإمكانها شفاء والدتها بهذه الطريقة، فهي لا تمانع أبدًا.
ومع ذلك شعرت وكأنها عاجزة عن التنفس.
وبخجل، أدركت أنها بدأت ترغب في شيء أكثر من ذلك.
ضاق صدرها وأصبح التنفس صعبًا.
وتساءلت فجأة إن كانت هذه ستكون حياتها من الآن فصاعدًا.
مقيدة به، عاجزة عن الهرب، تعيش يومًا بيوم دون مستقبل واضح. كان هناك زمن كانت ستعتبر فيه مجرد النجاة بهذه الصورة نعمة عظيمة فلماذا تراودها هذه الأفكار الآن؟
ومع ذلك، ورغم كل شيء، وجدت نفسها قلقة بشأن المستقبل.
فهو شخص قادر على التخلي عنها في أي لحظة.
ماذا لو غيّر رأيه؟
ربما أثارت رسالتها اهتمامه هذه المرة، وربما كسبت فرصة قصيرة لكن ماذا لو وقف يومًا على رأس آل بلانشيت، وأسس عائلة جديدة، ومضى قدمًا؟ هل سيستمر حينها في إرسال الدواء؟
***
انتشرت رائحة الخبز المحترق في المخبز، لقد فقدت إحساسها بالوقت أثناء العمل وكان صوت صاحب المتجر يتردد في الخلفية.
في يوم آخر، كانت ستتعرض للتوبيخ أو حتى الطرد لكن حتى حين لم يقل صاحب المتجر الكثير، لم تلحظ يوريسييل غرابة الأمر فكل أفكارها كانت مشغولة بالسيد الشاب وكأنها واقعة تحت تعويذة ما، وجدت نفسها تعود إلى القصر دون وعي.
في كل مرة تدخل ذلك المنزل الضخم، كانت تشعر وكأنها ترتكب جريمة، كان أكبر من أن تنتمي إليه، أفخم من أن يليق بشخص مثلها ومثل والدتها.
حين كان السيد الشاب لا يزال يقيم هناك، كان لديها على الأقل عذر كونها خادمته.
أما الآن فمن دون أي سبب حقيقي لوجودها، شعرت وكأنها طفيلي يعيش على حساب الآخرين.
والأسوأ من ذلك أنها كانت تصادف اللورد بين الحين والآخر.
ومرة أخرى، بينما كانت تسير في الممر المؤدي إلى غرفة والدتها، رأته واقفًا هناك، ذلك الممر لا يؤدي إلى مكتبه، ولا يتصل بغرفته فلماذا يوجد هنا؟ ولماذا يستمران في الالتقاء في المكان نفسه؟
هل هي مجرد مصادفة؟
“أمم… هل كل شيء على ما يرام هنا؟ هل تحتاجين إلى شيء؟”
انزلقت عيناه للحظة نحو غرفة والدتها.
وكان في ذلك شيء يثير الريبة.
ربما كانت تشعر بذلك فقط بسبب الشائعات التي سمعتها عنه.
“لا، شكرًا لك. بفضل اهتمامك، أنا بخير.”
عندها فقط تنحنح اللورد وغادر الممر.
وفي ذلك اليوم أكثر من أي وقت مضى، تمنّت يوريسييل لو أنها تستطيع الرحيل من هذا المكان.
حتى إن لم تستطع الإفلات من قبضة السيد الشاب فإنها أرادت على الأقل مغادرة ألفونس لكن ذلك كان مستحيلًا في الوقت الراهن.
ضغطت شفتيها وسارت متجاوزة اللورد، ثم دخلت الغرفة.
***
كانت والدتها، جين، جالسة بأناقة على السرير، تحيك قطعة من الصوف كعادتها وحين رأت ابنتها، ابتسمت بلطف.
ورؤية والدتها منحتها شعورًا بالراحة فارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة بدورها.
اختفى الثقل الذي كان يجثم على صدرها قبل لحظات.
وجاءت ابتسامتها طبيعية تمامًا.
“أمي، خذي هذا. يجب أن تتناوليه.”
ما إن رأت جين الحبة حتى اختفت ابتسامتها.
