الفصل 47: 47
47
الفصل السابع والأربعون
ارتجف جسد يوريسييل الواهن، ولكن بعد فوات الأوان بلحظة.
كان الأمر غريبًا، خاصة أنها هي من بدأت هذا التصرف الجريء ومع ذلك، بدا الآن وكأنها هي المذنبة.
قال كاسيان:
“أنتِ من بدأ الأمر.”
وحين ارتسمت على شفتيه ابتسامة بطيئة، ازدادت رجفتها وضوحًا، حتى إنه شعر بها تنتقل إليه عبر بشرتها.
لو رآهما أحد الآن، لظن أن يوريسييل هي من بادرت بكل شيء.
وأن ما يحدث كان نتيجة أفعالها وحدها.
وهو أمر لا يشبه إطلاقًا شخصًا تجرأ قبل لحظات على تقديم قبلة كهذه، إذا كانت تنوي استخدام الإغواء، فكان ينبغي لها أن تفعله بإتقان.
ألا تعلم ما الذي يحدث عندما تستفزين أسدًا ثم تترددين؟
انعكست صورة تلك الخادمة البريئة أو بالأحرى، تلك التي تتظاهر بالبراءة كاملة داخل عيني كاسيان الصافيتين الشبيهتين بالزجاج.
وبدا راضيًا عما يراه. لكن يوريسييل، وكأنها ندمت على كل شيء، أطبقت شفتيها بإحكام.
وأخيرًا، أخذت نفسًا مرتجفًا، لم تكن تعلم أن أنفاسها تلك كانت تبعث الدفء في المسافة بينهما ولا كيف كانت تؤثر فيه.
أما شفتيها، اللتان لم تتركا سوى إحساس خشن وجاف، فلم تستطيعا تحمل نظراته أكثر، فانفرجتا ببطء.
“أنا فقط…”
حاولت عيناها الواسعتان الهروب منه، تتطلعان إلى أي مكان سوى وجهه لكن كاسيان سرعان ما اصطاد نظراتها من جديد.
وانسابت خصلات شعرها الأحمر بين أصابعه كالحرير.
وفي تلك اللحظة القصيرة، اجتاحت الحرارة شفتيها كأن موجة هائلة ارتطمت بها من الداخل وأربكت كيانها كله.
غطى لعابه شفتيها المتشققتين كما لو كان مرهمًا مهدئًا.
وكل نفس تتبادله معه كان يمتزج بأنفاسها، فيدفعها إلى دوار لطيف يجعل أصابع قدميها تنقبض دون وعي.
كانت تعلم منذ اللحظة التي قررت فيها تحديه أنها تخاطر بكل شيء.
وظنت أنها لن تهتم مهما فعل بها هذا الرجل المتغطرس لكن جسدها، بشكل غريزي، حاول الابتعاد والهرب.
إلا أن القوة التي كانت تثبتها في مكانها لم تتراخَ ولو للحظة.
ترددت كلماته في ذهنها مع صوت المطر.
〈”أنتِ من بدأ الأمر.”〉
امتزاج أنفاسهما جعل رأسها يثقل بالضباب وكأن عقلها يغرق تدريجيًا. كما لو أنها عالقة في دائرة لا تنتهي؛ تحاول الهرب، فيعيدها إليه مرة بعد أخرى.
صامتة، خطيرة، وحميمية بشكل مخيف.
استمرت القبلة وقتًا أطول بكثير مما يمكن لأي شخص أن يتخيله.
خصوصًا في مكان كهذا، مكان لا يجرؤ أحد حتى على تخيل حدوث شيء مماثل فيه.
وخلف الباب، كانت أصوات خطوات الحراس المضطربة تُسمع بوضوح ولو فتح أحدهم الباب الآن لانكشف كل شيء.
كل شيء.
لكنها لم تستطع دفعه بعيدًا، لم تكن تملك القوة لذلك ولا الحق.
فكما قال هو هي من بدأت.
وحين تلاشى ما تبقى من مقاومتها، لم يبقَ سوى الإحساس الخام الذي اجتاح جسدها بالكامل، كان مؤلمًا وحلوًا في الوقت ذاته.
قبلة مشوهة مليئة بالتناقضات، وكان قلبها يخفق بجنون، كالمطر الذي يضرب الأرض في الخارج. ولم تنتهِ تلك القبلة الطويلة المعذبة إلا عندما بدأ بريق رطب يلمع على شفتيها.
كان نفس كاسيان حارًا ومتسارعًا، يلامس كتفها من مسافة قريبة جدًا، قبل لحظات فقط كانت تتلقى ذلك النفس ذاته بين شفتيها أما الآن، فقد أصبح قريبًا منها إلى درجة أربكتها.
ومجرد التفكير في الأمر جعلها تشعر بأنها على وشك فقدان نفسها.
ترنح جسدها قليلًا لكنه أمسك بها بسهولة.
ولو رآهما أحد، لظن أن المنهار منهما هو هي.
