مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 38: 38نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 38: 38

38

الفصل الثامن والثلاثون 

كانت الهدية عبارة عن دواءٍ منوِّم. 

وعندما أخبره كبير الخدم، لانود، أن السيد الشاب أرسله قلقًا على معاناته من الأرق، اشتعل غضب اللورد. 

ففي أوساط النبلاء، لم يكن إهداء دواء للنوم مجرّد لفتة لطيفة. 

بل كان إهانة رفيعة ومبطّنة. 

رسالة معناها: 

〘اذهب للنوم… إلى الأبد. 〙 

كان المغزى واضحًا، تحذيرًا متنكرًا في هيئة اهتمام. 

وكل ذلك بسبب أنه سمح لتلك الفتاة وأمها بالدخول إلى ضيعته. 

وكأن هذا لم يكن كافيًا، أصبح الآن مضطرًا لأن يمشي على أطراف أصابعه حول فتاة من عامة الشعب، يخشى حتى لمسها خشية أن يكون أحدهم يراقبه، كم كان الأمر سخيفًا. 

ومنذ ذلك الحين، حرص اللورد على الابتعاد تمامًا عن يوريسييل ووالدتها لكن طعم الإذلال المر ظل عالقًا في حلقه. 

والذكرى التي خلفتها الحادثة كانت تثير داخله خزيًا لا يهدأ. 

لولا ذلك الفتى لولا كاسيان لكانت الليدي جين قد أصبحت له بالفعل، يا لها من خسارة. 

ظل اللورد يردد لنفسه أن يتحلى بالصبر. 

فقط انتظر، لن يعيش كاسيان طويلًا على أي حال. 

وعندها ظهرت يوريسييل أمام ناظريه. كانت تتحرك بين الحشود ووجهها شاحب إلى حد بدا معه كالشبح. 

تشبه والدتها إلى حد مذهل. 

كل ما في الليدي جين من أناقة وجمال انعكس في ابنتها. 

امرأة كهذه ربما كانت ستُمدح لو أصبحت عشيقة لأحد النبلاء. 

لكنها الآن تقف هنا في مأدبة رسمية وسط نخبة الضيوف وأصحاب المكانة، لا بد أن كاسيان أحضرها ليهينه، لم يجد تفسيرًا آخر. 

لم يعد يعرف إن كان خطؤه الحقيقي هو قبول فتاة عامية كخادمة، أم السماح لذلك السيد الشاب الملعون بدخول ألفونس من الأساس. لقد تشابكت الأمور حتى باتت ميؤوسًا منها. 

ومع ذلك، ظل بصره معلقًا بكاسيان. 

***

لم تكن نظرات كاسيان تتنقل بين الحضور بل بقيت ثابتة في اتجاه واحد، عيناه الحمراوان كانتا معلقتين بالكامل بالفتاة ذات الشعر الأحمر. 

وريث آل بلانشيت واقف إلى جوار فتاة من عامة الشعب. 

لطالما راوده الشك، لكن رؤية الأمر بعينيه كانت شيئًا مختلفًا تمامًا، منذ بداية الحفل، كانت ملامح يوريسييل متوترة. 

وكلما اقترب منها كاسيان، ازداد جسدها تيبسًا. شق طريقه عبر الحشد بخطوات طويلة واثقة، متجهًا نحوها مباشرة. 

تلألأ شعره الذهبي تحت أضواء الثريات أما عيناه الحمراوان فبدتا كياقوتتين متوهجتين. 

حتى وسط قاعة رقص غارقة في البذخ، كان يبرز كأنه قطعة فاخرة نُحتت من الرفاهية ذاتها. 

لم يبدُ غريبًا بين التماثيل المتقنة المنتشرة في القاعة، كان أقرب إلى الكمال منها. وقبل أن تستوعب ما يحدث، كان قد وقف أمامها ومدّ ذراعه إليها. 

“إلى متى ستبقين واقفة هناك؟ أنتِ شريكتي هذه الليلة.” 

‘شريكتي؟’ 

كانت قد خمنت منذ اللحظة التي رأت فيها الفستان أنها ستضطر لمرافقته لكن سماع تلك الكلمة جعلها تتجمد في مكانها. 

كان يفترض أن تكون كلمة جميلة. 

راقية، وربما رومانسية لكنها حين خرجت من فم كاسيان بدت باردة على نحو غريب، كأنها فقدت كل دفئها. 

لم تستطع معرفة ما إذا كان يحاول استفزازها، أم أن شيئًا آخر يختبئ خلف تلك الملامح الهادئة أما ذراعه الممدودة، فلم يُبدِ أي نية لسحبها. 

حولهما، كان النبلاء الذين شق طريقه بينهم يتهامسون. 