وامتلأ وجهها بالقلق فورًا.
“إيل… لا أريدكِ أن تعاني بسببي إذا كان هذا فوق طاقتكِ…”
“أمي، لا تقولي شيئًا كهذا. أنا لا أعاني إطلاقًا.”
تنهدت جين بعمق، وحدقت في القارورة الفارغة التي بيد ابنتها.
“من أين حصلتِ على هذا الدواء؟”
“ومن أين برأيكِ؟ أنتِ تعلمين أنني أكسب المال من ترجمة اللغة اللوفرية. أعتقد أن لدي موهبة حقيقية في ذلك. حتى إن السيد ريتورن من المكتبة اليوم…”
واصلت يوريسييل الحديث وهي تراقب تعبيرات والدتها بحذر.
واستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن يختفي القلق من وجه جين.
وحين رأت بعض الإشراق يعود إلى ملامحها، وقفت مبتسمة بلطف وغادرت الغرفة.
أغلقت الباب خلفها وسارت بصمت في الممر نحو غرفتها.
ومع كل خطوة، عاد ذلك الظل الرمادي إلى وجهها.
توقفت عيناها عند باب مألوف.
الغرفة التي كان السيد الشاب يقيم فيها أصبحت الآن فارغة تمامًا.
في الماضي، كانت تحبس أنفاسها كلما مرت أمام ذلك الباب أما الآن، فبإمكانها تجاوزه دون خوف. وكان من المفترض أن يكون ذلك أمرًا جيدًا.
نعم، لقد انتهى كل شيء بأفضل صورة ممكنة.
فالسيد الشاب عاد إلى العاصمة في النهاية وهي بدأت تتلقى الدواء.
بعد أن رتبت أفكارها، عادت إلى غرفتها.
التقطت كتابًا كعادتها، وواصلت نسخ النصوص بخط يدها.
لم يكن النسخ مجرد عمل روتيني بل كان مرتبطًا بحلمها.
حلم الاستقلال، فهي لا تستطيع أن تعيش معتمدة على الآخرين في هذا المكان إلى الأبد. وكان تصميمها يزداد قوة كلما رأت وجه اللورد الأملس المليء بالنفاق واليوم لم يكن مختلفًا.
ومع مرور الوقت، أصبح حلمها أكثر وضوحًا.
فبحسب ما تعلمته، إذا نجحت في الحصول على وظيفة داخل الإدارة الإمبراطورية، فستُمنح سكنًا خاصًا بها بل إن راتبها سيكون أعلى بكثير مما تستطيع أن تحلم به الآن.
بالطبع، كامرأة من عامة الشعب، لم يكن بإمكانها أن تتوقع منصبًا إداريًا رفيعًا لكن حتى وظيفة مساعدة أو سكرتيرة كانت كفيلة بتغيير حياتها بالكامل.
المشكلة أنها تحتاج إلى تحقيق أعلى الدرجات في امتحان الخدمة المدنية فكونها امرأة ومن عامة الشعب يعني أنها مضطرة لإثبات تفوقها على الآخرين بدرجة ساحقة.
ولا سبيل إلى ذلك سوى نتائج الامتحان ومع ذلك إذا كانت رغبتها قوية بما يكفي، فربما حتى الآلهة ستعترف بجهودها.
بدأ حلمها بحياة عادية مع والدتها يتشكل بوضوح أكبر.
حياة تتشاركان فيها الطعام والأيام الهادئة مثل أي عائلة أخرى وإذا تحقق ذلك الحلم فلن تضطر للبقاء هنا وهي تشعر بأنها عبء على الجميع.
استمرت في الكتابة وقتًا طويلًا لكن في كل مرة تنهي جملة وتضع نقطة في نهايتها كان وجه السيد الشاب يظهر في ذهنها مجددًا.
رسالة واحدة كل شهر.
إذا انتظرت حتى الشهر القادم، فسيبدو الأمر مقصودًا أكثر مما ينبغي ولهذا شعرت اليوم أنه يجب عليها كتابة الرسالة مسبقًا.
ورغم ثقل يديها، أمسكت بالقلم أخيرًا وبدأت تكتب.