وعندما استطاعت الوقوف وحدها مجددًا، انساب صوته فوق كتفها بهدوء.
“لن تصبح والدتكِ خليلة لأحد.”
عندها فقط بدأت أفكارها تستعيد ترتيبها.
كانت تعلم أكثر من أي شخص آخر أن كلمة واحدة منه قادرة على تحريك ألفونس بأكملها، حتى لو لم تستطع تحريك العالم.
فاللورد الذي انحنى له بتلك الطريقة المبالغ فيها في الحفل، لن يجرؤ على عصيانه.
اندفعت الراحة إلى جسدها دفعة واحدة حتى إن ساقيها كادتا تخونانها لكن ما منعها من الانهيار لم يكن ذراعاه بل كلماته الباردة التالية.
“هل هذا يكفيكِ؟”
ثم استدار وغادر.
‘يكفي؟’
ضربها الخجل بقوة مفاجئة حتى إنها لم تعد تتذكر ما الذي دفعها إلى الارتماء عليه بتلك الطريقة. بدا الأمر وكأن جزءًا من ذاكرتها قد انقطع وكأنها فقدت وعيها للحظات.
كانت ذكرى ترغب في محوها لكنها عرفت أنها لن تنساها أبدًا.
قبل قليل فقط، ظنت أنها قادرة على فعل أي شيء أما الآن، فقد بدا ذلك الإحساس مجرد كذبة.
كانت مجرد قبلة ومع ذلك، التصقت بها كالأغلال وشعرت أنها لن تستطيع العودة إلى الشخص الذي كانت عليه من قبل.
مسحت ذلك الإحساس اللزج عن شفتيها لكن حرارة الذكرى لم تختفِ.
جلست على الأرض الباردة، شاردة، تحدق في الفراغ ولم تعلم كم من الوقت مر وهي على تلك الحال.
وفي النهاية، جاء الحراس ومعهم عدة أشخاص آخرين لإبلاغها بأنها ستُطلق سراحها، أحدهم بدا محرجًا بشكل واضح.
وتردد قليلًا قبل أن يتحدث.
“سمعتُ أنكِ اتُّهمتِ ظلمًا. أعتذر. كنا فقط ننفذ الأوامر التي صدرت إلينا…”
طنّ اعتذاره في أذنيها لكنها بالكاد سمعته فكأن الزمن تجمد.
وأُجبرت على إعادة تلك اللحظة مع كاسيان مرارًا وتكرارًا.
كانت تتمنى أن تنساها بل تمنّت لو أصابتها لعنة تمحو تلك الذكرى من عقلها تمامًا. ولم يتبدد ذلك الشعور إلا عندما عادت إلى القصر ورأت والدتها أخيرًا.
احتضنت الليدي جين ابنتها بقوة وانهمرت الدموع من كلتيهما بلا توقف. نظرت الليدي جين إلى وجه يوريسييل المرهق والكدمات التي تغطيه بحزن عميق ثم تناولت علبة صغيرة من المرهم.
كان لانود قد أرسلها بلطف، معتقدًا أنها قد تحتاج إليها.
وضعت المرهم برفق على شفتي يوريسييل المتشققتين، وعلى الكدمات التي خلفها اقتيادها إلى السجن، لابد أن الأمر كان مؤلمًا لكن يوريسييل لم ترتجف ولو مرة واحدة.
راقبتها الليدي جين بعينين حزينتين.
لقد كبرت ابنتها بسرعة أكبر مما ينبغي.
في عمر كان يفترض بها أن تستند فيه إلى والديها، كانت تحمل كل شيء وحدها وكان ذلك يمزق قلبها. وحين فكرت في عجزها عن حمايتها كما يجب، تحول ألمها إلى شعور بالذنب.
أما يوريسييل، غير المدركة لما يدور في قلب أمها، فقد اكتفت بابتسامة صغيرة.
كانت تحاول مرة أخرى أن تتصرف كشخص بالغ.
“أمي كل شيء بخير الآن.”
“…”
“لقد خرجتُ وأنتِ…”
توقفت قبل أن تكمل الجملة، لم تستطع أن تقول:
〘ولن تضطري لأن تصبحي خليلة اللورد.〙
فأمها لم تكن تعلم أنها اكتشفت الحقيقة، ولم يكن هناك داعٍ لفتح جرح مهين كهذا بل إن الليدي جين، قبل وقت قصير فقط، كانت تستعد بتوتر للذهاب إلى اللورد لكن الموعد أُلغي فجأة.
ثم عادت يوريسييل حرة.
فبكت الليدي جين من شدة الارتياح وهمست بالشكر للسماء.
“لكن… كيف أُطلق سراحكِ يا يوريسييل؟”
ترددت يوريسييل وظهر على وجهها أثر انزعاج عابر.
لاحظت الليدي جين ذلك فورًا.
ونظرت إلى عيني ابنتها الزمرديتين وسألت بلطف:
“لم يحدث شيء… أليس كذلك يا يوريسييل؟”
“لا، لا شيء من هذا القبيل. لقد اكتشفوا فقط أنني بريئة.”
