الفصل 49: 49
49
الفصل التاسع والأربعون
شقَّ الركن الحاد للمخطوطة راحةَ يد كاسيان، تاركًا جرحًا رفيعًا.
ومع ذلك، لم ترتخِ قبضته.
برزت العروق على معصمه، مشدودة ومتصلبة.
فبعد كل ذلك الجهد الذي بذلته في ترتيب الأوراق وتسليمها إليه بسرعة، كان أول ما سألته هو إن كان سيغادر ألفونس.
كان الأمر يدعو للسخرية تقريبًا.
ومع ذلك، فإن الطريقة التي قالت بها ذلك، بصوت مرتجف ومفعم بالتردد، جعلت الأمر يبدو وكأنها لا تريده أن يرحل.
كان ذلك النوع من الأصوات الذي قد يجعل المرء يظن أن الأمل ما زال قائمًا، لكنها لم تكن هي من يتمسك بالأمل.
“نعم. وحتى لو متُّ، فسأموت بكرامة. هذا ما يعنيه أن تكون من آل بلانشيت.”
“…”
“أليس من الأنسب لبلانشيت أن يموت في العاصمة؟”
“متى… سترحل؟”
“غدًا.”
اتسعت عيناها الخضراوان.
من الواضح أنها لم تتوقع أن يكون الأمر بهذه السرعة.
تصدع تعبيرها قليلًا، لكنه كان واضحًا وكأن الخبر صدمها حقًا.
“ستغادر غدًا؟”
بدت الكلمة ثقيلة على لسانها، كأنها تحمل شعورًا بالخيانة.
وكأن أحدًا أخبرها فجأة أن شخصًا عزيزًا عليها سيرحل في اليوم التالي دون سابق إنذار.
وقفت يوريسييل متجمدة في مكانها، فيما شحب وجهها وكأن الحياة انسحبت منه.
راقبها كاسيان بصمت وهي ترتجف، تأمل كل تفصيلة فيها.
وفي أعماقه، استيقظت رغبة مظلمة وقاسية؛ رغبة في دفعها إلى حافة أبعد، ورؤيتها تنهار بالكامل.
قبل لحظات فقط، كان قد عقد العزم على التخلي عن كل شيء لكن ذلك العزم كان ينهار دائمًا كلما وقف أمامها.
لقد كانت حياته تسير وفق خطط صارمة لم تحِد عنها يومًا أما الآن، فقد أحدثت فتاة واحدة شرخًا في ذلك النظام، وواصلت توسيعه شيئًا فشيئًا.
“نعم، غدًا.”
كان صوته ثابتًا، لكن نظراته كانت تضغط عليها كما لو أنها تسحقها.
فتحت يوريسييل فمها، إلا أن الكلمات لم تخرج.
كيف يمكن لشخص أن يقول أمرًا كهذا بهذه البساطة؟
لو لم تسأله، لما عرفت بالأمر أصلًا وربما ما كانت لتعرف حتى بعد رحيله.
كل المشاعر التي كانت تضطرب داخلها قبل دخولها الغرفة بدت الآن تافهة، كأنها دُوست تحت الأقدام.
برد عقلها فجأة، وأصبحت ترى مستقبلها بوضوح.
منزل محطم، وسيد إقطاعية لن يتردد في ملاحقة والدتها ما إن يغادر كاسيان ثم دواء أمها كل ما كانت تشعر به قبل قليل كان ترفًا لا تملكه.
لم يعد لديها ما تتوارى خلفه، فمثل تلك المشاعر لا يملكها إلا من يملك رفاهية الشعور أصلًا.
لم يقل السيد الشاب شيئًا، اكتفى بالنظر إليها بصمت، غامضًا كما كان دائمًا.
“سيدي الشاب…”
تحولت أفكار يوريسييل إلى فوضى عارمة.
ماذا عن دواء والدتها؟
لم يكن هناك سوى جواب واحد، لا أحد غيره يستطيع توفيره.
هو وحده.
بدأ الذعر يتسلل إلى داخلها لكنها كانت تعلم أنه ليس من النوع الذي يتحرك لمجرد أن أحدهم توسل إليه.
ولو كان كذلك، لما انتظر حتى اليوم ليخبرها أنه سيرحل غدًا.
كان الأمر واضحًا، لقد قرر أن يترك كل ما يتعلق بألفونس خلفه.
والآن، بعدما لم تعد ذات فائدة له، لم يعد لديه سبب ليمنحها شيئًا.
ومع ذلك لم تستطع أن تسمح للأمر بأن ينتهي هكذا.
خطرت لها فكرة يائسة.
تذكرت ما قاله لها في السجن، لقد أخبرها أنه كان ينبغي لها على الأقل أن تسأله عن حاله قبل أن تطلب منه خدمة.
إذا كان هدفه أن ينسى فسوف تتأكد من أنه لن يستطيع ذلك أبدًا، سواء نجح الأمر أم لا، لم يعد يهم.
قد يبدو هذا سخيفًا لأي شخص آخر لكن بالنسبة لها، كان كل شيء. كانت مستعدة لفعل أي شيء مقابل ذلك الدواء.
