الفصل 45: 45
45
الفصل الخامس والأربعون
ابتلع لانود ريقه بصعوبة.
لم يكن السيّد الشاب يبدو كرجلٍ ظلّ فاقدًا للوعي ثلاثة أيام كاملة، بدا وكأنه كان يسمع كل ما يجري طوال الوقت.
وكما توقّع، لم يكن قرار إطلاق سراح يوريسييل نابعًا من رحمة أو عدالة فخلال الأيام الماضية، كانت الأرملة جين تتردّد على غرفة اللورد مرارًا وتكرارًا، تتوسّل إليه أن يفرج عن ابنتها.
واللورد، الذي كان يُبدي اهتمامًا بجين منذ زمن، لم يكن ليفوّت فرصة كهذه. في العادة، لا يحتاج نبيل إلى ذريعة كي يتخذ امرأةً من عامة الشعب خليلةً له. ومع ذلك، ولسببٍ ما، ظلّ ينتظر بصبر حتى تأتي إليه بإرادتها هي ولأن ضحية السرقة المزعومة كانت الليدي كاثرين، وهي امرأة لا تملك نفوذًا كبيرًا، لم يجد أي سبب للتردد وقد نال ما أراده أخيرًا بالأمس.
“لقد وافقت على أن تصبح خليلة اللورد. وبعد ثلاثة أيام، حين تنتهي من الاستعداد، ستُنقل إلى جناحه.”
اختار لانود كلماته بعناية، لكن تلك كانت ألطف صيغة استطاع أن يقدّم بها الحقيقة.
التوى وجه كاسيان باشمئزاز، كما لو أن شيئًا قذرًا قد لامسه ثم أطلق ضحكةً قصيرة خافتة.
كان ذلك التغيّر المفاجئ في تعابيره باعثًا على القلق.
أدار كاسيان كأس الماء بين أصابعه بكسل.
لقد أصبحت الأمور أكثر إثارةً مما توقّع ولم يعد بإمكانه الاكتفاء بالمراقبة من بعيد.
بعد صمتٍ طويل، أوقف دوران الكأس ورفع نظره إلى لانود، الذي كان يقف متصلّبًا من التوتر.
“أخبرها بكل شيء.”
رمش لانود في حيرة.
“عفوًا؟”
“كل ما تعرفه. لا تُخفِ عنها شيئًا.”
انعقد نفس لانود في حلقه.
هل يقصد حقًا كل شيء؟ هل كان عليه أن يخبر يوريسييل أن والدتها وافقت على أن تصبح خليلة اللورد فقط كي تخرجها من السجن؟ هل يجب أن يصل الأمر إلى هذا الحد؟
ومع ذلك، لم يكن أمامه سوى الإذعان فالأوامر أوامر.
“كما تأمر.”
انحنى بعمق قبل أن يغادر الغرفة على عجل.
أُغلق الباب خلفه بنقرةٍ خافتة، وعادت السكينة لتملأ المكان.
أسند كاسيان ظهره إلى لوح السرير وأغمض عينيه.
ثلاثة أيام، مرّت بالفعل ثلاثة أيام منذ سُجنت، ومنذ انهار هو. وربما لم تكن تعلم حتى الآن أنه ظلّ طريح الفراش طوال تلك المدة وبحلول هذا الوقت، لا بد أن ذلك الفتى ذو الشعر الفضي قد أدرك الحقيقة كاملة ومع ذلك لم يطأ السجن ولو مرة واحدة.
وكان ذلك، على الأقل، أمرًا مُرضيًا.
لا بد أن يوريسييل أدركت أخيرًا أن لا أحد سيأتي لإنقاذها.
وخلف جفنيه المغمضين، ظهرت صورتها.
وجهها الشاحب، توسّلاتها وهي تصرّ على براءتها ثم ذلك الاستسلام الذي ابتلعها في النهاية.
تخيّلها جالسةً على أرض زنزانتها الباردة، تبكي وحيدة.
فاستقرّ في صدره شعور مزعج، كشوكةٍ صغيرة انغرست تحت الجلد.
لماذا يزعجه الأمر؟ هل لأنه يعرف أنها لم تسرق شيئًا؟ أم لأن فكرة أن تُساق والدتها إلى أحضان اللورد بينما تتعذّب هي وحدها كانت تثير اشمئزازه؟
يا للسخرية.
ومنذ متى كان يهتم بالصواب والخطأ؟
إنه من آل بلانشيت، والعدالة ليست ترفًا يملك حق الاهتمام به.
لطالما وُجدت نساء انتهى بهن المطاف في فراش اللورد بالإكراه.