دفنت يوريسييل وجهها في كتف أمها وتمسكت بها كطفلة صغيرة فمجرد وجود والدتها هنا، سالمة وآمنة، ملأ قلبها براحة هادئة.
فلو أصبحت أمها خليلة للورد بسببها…
لا، وجودها هنا الآن كان أكثر مما تجرؤ على طلبه. وحتى عندما عادت إليها ذكرى كاسيان وأجبرتها على العبوس، ظلت ممتنة له.
“لا أعلم كيف اكتشفوا الحقيقة، لكن إنها معجزة. أنا فقط سعيدة لأنكِ بخير.”
مررت الليدي جين أصابعها بلطف بين شعر ابنتها.
وكانت لمستها مليئة بالحنان والدفء وفي ذلك الدفء، لم تستطع يوريسييل منع نفسها من التفكير فيه مجددًا.
“ربما قال السيد الشاب شيئًا أو ساعد بطريقة ما.”
“السيد الشاب؟”
“نعم، هذا ما سمعته.”
حاولت أن تبدو طبيعية لكن جسدها كله توتر كي يمنع نفسه من الارتجاف فمجرد سماع عبارة السيد الشاب كان كافيًا لإعادة تلك الذكرى إليها بقوة جعلتها تشعر بالدوار. وحين رأت أمها تومئ برأسها، سارعت إلى تغيير الموضوع مستخدمة نبرة مرحة.
وتحدثتا بهدوء لبعض الوقت.
وبالتدريج، بدأت الحياة الطبيعية تعود.
ومع حلول الليل، تمددت يوريسييل إلى جوار أمها.
لم تفعل ذلك منذ زمن طويل.
غدًا ستعود إلى عملها كخادمة للسيد الشاب.
لكن لهذه الليلة فقط أرادت أن تبقى هكذا قليلًا.
وحاولت طرد ذكرى القبلة من عقلها ثم استسلمت للنوم ببطء.
وفي تلك الليلة، حلمت بأنها تسافر إلى العاصمة مع والدتها.
وانبسطت أمامهما مدينة جميلة كأنها من عالم الأحلام.
وفي ذلك الحلم صنعتا ذكريات سعيدة معًا.
ويبدو أن صائدة الأحلام الخاصة بوالدتها قد أدت مهمتها أخيرًا.
حل الصباح، وأغرقت أشعة الشمس الجديدة الأرض بلون ذهبي دافئ وتسللت الخيوط الضوئية عبر النافذة لتوقظ يوريسييل برفق.
لكن عقلها ظل عالقًا بذكرى تلك القبلة كأنها التصقت بها وترفض المغادرة.
وحين حاولت تشتيت أفكارها، التقطت الجريدة اليومية.
وسرعان ما استقرت عيناها على مقال يتحدث عن حادثة السرقة الأخيرة في ضيعة ألفونس.
“الكشف عن مؤامرة دبرتها الليدي كاثرين…”
كان العنوان العريض واضحًا بما فيه الكفاية.
كل ما حدث كان ملفقًا منذ البداية.
هل كان هذا أيضًا من فعل السيد الشاب؟
لم يكن مضطرًا لإثبات براءتها.
كان يكفيه أن ينقذ والدتها من ذلك المصير المهين.
وبحسب منطقه فإن القبلة كانت قد سددت الثمن بالفعل.
وفي زاوية المقال، وجدت ملاحظة صغيرة.
“بلاغ مجهول المصدر.”
وكان ذلك وحده كافيًا بالنسبة لها.
لا بد أنه كاسيان، فالصحيفة مشهورة بكشف هوية المخبرين العاديين أما الشخص الوحيد الذي قد يحمونه فهو شخص بمكانته.
وفي الموعد المعتاد، غادرت يوريسييل غرفتها متجهة نحو جناح السيد الشاب ومع كل خطوة كانت أفكارها تتشابك أكثر.
لماذا ساعدها؟ هل فقط لأنه يكره الليدي كاثرين؟ أم لأنه أشفق عليها؟ أم لأنه ببساطة لم يرغب في أن يُلطخ اسم خادمته بالعار؟
مهما كان السبب فهي كانت تعرف أمرًا واحدًا.
كانت ممتنة له، فلولاه، لكان أهل ألفونس ما زالوا ينادونها باللصة ويسخرون منها خلف ظهرها.
كان الممر المؤدي إلى الطابق الرئيسي أكثر ازدحامًا من المعتاد.
ورأت العمة ماري تقف وسط الحركة، توزع التعليمات على الخدم المسرعين من حولها. لقد انتهى للتو حفل كبير، لذا بدا من المستبعد إقامة حفل آخر بهذه السرعة.
اقتربت يوريسييل منها بفضول وسألت بصوت منخفض:
“هل يحدث شيء ما؟”
أجابت ماري وهي تواصل إصدار أوامرها :
“نعم، دوقة بلانشيت ستصل قريبًا.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.