“هل يمكنني أن أذهب معك؟”
حدق فيها بصمت.
“سأفعل أي شيء تطلبه مني.”
ضيّق كاسيان عينيه وهو ينظر إلى يوريسييل المتشبثة به.
“ظننت أنكِ سترقصين فرحًا بمجرد رحيلي. ما الذي تغير؟”
“…”
“ألم تكوني تريدين التخلص مني؟”
ارتفعت عيناها الزمرديتان المبللتان بالدموع ببطء لتلتقيا بعينيه.
كان يظن أنها ستطلب دواء والدتها.
وكان يظن أيضًا أنه سيلعب دور الأحمق للمرة الأخيرة، متظاهرًا بأنه النبيل المهذب من آل بلانشيت.
لكن شفتيها انفرجتا أخيرًا، ناعمتين، مرتجفتين.
“أنا… ُحبكَ.”
اتسعت عيناه في صمت وللمرة الأولى، بدا عليه الذهول.
***
مضى يوم كاسيان كعادته باستثناء حقيقة واحدة.
أن يوريسييل جاءت وقلبت يومه رأسًا على عقب بالكامل.
دخل الطبيب الملكي كالمعتاد، وأجرى فحصه وسلمه الوصفات الطبية وكان هناك اختلاف واحد فقط هذه المرة.
لأول مرة منذ زمن طويل، حمل التشخيص خبرًا سارًا.
“نبضات قلبك أصبحت أقرب إلى المعدل الطبيعي مقارنة بالسابق.”
لم تكن مستقرة تمامًا بعد، لكن بالمقارنة مع ضعفها وخمولها السابقين، كان التحسن واضحًا بلا شك.
“لا بد أن شيئًا جيدًا قد حدث، أليس كذلك؟”
كان الطبيب دائمًا يميل إلى ربط الحالة النفسية بالحالة الجسدية.
وبصراحة لم يكن مخطئًا، فكاسيان لم يستطع إنكار أن مزاجه قد تحسن، شاء أم أبى، منذ أن تفوهت يوريسييل بذلك الكلام الجريء والسخيف.
“ستعود إلى العاصمة قريبًا، والآن بعد أن تم تطوير الدواء، أعتقد أنك ستتعافى تمامًا مع القليل من الوقت.”
حتى بعد ذلك، واصل الطبيب، غير المدرك للحقيقة الأعمق، إطلاق ملاحظاته المتفائلة، وكأن تحسن كاسيان سببه الرحلة المرتقبة إلى العاصمة.
وخلال حديث الطبيب عادت إلى ذهنه مرة أخرى، تلك الفتاة التي قالت إنها تحبه.
يا للسخف.
حتى بعد مغادرة الطبيب، ظل ذلك المشهد عالقًا في رأسه.
استند كاسيان إلى مقعده وأغمض عينيه بصمت.
وعندما فتحهما مجددًا، أخرج من داخل سترته حجر تسجيل مصقولًا أملس.
مرر أصابعه فوق النقوش المحفورة على سطحه.
صدر طقطقة خفيفة ثم بدأ الحجر بالدوران وانساب صوتها في أنحاء الغرفة.
“أنا… أُحبكَ يا كاسيان.”
طَق.
“عُد حيًا.”
طَق.
ثم تكرر صوتها مرة بعد أخرى.
لأنه أخبرها ألا تناديه بـ«السيد الشاب»، فقد استخدمت اسمه.
ونفذت تمامًا ما طلبه منها.
وبطريقة ما تمكن من الاحتفاظ بكل ما أراد سماعه بل وأكثر من ذلك، لم يتخيل يومًا، حتى في أكثر أوهامه جنونًا، أن فتاة مثلها ستقول شيئًا كهذا.
كلمات حلوة ومثالية قيلت بسهولة مدهشة، بينما تخفي نواياها الحقيقية خلف تعبير هادئ.
كان الأمر سخيفًا ومع ذلك سمح لها بذلك كالأحمق.
وبحلول الوقت الذي تكرر فيه صوتها عشرات المرات، جذب كاسيان حبل الجرس.
دخل لانود على الفور وكعادته، أخرج دفتر ملاحظاته واستعد لتدوين الأوامر.
“لا تلمسوا أي شيء في غرفتها. اتركوها كما هي.
” “حاضر يا سيدي.”
“وهذه الغرفة أيضًا. الغرفة التي استخدمتها أنا. لا تغيّروا فيها شيئًا.”
“هل تخطط للعودة إلى هنا بعد العلاج، سيدي؟”
ساد الصمت أرجاء الغرفة.
رفع لانود رأسه، بعدما شعر بالتوتر في الأجواء.
لكن ما إن التقت عيناه بنظرة كاسيان القرمزية الحادة حتى خفضهما فورًا.
كان الضغط خانقًا ولا شك في ذلك، هذا هو الوريث الشرعي الحقيقي لآل بلانشيت.
إذا نجح الدواء الجديد فعلًا، ونجا كاسيان ليتسلم مكانته، فإن عائلة بلانشيت، القوية أصلًا، ستصبح أقوى من أي وقت مضى.
ابتلع لانود ريقه بصعوبة.
