مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 48: 48نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 48: 48

48

الفصل الثامن والأربعون 

“الدوقة؟” 

آه، هذا منطقي، فبعد ما حدث مؤخرًا من انهيار صحة السيد الشاب، كان من الطبيعي أن تأتي والدته بنفسها. 

بل إن الغريب حقًا أنها لم تزره في وقت أبكر، رغم أنه كان يقيم هنا طوال هذه المدة لتلقي العلاج. 

لطالما فكّرت يوريسييل في تلك النظرات البعيدة التي كان السيد الشاب يحدق بها في الفراغ. وفي بعض الأحيان كانت تتساءل إن كانت عائلة بلانشيت تهتم أصلًا بوريثها لكنها الآن، بعد سماعها خبر قدوم الدوقة، بدأت تشك في أن استنتاجاتها كلها ربما كانت خاطئة. ورغم أنها لم تكن تعرف الكثير عن دوقة بلانشيت شخصيًا، فإنها رسمت صورتها في خيالها من خلال القصص والكتب التي نسختها بيدها. 

امرأة راقية ومهيبة تشبه ابنها، امرأة لا تحتاج إلى كثرة الكلام. 

يكفي أن تنظر إليك مرة واحدة لتشعر بالرهبة. 

كان الدوق والدوقة من آل بلانشيت مشهورين بصورتهما المثالية أمام العامة، وبزواج بدا للناس وكأنه مثال للكمال. 

وقبل أن تتعرف إلى السيد الشاب، كانت يوريسييل تؤمن أن أمثال هؤلاء يعيشون بلا متاعب، وسط عائلة دافئة مليئة بالمحبة. 

لكنها الآن، بعد الوقت الذي أمضته معه، لم تعد واثقة من ذلك. 

ربما لم تكن حكايات الأسرة المتناغمة من آل بلانشيت صادقة كما يعتقد الجميع ومع ذلك، فإن حقيقة أن الدوقة جاءت بنفسها إلى هذا المكان لا بد أنها تعني أنها تهتم بابنها، ولو قليلًا. 

أما إن كان ذلك اهتمام أمّ بابنها أم اهتمام وصيةٍ بوريث العائلة، فلم تكن تعرف. 

ترددت في ذهنها ذكرى حديث قديم بين كبير الخدم والسيد الشاب. كانا قد ذكرا أن الدواء الجديد أوشك على الاكتمال. 

إذًا، ما إن تصل الدوقة فهل يعني ذلك أن السيد الشاب سيغادر ألفونس نهائيًا؟ 

وإذا غادر فماذا سيحدث لها؟ 

من الناحية النظرية، لن يتغير شيء. 

ستعود الأمور كما كانت لكنها لم تشعر بذلك إطلاقًا. 

لقد أدركت الآن أنها لن تستطيع أبدًا العودة إلى الأيام التي سبقت لقائها به. 

لقد قطعا شوطًا طويلًا، فقدت منزلها ثم وجدت هذا المنزل وحصلت على الدواء لوالدتها ثم كانت هناك قبلة الليلة الماضية، تلك الحادثة التي بدت وكأنها خطأ عابر. 

مرت في ذهنها صور متعددة لوجوه السيد الشاب، هيئته الباردة المنعزلة داخل غرفته، ملامحه المخيفة كلما التقيا صدفة ثم ابتسامته الخافتة التي كان يمنحها لها أحيانًا دون سابق إنذار. 

في كل مرة، كان يأخذ منها شيئًا ويترك شيئًا آخر خلفه. 

والآن ربما لن ترى ذلك الوجه مجددًا. 

كان يومًا شخصًا ظن العالم بأسره أنه لن يعيش طويلًا. أما الآن، فقد أصبح مستعدًا للعودة بصفته الوريث الشرعي لعائلة بلانشيت. 

لقد كانت بداية كُتب لها أن تنتهي منذ اللحظة الأولى. 

وكانت بداية جديدة تنتظره وهكذا ينبغي أن تكون الأمور. 

حتى في اللحظات التي تمنّت فيها التحرر منه، لم تتمنَّ يومًا أن يختفي إلى الأبد لكن سواء اختفى في السماء أو رحل إلى العاصمة 

فالنتيجة واحدة، سيختفي من هذه الضيعة وكأنه لم يكن موجودًا فيها قط أما هي، فلن تراه مجددًا على الأرجح. 

فشخص من ألفونس مثلها لن يجد سببًا واحدًا يجعله يلتقي بشخص مثله مرة أخرى. كانت تعرف ذلك دائمًا لكن عندما أصبح الأمر حقيقة واقعة، اضطرب قلبها. 

بالنسبة لكاسيان، كان الرحيل أمرًا بسيطًا. مجرد لحظة تسلية عابرة يلقيها خلف ظهره ويمضي قدمًا، سيلتقي بسيدة نبيلة أخرى. 