كل الأنظار كانت مصوبة نحوها الآن. 

واستطاعت يوريسييل أن تتخيل نوع الأحاديث التي تدور عنها. 

لكن رفضه لم يكن خيارًا، وبجهد واضح، أمسكت بذراعه. 

اقترب كاسيان أكثر فقلّص المسافة بينهما. 

تسللت إلى أنفها رائحة باردة ونظيفة، تناسبه على نحو مثالي. 

وبدا الزمن وكأنه تباطأ. كل شيء من حولها أصبح ضبابيًا. 

وقبل أن تدرك ما يحدث، جذبها نحوه برفق. 

فالتصق جسدها بصدره، كان صدره ثابتًا، صلبًا، آمنًا. 

لكن قلبها كاد ينفجر من شدة الخفقان، وكأنها أنهت للتو سباقًا طويلًا أما كاسيان، فبقي هادئًا كما هو. 

وكأنها ليست أكثر من زينة يضيفها إلى مظهره. 

ورغم مرور كل هذا الوقت، لم تستطع التعود على ذلك الشعور. 

إحساس مهين وصامت استقر فوق كتفيها كعباءة ثقيلة. 

ومع ذلك، تبعت خطواته، تتحرك وفق إيقاعه. 

***

قادها كاسيان بهدوء من مجموعة نبلاء إلى أخرى. 

وفي كل مرة، كانت يوريسييل تنحني وتبتسم كما لو كانت دمية متقنة الصنع. ابتسامة نبيلة تدربت عليها مرارًا وتكرارًا. 

ابتسامة مصطنعة، مثالية، وخانقة. 

كان الفضول واضحًا في أعين الحاضرين، الجميع أراد معرفة العائلة التي تنتمي إليها لكن أحدًا لم يجرؤ على السؤال، ليس أمام كاسيان. 

ثم وصلا إلى رجل نبيل أنيق المظهر تقف إلى جواره شابة يافعة. 

ومع بداية التعارف، توقف نفس يوريسييل في حلقها. 

قال الرجل: 

“هذه ابنتي.” 

ثم قدم نفسه بصفته فيكونت فيلورد وأشار إلى الشابة الواقفة بجانبه، انحنت الفتاة بأناقة لا تشوبها شائبة. 

كل حركة فيها كانت مهذبة ومتقنة. 

بشرة ناصعة لم تمسسها الشمس، ووجه صافٍ كقطعة خزف مصقول، حينها فكرت يوريسييل: 

‘هكذا تبدو النبيلات الحقيقيات.’ 

ثم عرفت الفتاة بنفسها. 

“اسمي ريكي.” 

هبط قلب يوريسييل إلى القاع. 

لم يخطر ببالها يومًا أنها ستلتقي الابنة الحقيقية لآل فيلورد. 

الاسم الذي استعارت هويته، الشخص الوحيد الذي يعرف الحقيقة هو كاسيان، والحقيقة نفسها انكشفت بالفعل. 

ومع ذلك بدأت ساقاها ترتجفان. 

رمشت بسرعة محاولة استعادة تركيزها. 

كانت الكعوب العالية تضغط على قدميها بقسوة لكنها تحملت الألم. 

ابتسمت، وانحنت بأدب ثم حاولت الابتعاد. 

لم ترتكب ذنبًا الآن لكن الشعور بالذنب داخل صدرها رفض أن يتركها وشأنها. 

الوقوف أمام ريكي جعلها تشعر وكأنها ترتدي جلد شخص آخر. 

وحين حاولت المغادرة أوقفها كاسيان. 

حتى الهرب البسيط لم يسمح لها به. 

فتحت فمها لتقول شيئًا لكنها عضت شفتها السفلى والتزمت الصمت فحتى لو تكلمت، لم يكن من النوع الذي يصغي. 

خفضت رأسها مستسلمة. 

واستمرت الأحاديث حولها وكأنها غير موجودة. 

تبادلوا التحيات الرسمية. 

وأغدقوا المديح على آل بلانشيت وتحدثوا عن تاريخ الأسرة العريق 

وعن برامج المنح الدراسية وأعمالها الخيرية. كل ذلك كان مألوفًا لها فهي نفسها نسخت تلك السجلات عشرات المرات. 

ومن المؤكد أن كاسيان سمعها من قبل أيضًا. 

ومع ذلك، ظل واقفًا هناك يصغي بوجه لا يمكن قراءة ما وراءه 

دون أي رد فعل. 

***

كانت لا تزال ممسكة بذراعه. 

