الفصل 46: 46
46
الفصل السادس والأربعون
ما إن رافق الحراس كاسيان إلى الداخل بكل احترام حتى اختفوا سريعًا، على عكس ما كانوا يفعلونه سابقًا ومع انغلاق الباب بصوت خافت، تجاوز كاسيان القضبان الحديدية وسار مباشرة إلى داخل الزنزانة حيث كانت يوريسييل جالسة.
ارتجف جسدها الواهن بعنف تحت نظراته.
لقد أخبروها أنه انهار وظنت أنه قد لا يستيقظ أبدًا لكن لا بد أن تلك الشائعات كانت محض هراء.
ها هو يقف أمامها الآن، ثابتًا ومتماسكًا كما اعتادت أن تراه دائمًا.
ورغم أن وجهه بدا شاحبًا قليلًا للوهلة الأولى، فإن يوريسييل كانت تعرف أنه لم يتغير عن المعتاد. فقد أمضت إلى جواره وقتًا كافيًا لتدرك ذلك.
هل كانت تفقد عقلها؟ هل كانت هذه مجرد هلوسة؟
حتى وهي تسمع وقع خطواته يقترب منها، لم يبدو الأمر حقيقيًا.
ارتجفت يوريسييل كما لو أنها رأت شبحًا وتحرك جسدها إلى الخلف بشكل غريزي لكن في غرفة مغلقة من جميع الجهات، لم يكن هناك أي مكان للفرار.
وحين حاولت التراجع أكثر، مد كاسيان يده وأمسك بها ثم أدار وجهها نحوه بسهولة بيد واحدة وانعكس طيفها بوضوح داخل عينيه الحمراوين.
ظهر شرخ صغير في هدوء ملامحه وهو يحدق إليها من الأعلى.
كان الأمر مثيرًا للسخرية تقريبًا حتى وهي في هذه الحالة، ذهبت إلى المحققين وسألتهم عن ذلك الشاب ذا الشعر الفضي وأخبروها أنه انهار تمامًا بعد أن عرف ما جرى لوالدته.
بطبيعة الحال، وصلت إلى كاسيان كل تفاصيل ما حدث ليوريسييل خلال الأيام الماضية حتى حقيقة أنها لم تبحث عنه ولو لمرة واحدة.
والآن كانت تنظر إليه وكأنه شبح عاد من الموت.
لم يكن هذا ما أراد رؤيته ولم تكن هذه الصورة التي توقعها.
لقد كان يعلم مسبقًا أنها ستتوسل إليه في النهاية طلبًا للمساعدة.
كان ذلك أمرًا حتميًا،فلماذا كان يضايقه إلى هذا الحد؟
اضطربت في داخله عاصفة من المشاعر.
أحاسيس لم يستطع تسميتها التوت داخل صدره.
غضب غامض وانزعاج مبهم ارتفعا في أعماقه وشوّها ملامحه.
وبرزت العروق على قبضتيه المشدودتين.
لكن هل كان ذلك خطأها حقًا؟
في النهاية، هو من عاد إلى هذا المكان كالأحمق.
التقت عيناه الحمراوان بعيني يوريسييل في المسافة الضيقة بينهما.
كانت عيناها الخضراوان الجميلتان تذكرانه دائمًا بغابة عميقة هادئة.
وفي تلك اللحظة أدركت يوريسييل أمرًا واحدًا.
هو أملها الأخير وفرصتها الأخيرة.
لم يعد يهم كيف استيقظ أو لماذا جاء إلى هنا.
عندها فقط بدأ عقلها المشوش يستعيد صفاءه وفي الوقت نفسه رأت بوضوح التعبير البارد المرتسم على وجهه.
ماذا يمكنها أن تقول لتنقذ والدتها من ذلك الكابوس؟
هل سيصدق براءتها؟ وحتى لو صدقها هل سيتدخل من أجل شخص مثلها؟ شخص لا يعني له شيئًا؟
تزاحمت في رأسها أفكار لا حصر لها لكن جميع تلك الأفكار تبخرت كالضباب في اللحظة التي لامست فيها أصابعه الطويلة الشاحبة شفتيها.
بقيت يده تضغط برفق على شفتيها الجافتين المتشققتين لفترة طويلة.
ومن خلف رموشها المنخفضة، استطاعت يوريسييل أن ترى عينيه مثبتتين على شفتيها.
كانا قريبين للغاية حتى إنها لم تعد تسمع سوى صوت أنفاسه.
وفي الخارج، كانت أصوات المطر الناعمة تملأ الصمت.