وخدم اتُّهموا ظلمًا ثم أُلقوا جانبًا.
حتى والده فعل ذلك مراتٍ لا تُحصى أما هو، الذي يجري في عروقه الدم ذاته، فلا يحق له أن يتظاهر بالنفور الآن.
هذه المرة لم تكن مختلفة، كان بإمكانه أن يوقف كل شيء وكان يستطيع حلّ الأمر بسهولة لكنه ترك الأحداث تتدحرج بهذا الشكل بأقسى صورة ممكنة وبأكثرها إذلالًا.
لقد كان الشرير دائمًا، وهذه الحقيقة لم تتغير قط.
في النهاية ستأتي إليه يوريسييل بقلبٍ محترق ورُوحٍ منهكة.
ستدرك أنه لا يوجد أحد غيره قادر على إخراجها من ذلك المكان البارد الكئيب، ستبكي، ستتعلّق به، وستتوسّل إليه أن ينقذها.
وحين يحدث ذلك سيأخذ ما يريده لا أكثر.
***
كانت الزنزانة باردةً ومظلمة، بلا خيط ضوء واحد.
جلست يوريسييل متكوّرةً وحدها، تحاول فهم السبب الذي جعل اللورد يغيّر رأيه فجأة لكن كلما فكّرت أكثر، ازداد عقلها غرقًا في الظلام وقبل أن يبتلعها الخوف تمامًا، دوّى صوت الحارس:
“لديكِ زائر.”
زائر؟
رمشت في ارتباك، غير متأكدة مما إذا كانت سمعت جيدًا. ولم تدرك أن الكلام موجّه إليها إلا حين سمعت وقع خطواتٍ تقترب.
اصطحبها الحراس مرة أخرى إلى غرفة الزيارات.
هل يمكن أن تكون أمها؟
لا، ذلك غير منطقي فقد زارتها قبل وقتٍ قصير.
إذًا من؟ هل يكون هايل؟
ولأول مرة منذ أيام، صدّقت فعلًا أن الزائر قد يكون هايل.
ولهذا السبب تحديدًا، تفاجأت حين خرجت ورأت لانود كبير الخدم واقفًا هناك.
ومع ذلك، تذكّرت ما قالته لها أمها، فأجبرت نفسها على الهدوء.
‘لا بد أنه جاء ليخبرني أنني سأُفرج عني قريبًا.’
لم تكن تعرف كيف حدث ذلك، لكنها ظنت أنه ربما يشرح لها الأمر إن سألته.
رغم أنها كانت تعلم أن لانود ليس من النوع الذي يشرح شيئًا.
ومع ذلك، لم يكن لديها ما تخسره.
“سمعت أن اللورد أصدر عفوًا عني. هل هذا صحيح؟”
“…نعم.”
أجاب لانود.
“سيُفرج عنكِ بعد ثلاثة أيام.”
بدا متعبًا كعادته لكن شيئًا ما كان مختلفًا. هذه المرة لم يستطع حتى النظر في عينيها وكأنه يقف أمام شخص لا يريد مواجهته.
كان في مظهره أثر خافت من الذنب، رغم أنه ظلّ جامدًا كما هو.
“هل تعرف لماذا قرر اللورد إطلاق سراحي؟”
وما إن طرحت السؤال حتى تخلّت عن أملها بالحصول على إجابة.
لكن، على غير المتوقع، أجاب.
“لقد توسلت إليه والدتكِ. ترجّته أن يطلق سراحكِ.”
كان استعداده لتقديم هذا القدر من التفاصيل أمرًا غير مألوف لكن يوريسييل بالكاد انتبهت لذلك.
فقد استحوذت فكرة واحدة على عقلها.
اللورد ليس رجلًا يرقّ قلبه لتوسلات خادمة، لم يكن هذا من طبعه أبدًا. لقد سمعت القصص، كان من النوع الذي يغوي الخادمات ثم يتخلّص منهن بلا تردد، خصوصًا إذا علمت زوجته بالأمر كما أنها لم تنسَ النظرة التي كان يرمق بها والدتها.
ذلك الظلام في عينيه لم يغب عنها قط.
“لا… هذا مستحيل.”
شحبت ملامحها وهي ترفع نظرها نحو لانود.
وبينما ظلّ يتجنب عينيها، تابع حديثه وكأنه يقرأ من نصٍ محفوظ.
“بعد ثلاثة أيام ستصبح الليدي جين خليلة اللورد.”
خليلة.
راحت الكلمة تتردد داخل رأسها مرارًا وتكرارًا.
هل سمعتها حقًا؟
وفجأة فهمت سبب عجز لانود عن النظر إليها.