وسيستأنف حياته كوريث لعائلة بلانشيت، وسينسى هذه المرحلة بأكملها، كما لو كانت لطخة صغيرة في سجل حياته أما هي فستبقى هنا وحدها، تحمل ثقل كل شيء وكأنه لم يحدث بالأمس فقط. 

في الماضي، كانت تتمنى اختفاءه أما الآن، وهي تعلم أنه سيرحل حقًا، بدت المشاعر التي تعصف بها سخيفة. 

أن ترغب في رحيله، وفي الوقت نفسه لا ترغب به يا له من تناقض أناني. 

لكن ربما كان هذا الارتباك كله مجرد يأس فبمجرد رحيله، ستنهار حياتها التي بدأت تعتمد عليه دون أن تشعر. 

ولأول مرة فقط، أدركت كم كانت تتعلق به، وكم كانت تنتظر منه، وكم كانت تأمل فيه. 

ومن دون أن تنتبه، قادتها قدماها المثقلتان بالأفكار إلى غرفته. 

لاحظها كبير الخدم لانود، طرق الباب كعادته، ثم دخل لبرهة قصيرة قبل أن يخرج مجددًا ويسمح لها بالدخول. 

كانت أشعة الشمس تتدفق عبر النافذة، متناثرة فوق الأرضية بخيوط ذهبية دافئة. 

رفع كاسيان رأسه عن الرق الذي كان يطالعه. 

وبدا المشهد كله كلوحة فنية، ضوء دافئ يغمر المكان من حوله. 

كانت أكمامه مطوية إلى منتصف ساعديه، كاشفةً عن الذراعين اللتين احتضنتاها ذات ليلة. 

التقت عيناه القرمزيتان بعينيها. 

وللحظة قصيرة، رأت انعكاس نفسها فيهما. 

خطوة ثم أخرى. 

ومع كل خطوة، تسلل إلى أنفها ذلك العطر الحلو المنعش لنعناع الماء، فاشتد خفقان قلبها بعنف. 

إنها الرائحة نفسها التي علقت بذاكرتها منذ الليلة الماضية. 

كان الصمت كثيفًا إلى درجة جعلتها تخشى أن يسمع نبضات قلبها. حاولت أن تبدو هادئة وأن تتحرك كما اعتادت دائمًا. 

ورأسها منخفض لكن كاسيان أبقى نظره على الرق الذي بين يديه وكأن ما حدث الليلة الماضية لم يقع أصلًا وكأنها غير موجودة في الغرفة وعندها فقط أدركت شيئًا. 

ما حدث الليلة الماضية كان يعني لها هي وحدها أما بالنسبة له فلم يكن يعني شيئًا. 

وربما لو علم أنها أمضت الليل كله تتقلب في فراشها محاولة نسيانه، لضحك منها. فهي في النهاية من بدأت الأمر. 

وأي مشاعر تشعر بها الآن ليست سوى حماقة بل إنها كانت هي نفسها من تمنت أن يتجاهل ما حدث ويمضي قدمًا. 

إذًا كان من المفترض أن تشعر بالارتياح لهذا البعد لكن معاملته لها وكأنها غير مرئية تركت داخلها فراغًا حادًا وغريبًا. 

بدا حقًا وكأنه قادر على الرحيل دون أن يلتفت خلفه مرة واحدة. 

وكان جانبه الهادئ النظيف، وهو يركز على عمله، يؤكد ذلك أكثر. 

شعرت وكأن شيئًا عالقًا في حلقها. 

فدفنت اضطرابها في أعماقها وتقدمت حتى وقفت أمامه. 

مر وقت طويل قبل أن يرفع كاسيان رأسه أخيرًا. 

واحترقت يوريسييل في انعكاس عينيه الحمراوين، كما يحترق الأفق عند الغروب. 

“هل أعرض عليكِ مقعدًا؟” 

ما إن سمعت صوته، الذي أعاد إليها ذكريات الليلة الماضية بكل وضوح، حتى اندفعت الحرارة إلى وجهها ولمحت انعكاسها في المرآة خلفه، وجهًا محمرًا أحمق المظهر، وجهًا يفضح كل شيء. 

ومجرد التفكير في أنه رآها هكذا جعلها تطلق ضحكة جافة. 

“لا، لا بأس.” 

وبينما جلست، مدّ إليها الرق الذي كان يقرأه. 

وما إن لمسته حتى تذكرت أول مرة أعطاها فيها أحد الرقوق. 

حين قذفه نحوها ببرود وأمرها أن تقرأه، مقارنة بذلك اليوم، بدا تصرفه الآن أقرب إلى تصرفات السادة المهذبين. 

لم يكن لطيفًا على وجه الخصوص بل كان عاديًا فحسب لكن حين يصدر شيء عادي من كاسيان، يبدو راقيًا على نحو غريب. 