ما زالت تتذكر بوضوح آخر مرة لمس فيها شفتيها بهذه الطريقة.
أثار ذلك الإحساس الغريب ارتجافة خفيفة في جسدها لكن يوريسييل لم تقاوم بل بقيت ساكنة، تسمح له أن يفعل ما يشاء.
فهي الآن الطرف العاجز.
وإذا تخلى عنها هو أيضًا فسينتهي كل شيء حقًا.
بدا الزمن وكأنه تباطأ، كما لو أن العالم توقف عن الحركة لكل من سواهما. وكان وجهه القريب منها يضيء تحت وهج المشاعل المرتجف، البريق الحاد في عينيه خلف رموشه الطويلة، خط أنفه المستقيم، وشفتاه المطبقتان بإحكام.
وجدت يوريسييل نفسها تتأمل ملامح كاسيان دون أن تشعر لكنها تجمدت فجأة، لأن تعبيره كان مختلفًا تمامًا عما اعتادت رؤيته.
بدا حزينًا أو ربما غاضبًا بشدة.
هل ارتكبت خطأ ما؟ وإن كان الأمر كذلك فما هو؟
التوى صدرها بيأس خانق.
وأخيرًا رفع نظره إلى عينيها.
قبل لحظات فقط كانت قد أقسمت لنفسها أن تبقى قوية لكن الطريقة التي كان ينظر بها إليها جعلت التنفس أمرًا بالغ الصعوبة ولم تستطع أن تنطق بكلمة.
كان كاسيان أول من كسر الصمت.
“ألا يوجد شيء تريدين قوله لي؟”
همست كلماته قرب أذنها، فأرسلت قشعريرة مخيفة عبر عمودها الفقري، تمامًا كما فعلت اللمسة التي ظلت عالقة على شفتيها أما اليد التي كانت لا تزال تمسك وجهها فكانت تبعث حرارة شديدة، تكاد تكون مرعبة.
لم يعد أمام يوريسييل أي خيار.
“أرجوك… هذه المرة فقط… ساعدني.”
انفلتت منها شهقة باكية كانت تحبسها بصعوبة.
كانت خائفة، خائفة من أن تخسره هو أيضًا.
ارتجف صوتها من البرد، كما لو أن شتاءً كاملًا يسكن داخلها.
“في ماذا؟”
“أرجوك… أخرجني من هنا حتى لا تصبح أمي خليلة للورد.”
ظل كاسيان صامتًا، واكتفى بالنظر إليها حتى هدأت شهقاتها تدريجيًا. وفي أعماقه كانت عاصفة من المشاعر السوداء غير المفهومة تضطرب بعنف وكأن هذا لم يكن ما أراد سماعه إطلاقًا.
“قولي شيئًا آخر.”
اتسعت عينا يوريسييل بدهشة لم تستطع فهم ما يدور في ذهنه.
كان وجهه صارمًا لا يلين وكأنه لن يحقق طلبها أبدًا ما لم تمنحه الإجابة التي ينتظرها.
“أنتِ تعرفين أنني انهرت، أليس من اللباقة أن تسألي عن حال شخص قبل أن تطلبي منه معروفًا؟”
ابتلعت ريقها بصعوبة ونظرت إليه.
كان يقف شامخًا فوقها.
ومن خلال دموعها بدا وجهه ضبابيًا، ثم عاد ليتضح شيئًا فشيئًا.
لماذا يتصرف بهذه الطريقة مع شخص بلغ به اليأس هذا الحد؟
امتلأ قلبها بالاستياء لكنها لم تستطع إظهاره.
فهو محق، هي من تتوسل وهو الوحيد القادر على مساعدتها لكن مهما حاولت التفكير، لم تستطع أن تفهم ما الذي يريد سماعه منها.
لماذا يتحدث الآن عن التحية واللباقة؟
بقيت واقفة في مكانها مترددة وعندها أفلت كاسيان وجهها ببطء وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة.
“كان بإمكانكِ على الأقل أن تتظاهري بالسعادة لأنني عدت حيًا.”
“…”
“عندما ترتجفين كلما نظرتِ إليّ وكأنني شبح، أشعر أنه لا يوجد سبب يدفعني لإنقاذكِ.”
تسارعت أفكار يوريسييل.
هل يجب أن تقول إنها سعيدة؟ أم تسأله كيف استيقظ؟ أم تخبره أنها كانت قلقة عليه؟ وهل سيصدقها أصلًا إن قالت ذلك الآن؟
وهل تملك رفاهية اختيار كلماتها؟
“لقد كنت قلقة عليك حقًا…”
“…”
“هل أصبحت بخير الآن؟”
ملأ صوت المطر وهو يطرق النوافذ المكان من حولهما.