【إلى السيد الشاب، سمعت أن درجات الحرارة في العاصمة تنخفض بسرعة أتمنى أن تكون بخير.
أكتب هذه الرسالة فقط لأقول شكرًا.
أشكرك جزيل الشكر على إرسال الدواء.
لن أنسى لطفك أبدًا، وسأرد هذا الجميل طوال حياتي.】
***
وصلت الرسالة أسرع مما توقع كاسيان.
كان يظن أنه سينتظر شهرًا كاملًا لكنها، كعادتها، خالفت توقعاته مع أن الانتظار ربما كان أفضل.
كان خطها أنيقًا وثابتًا ولم يظهر في حروفه أي أثر للتردد.
وبالطبع، لم تكن هذه رسالة حب يائسة بل رسالة مهذبة لا تحتوي إلا على كلمات الشكر.
كل جملة فيها، من «شكرًا لك» إلى «سأرد جميلك»، كانت مصاغة بعناية لترسم خطًا فاصلًا بينهما.
وكان واضحًا أنها فكرت طويلًا في كيفية الظهور بمظهر رسمي وبعيد وهذا وحده كان كافيًا لإثارة انزعاجه أكثر مما توقع.
سترد جميله طوال حياتها؟ وكأنها تعرف أصلًا ما الذي يريده.
طرق… طرق…
أخذت أصابعه تقرع سطح الطاولة برفق ومع كل طرقة، كانت تعود إلى ذهنه تلك الفتاة من ألفونس التي قالت يومًا إنها ستفعل أي شيء، التي دخلت غرفته وهي ترتجف، والتي أصبحت الآن تتحرك بحرية داخل دفيئته الزجاجية، كفراشة طليقة، وكأن شيئًا لم يحدث بينهما. ربما اشتكت هذه المرة من حصولها على حبة واحدة فقط أو ربما لم تستطع حتى فعل ذلك، وربما كانت ممتنة حقًا كما جاء في الرسالة.
مهما كانت أفكاره فالنتيجة واحدة، ستستمر رسائلها في الوصول بانتظام دائمًا في موعدها.
وقبل أن تستقر أفكاره، قُطع الصمت بطرقة على الباب.
“ادخل.”
دخل بايمون، وانحنى سريعًا ثم قال:
“لقد عاد السيد.”
وكان المقصود بالسيد رب أسرة بلانشيت.
ديفيرون دي بلانشيت.
لقد عاد من مهمته بل وعاد أبكر مما توقع الجميع.
حتى والدته كانت تظن أنه لن يعود قبل الشهر القادم.
“هذا الدواء أرسلته السيدة.”
قال بايمون ذلك وهو يقدم شيئًا إلى كاسيان.
أمسك كاسيان بحبة صغيرة شفافة.
كانت مسكنًا قويًا للألم، يُستخدم عادة في الحالات الطارئة.
والسبب بسيط فهو يخدر الألم مؤقتًا لكن ما إن يزول مفعوله، حتى يعود الألم أعنف مما كان.
نظر كاسيان إلى الحبة ثم أطلق ضحكة خافتة مريرة.
هذا المنزل لم يعرف السلام يومًا لقد كان ساحة حرب منذ البداية.
وعودة والده من الحملة الأخيرة تعني غالبًا عودة أتباعه المخلصين، وتجدد الصراع من جديد.
ستمنحه الحبة ساعتين فقط من الهدوء، ساعتين فحسب.
فهل سيختار الإله خلال هاتين الساعتين أن يقف إلى جانب والدته؟ أم إلى جانب عمه؟
مرة أخرى وجد كاسيان نفسه أمام اختبار مصيري.
أومأ برأسه إيماءة خفيفة ثم نظر إلى الكأس القريبة لكنه لم يشرب منها بل ابتلع الحبة جافة كما هي.
أما بايمون، الذي كان يراقبه بصمت وخوف، فتراجع سريعًا وغادر الغرفة.
نهض كاسيان ببطء ثم بدأ يسير بخطوات ثابتة عبر الأرضية متجهًا إلى الطابق السفلي.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.