وبينما كانت تمسك الرق وتحاول الجلوس بطريقة طبيعية، عاد هو إلى عمله، مثبتًا عينيه على الصفحة مجددًا ثم قال فجأة: 

“يبدو أنكِ تحبين ترتيب الأشياء، أليس كذلك؟” 

“سيدي الشاب!” 

احتجّت وهي ترمقه بنظرة مستاءة فالتقت عيناها بعينيه الحمراوين. 

وكانت نظراته خانقة في شدتها حتى جمدتها في مكانها. 

احتجزها بعينيه تمامًا ثم قال مبتسمًا بمكر: 

“هذا لن يكون سهلًا.” 

بدا وكأنه يمازحها لكن الابتسامة على شفتيه كانت مختلفة عن السابق، لم تكن ابتسامة ساخرة بل ابتسامة حقيقية. 

ولأول مرة في حياتها رأت منه ابتسامة كهذه. 

ابتسامة طبيعية لدرجة أنها بدت غريبة على شخص مثله. 

فحدقت فيه طويلًا دون أن تستطيع صرف نظرها. 

وعندما خفضت عينيها أخيرًا، اكتشفت سبب كلامه. 

فأمامها كومة ضخمة من الرقوق، ولم يكن أيٌّ منها مرقّمًا. 

يا لها من ابتسامة حقيقية فعلًا، انعكست الأوراق وحركة أصابعها وهي تقلبها داخل عيني كاسيان الحمراوين وتتبعت نظراته ببطء أصابعها التي حملت آثار العمل والخشونة الخفيفة. 

اختفت تلك الفتاة الخجولة التي كانت ترتجف تحت نظراته. 

وحلت مكانها فتاة أخرى، مركزة تمامًا. 

تعقد حاجبيها وهي غارقة في التفكير. 

هل هذه هي حقيقتها؟ 

الشخص الذي كان يلمح ظله أحيانًا خلف النوافذ؟ 

شعر برضا يفوق ما توقعه، لقد كان قرارًا صائبًا أن يحتفظ بهذه المخطوطة بدلًا من التخلص منها. 

في السابق، كان ينوي أن يأمر الكاتبة الشاحبة الخائفة بالتوقف عن كتابتها نهائيًا أما الآن فقد أراد قراءة المزيد. 

البارحة فقط كان وجهها شاحبًا بلا لون أما اليوم، فقد عاد ينبض بالحياة. 

انزلقت عيناه نحو شفتيها الورديتين، الشفاه التي قبلها بعمق الليلة الماضية، الشفاه التي جعلت الهواء نفسه يبدو حلوًا وجعلته يختنق ويشعر بالعطش. 

والآن هي أمامه مجددًا ومع ذلك، كانت تجلس بهدوء تقلب الصفحات وكأن شيئًا لم يحدث. 

من الواضح أنها نامت جيدًا أما هو فلم يغمض له جفن طوال الليل، كان الأمر مثيرًا للسخرية 

فالفتاة الجريئة التي بادرته بالقبلة اختفت تمامًا. 

والآن عادت لتتورد خجلًا، وتتردد، وتتجنب النظر إليه كلما دخلت الغرفة. وربما تكون هذه آخر مرة يراها فيها على هذا الحال. 

ففي وقت سابق من ذلك الصباح، وصله خطاب. 

مختوم بشعار آل بلانشيت وكانت التعليمات واضحة: 

عليه العودة إلى العاصمة مع والدته فور وصولها. 

إذا كانت الدوقة ستأتي بنفسها، فهذا يعني أن الدواء الجديد أصبح جاهزًا فعلًا، فمشاركتها الشخصية في الأمر لم تترك مجالًا للشك. 

لقد استعادت العائلة قيمة وريثها. وكانت قد غادرت نحو ألفونس منذ عدة أيام وعلى الأرجح ستصل غدًا. 

أما هو فسيرحل، وبطبيعة الحال، يعني ذلك ترك كل شيء في ألفونس خلفه، كل شيء، بما في ذلك الفتاة الجالسة أمامه. 

سيترك لها ببساطة ما سبق أن منحه لها، غرفة صغيرة، ودواء والدتها. أشياء لا تعني له الكثير لكنها بالنسبة لها كانت كل شيء. 

أشياء تكفي لجعلها ترتجف. 

لقد تغير كل شيء بعد تلك القبلة. وكان قد حسم أمره بالفعل بإطلاق سراح الفتاة التي بكت من أجله. 

ربما سحرته ثعلبة ما أو ربما لأنه اقترب من الموت فحسب. 

وفي تلك اللحظة دفعت يوريسييل كومة الرقوق نحوه. 

كانت قد انتهت من ترتيبها أسرع مما توقع. 

تصلبت ملامح كاسيان وهو يتسلمها ثم سقط على كتفه صوت مرتجف: 

“هل… ستغادر ألفونس؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.