وكان الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت لكن كاسيان لم يُبدِ أي رد فعل وكأنها ما زالت لم تقل ما يريد سماعه أو ربما كان ينتظر ليرى ماذا ستفعل بعد ذلك.
عضّت يوريسييل شفتيها حتى شعرت بالألم.
“سأفعل أي شيء تطلبه… أرجوك…”
انهمرت دموعها من جديد واهتز صوتها وهي تكافح لالتقاط أنفاسها.
نهض كاسيان بهدوء من مكانه.
لم يعد يرغب في الجلوس أمام ذلك التعبير.
أن يراها ترتجف كلما نظرت إليه وكأنه شبح وأن تكذب بسهولة وكأن الأمر لا يعني شيئًا وإذا كانت ستكذب فليتها على الأقل تحاول ألا تجعل الأمر واضحًا إلى هذا الحد.
وخز انزعاج حاد صدره، رغم أن كل شيء يسير وفق ما أراده، فالفاعل الحقيقي سيُكشف قريبًا.
الخادمة ماتيل كانت قد اعترفت بكل شيء أمام لانود.
وبحلول الغد ستتجه التحقيقات نحو الحقيقة.
لقد كانت مؤامرة كاملة دبرتها الليدي كاثرين.
وبعد ذلك سيغادر هذا المكان، فبالأمس فقط وصلته رسالة من الليدي بلانشيت. لقد قررت المجيء إلى ألفونس بنفسها.
وكانت الرسالة واضحة، هذه المرة سيغادرون نهائيًا.
يبدو أنهم توصلوا إلى علاج جديد لكن كاسيان سمع هذا الكلام من قبل، سبق أن تحدثوا عن علاج ثم انتهى الأمر بالفشل.
وكان يعلم أن أشخاصًا آخرين ماتوا أثناء التجارب السريرية التي أجريت من أجله وربما كانت هذه مجرد محاولة أخرى.
إذا غادر ألفونس الآن فهناك احتمال كبير ألا يعود إليها أبدًا فالدم الذي ظل يسعله ونظرات القلق في عيون أطبائه.
كلها كانت تقول شيئًا واحدًا، لم يتبق له الكثير من الوقت.
وحان وقت ترتيب أموره الأخيرة.
وعندما نظر إلى الأمر من جديد، بدا مضحكًا إلى حد السخرية.
هو راحل على أي حال.
فلماذا يفعل كل هذا من أجل فتاة تنظر إليه وكأنه شبح كلما رأته؟ يا له من أحمق.
في النهاية، كل ذلك البكاء والتوسل لم يكن على الأرجح سوى محاولة منها للعب دور الابنة البارة وكان هو مجرد أداة تستغلها.
وهو يعلم ذلك ومع ذلك أبعد تلك الحقيقة المزعجة عن ذهنه بالقوة.
فهي من النوع الذي لا يترك وراءه سوى مرارة ثقيلة.
وبينما كان كاسيان يستدير ليغادر أمسكت به يوريسييل فجأة.
كانت يدها النحيلة ترتجف بعنف.
وحين التفت إليها ببطء، رفعت رأسها ونظرت مباشرة إلى عينيه.
عيناه الحمراوان اللامعتان كالياقوت المصقول اخترقتاها بنظرة ثابتة ثم رفعت يوريسييل ذراعيها وأحاطت عنقه بهما وانتقلت رجفتها إليه عبر لمستها مباشرة.
ورغم أنها هي من بادرت، فإن عينيها كانتا مغمضتين بإحكام.
كادت جرأتها المرتبكة أن تنتزع ضحكة من كاسيان لكنه تركها تفعل ما تريد، أراد أن يرى إلى أي مدى ستصل.
ثم لامست شفتيه ضغطة خفيفة مرتجفة، ودخل إلى رئتيه نفسٌ حلو باهت أما شفتيها، وكأنها عضّتهما من شدة التوتر، فلم تبقيا سوى لحظة قصيرة قبل أن تبتعدا.
كانت لمسة صغيرة للغاية إلى درجة أنه لم يستطع الجزم إن كانت قبلة فعلًا أم مجرد حادث عابر.
أطلق كاسيان ضحكة خافتة مشوبة بالذهول ثم رفع يده الكبيرة ووضعها خلف رأسها وثبّتها في مكانها حتى لا تتمكن من الابتعاد مرة أخرى.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.