وبصوتٍ أجش بالكاد خرج من حلقها، همست:
“خليلة…؟”
شعر لانود بالاختناق فإبلاغها بهذا الخبر بدا وكأنه يسكب الملح فوق جرحٍ مفتوح. وأن يقول ذلك لفتاةٍ في مثل عمرها جعله يشعر بسوءٍ أكبر لكن لم يكن بوسعه فعل شيء. السيّد الشاب أمره واللورد اتخذ قراره ولا أحد يستطيع تغيير ذلك.
“كان هذا هو الشرط.”
قال بهدوء.
“مقابل إطلاق سراحكِ.”
“عمّ تتحدث…؟”
أطبقت يوريسييل أصابعها على القضبان الحديدية بقوة حتى ابيضّت مفاصلها وراحت تهزها بعنف، فارتجّ الحديد محدثًا صوتًا مدويًا.
“لا أريد الخروج!”
صرخت.
“أخبر أمي بذلك! أخبرها أنها لا تحتاج إلى فعل هذا! أخبرها أنني لا أريدها أن تفعل ذلك بسببي! أرجوك فقط أخبرها!”
شعر لانود وكأنه هو المجرم هنا ولم يستطع أن يجيب لذلك استدار وغادر، لقد أدى المهمة التي جاء من أجلها ولم يكن هناك داعٍ لأن يبقى ليرى انهيارها وفوق ذلك، لم يكن يملك سلطة تحقيق طلبها أصلًا.
***
بعد مغادرة لانود، أعادها الحراس إلى زنزانتها وظلت تبكي طوال الطريق وفي النهاية، خارت قواها وأغمي عليها.
وعندما استعادت وعيها، كان الليل قد حلّ.
أخبرتها الأرضية الباردة تحتها أن ما حدث لم يكن حلمًا.
لقد مضى الوقت فعلًا.
سألت الحراس عن التاريخ فعرفت أن اليوم هو الأول من الشهر.
وهذه الليلة ستصبح والدتها خليلة اللورد.
“ليت كل هذا مجرد كابوس.”
بدا الأمر وكأن قوةً شريرة تعبث بحياتها عمدًا. تدفعها أعمق فأعمق نحو اليأس، لترى إلى أي مدى يمكنها السقوط.
فكرة أن تُدنّس والدتها فقط لإنقاذها جعلتها تتمنى الموت.
ألن يكون من الأفضل أن تنهي حياتها الآن؟
عندها لن تضطر أمها إلى تحمّل أي من هذا لكنها لم تستطع كان عليها أن تعيش لأن ترك والدتها وحدها سيكون خطيئةً أكبر.
شعرت وكأن إلهًا قاسيًا يجبرها على مشاهدة انهيار حياتها بعينيها، دون أن يسمح لها بإدارة وجهها بعيدًا.
حتى دموعها جفّت وكأنها هجرتها هي الأخرى.
اجتاحها الندم بلا رحمة.
لقاؤها بهايل، قبولها ذلك العمل من أجل أجرٍ أعلى بقليل، تورطها مع السيّد الشاب، كل شيء.
ثم حدث الأمر، دوى صوت ارتطامٍ عنيف، وانفتح الباب.
اندفع سيلٌ من الضوء الأبيض إلى داخل الزنزانة فأغمضت عينيها بقوة وسمعت وقع كعبين فوق الأرض الحجرية، يقترب أكثر فأكثر وعندما أُغلق الباب مجددًا وخفت الضوء، كان هناك شخص يقف أمامها، لم تصدق عينيها.
“السيّد… الشاب؟”
للحظة ظنت أنها تحلم لكن ما إن انقشع الظل وظهر وجهه بوضوح، حتى زال الشك.
كان كاسيان دي بلانشيت.
رغم الشائعات التي تحدثت عن انهياره، كان واقفًا أمامها بكامل هيبته بل وأكثر من ذلك كان يشعّ بسلطةٍ باردة.
في وقفته، وفي خطواته، وفي كل تفصيل منه.
تجلّت كرامة آل بلانشيت بوضوح.
أما تعبيره، فبقي غامضًا كعادته، ممتلئًا بالكبرياء والمسافة لكن عينيه كانتا مختلفتين هذه المرة ارتجفتا وامتلأتا بشيء واحد فقط.
‘يوريسييل.’
كانت أنحف، أكثر انكسارًا، كغصنٍ ملتوٍ جُرّد من أوراقه.
واشتعلت عينا كاسيان الحمراوان، متوهجتين كالجمر.
مسلطتين عليها وحدها.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.