وأدرك شيئًا واحدًا، لقد ظن أن كاسيان سيرحل وينسى ألفونس بالكامل لكن طلبه بترك الغرفة كما هي لم يكن يعني سوى شيء واحد، أنه ينوي العودة.
ولو سمع سيد الإقطاعية هذا الكلام، لأصيب بالإغماء من الصدمة فقد كان ينتظر بشغف اليوم الذي يغادر فيه كاسيان نهائيًا.
أجبر لانود نفسه على التماسك وانحنى.
“أعتذر يا سيدي.”
وعندما رفع رأسه مجددًا، وجد كاسيان يحدق بصمت عبر النافذة.
إذًا إنه حقًا ينوي العودة إلى ألفونس.
هل يمكن أنه يفكر بأخذ تلك الفتاة خليلة له؟
بمكانتها المتدنية، لم يكن بإمكانها أبدًا أن تصبح نبيلة شرعية وفق قوانين الإمبراطورية ذلك الطريق مستحيل.
في البداية، ظن لانود أنها مجرد تسلية عابرة، شيء يشغل به كاسيان وقته لبعض الوقت لكن من الواضح الآن أنها تعني له أكثر من ذلك ومن هذه اللحظة فصاعدًا أدرك لانود أنه سيضطر إلى إيلائها اهتمامًا أكبر.
ثم بدأ تقريره، وهو يدندن لحنًا في عقله، معتقدًا أن هذا ربما يكون آخر تقرير يقدمه على الإطلاق.
تحدث عن الفوضى التي أحدثها خبر وصول دوقة بلانشيت.
وعن الاستعدادات الضخمة لاستقبالها. وعن الجهود المبذولة لتجهيز الطريق الذي سيسلكه سيد الإقطاعية.
ظل كاسيان يستمع بصمت وعيناه مغمضتان. لكنه فتح فمه أخيرًا عندما وصل التقرير إلى جزء يتعلق بتحركات السيد.
“وماذا عن صاحب الشعر الفضي؟”
بدا لانود محبطًا قليلًا لأنه لم يتمكن من إنهاء تعداد إنجازات السيد، لكنه أدرك سريعًا أن المقصود هو هايل.
وبالفعل لم يعد ذلك الشاب ذو الشعر الفضي إلى القصر منذ ذلك اليوم وكان يوم أمس آخر فرصة يمكن احتسابها له كإجازة رسمية.
“السيد هايل تلقى صدمة كبيرة بعد ما حدث، وغادر ألفونس دون أن يقول كلمة.”
ارتسمت على شفتي كاسيان ابتسامة خافتة، كما كان متوقعًا.
فبعد ما فعلته الليدي كاثرين، لم يكن من الصعب تخيل الأجواء السائدة داخل تلك العائلة.
كان أمر فسخ خطوبة هايل من ابنة الفيكونت مؤسفًا بعض الشيء، ربما لكن رؤيته يترك ألفونس ويوريسييل خلفه كان مُرضيًا بما فيه الكفاية.
والآن ستُترك وحدها، وستعيش مع كلماتها، مع اعترافها.
حتى لو لم تشتق إليه فإنها على الأقل ستتذكره.
هذا ما يفعله الناس عندما يحبون شخصًا.
عاد إليه مجددًا مشهدها وهي تنظر في عينيه وتقول تلك الكلمات السخيفة تمامًا مثل تلك القبلة غير المتوقعة.
كان الأمر عبثيًا، عبثيًا إلى درجة تدفعه للضحك كلما فكر فيه.
وبالطبع كان يعرف ما تعنيه حقًا، كان يعلم أن كلماتها لم تكن سوى صرخة يائسة للحصول على دواء والدتها. ومع ذلك قرر أن يمنحها ما تريد.
وذلك يمنحه الحق في سماع تلك الأكاذيب، أليس كذلك؟
إذا كان اعترافها مزيفًا فهو الوحيد الذي سيتأذى بسببه.
وإذا خُدع، فالألم سيكون ألمه وحده.
ارتسمت ابتسامة خافتة على شفتي كاسيان.
ابتسامة أكثر رقة من المعتاد.
تفاجأ لانود بذلك التعبير الغريب، ولاحظ مصادفة حجر التسجيل في يد كاسيان، إذًا لقد استخدمه بالفعل.
كان هو نفسه من أمر بشرائه سابقًا، مصرًا على اقتنائه من قافلة تجارية نادرة لا تمر إلا مرة كل عدة سنوات. وقد كلف ثمنًا يفوق ثمن قصر كامل. والآن فقط رآه لانود يُستخدم للمرة الأولى، شعر بالفضول، بالطبع لكنه كان يعرف حدوده جيدًا.
ولذلك انحنى بسرعة وغادر الغرفة.
وما إن أُغلق الباب خلفه، حتى هبط الصمت كستار ثقيل.
كانت السماء مغمورة بحمرة الغروب القانية.
حدق كاسيان بصمت في الأفق المشتعل فوقه ثم حوّل نظره ببطء نحو الظل الذي استقر تحته.
ما زال داخل نطاق رؤيته الآن لكن بحلول الغد سيختفي من ناظريه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.