وسواء لاحظ كاسيان النظرات الفضولية التي كان النبلاء يرمقونهما بها، أم لم يلاحظها فإنه لم يُظهر أي اهتمام أو ربما لاحظها بالفعل. فهذا السيد الشاب المتعجرف كان دائمًا يعرف تمامًا ما يحدث حوله ويبدو أنه يستمتع بذلك أيضًا. 

وعندما رفعت يوريسييل رأسها نحوه، وجدته يبتسم. 

ابتسامة مليئة بالتسلية ثم تحولت تلك النظرة نحوها ببطء. 

نظرة رجل يستمتع بالمشهد ويعي تمامًا مقدار انزعاجها. 

وقبل أن تلتقي أعينهما، أدارت رأسها بسرعة. 

لم ترد له أن يرى ارتجافها خصوصًا هو لكنها لم تستطع إخفاء تسارع نبضاتها ومع التصاق ذراعيهما ، ربما كان يشعر بها أيضًا. 

وكان ذلك وحده كافيًا لإشعال الحرارة في وجنتيها أما كاسيان، فلم يهتم، أبقاها إلى جانبه وتعمد البقاء طويلًا. 

وبدا وكأنه أطال الوقوف عمدًا أمام ابنة آل فيلورد الحقيقية. 

كأنه يريدها أن تتأمل كل الأكاذيب التي عاشت بها. 

لم تستطع النظر إلى وجهه، شعرت وكأنه يستمتع بمشاهدتها تتعذب فشدت قبضتيها بقوة. 

***

وبعد أن تبدلت الموسيقى عدة مرات، اقترب أخيرًا لورد الضيعة. 

منذ وصولها إلى هذا القصر، رأت يوريسييل ذلك الرجل مرات عديدة. وفي كل مرة، كانت تلاحظ النظرات التي يرمق بها والدتها، الليدي جين، من الظلال، نظرات حادة ومقلقة. 

كان يملك السلطة المطلقة داخل هذه الضيعة. 

ومع ذلك، لم يفعل شيئًا حتى الآن. وهناك سبب واحد فقط يجعل صاحب السلطة يمتنع عن التصرف. 

‘أن يكون هناك من هو أقوى منه يراقبه.’ 

تذكرت كيف تفحصها بعينيه عند دخولها القاعة، وكأنها سلعة معروضة للبيع. أما الآن فلم يعد قادرًا حتى على النظر إليها مباشرة. 

والسبب الوحيد لذلك كان كاسيان. 

وقف اللورد أمام كاسيان دون أن يرفع رأسه، بل انحنى له. 

سلوك مختلف تمامًا عن السابق. 

كان رجلًا بغيضًا بلا شك لكن إظهار مشاعرها نحوه لن يفيدها بشيء ولذلك، وكعادتها، بدأت تخفض رأسها لترد التحية. 

لكن كاسيان أوقفها. 

شدد قبضته على ذراعها ومنعها من الانحناء فاضطرت إلى إبقاء رأسها مرفوعًا. 

احمر وجه اللورد من الغيظ. لابد أنه كان يفكر: 

“أتوجب عليّ الانحناء حتى أمام فتاة مثلها؟ “

لكن مع وجود كاسيان إلى جانبها، لم يكن قادرًا على قول شيء 

وحتى لو لم يكن واقفًا هناك الآن، فما دام مقيمًا في ألفونس، فلن يتغير الوضع. 

ابتلع اللورد كبرياءه وأجبر نفسه على الابتسام. 

في البداية، شعرت يوريسييل بعدم الارتياح لكنها بدأت تفهم شيئًا فشيئًا، مع وجود كاسيان إلى جوارها كانت تشعر بالحماية. 

كأن جدارًا سميكًا يفصل بينها وبين أولئك الذين اعتادوا احتقارها. 

الرجل الذي كان يوجه إليها الكلمات الجارحة ذات يوم… 

أصبح الآن أشبه بدرع يصد الآخرين عنها. 

وبعد تبادل بعض التحيات، حاول اللورد تجاوز الموقف المحرج. 

فراح يبالغ في مدح آل بلانشيت. 

وكرر ما قاله الآخرون من قبل، مضيفًا بعض المجاملات الجديدة. 

لكن بالنسبة ليوريسييل، بدا كل شيء متشابهًا. 

فقد نسخت هذه العبارات بنفسها من قبل. 

حتى قال فجأة: 

“آه، صحيح… من الرائع حقًا أن السيد الشاب يهتم بأمور زواج آل فيلورد.” 

كان قد ذكر الأمر أكثر من مرة لكن هذه المرة قاله أمام فيكونت فيلورد والجميع وكان هدفه واضحًا، إثارة شيء ما. 

تجاهله كاسيان. 

ورفع كأسه دون اكتراث قبل أن يجيب بهدوء: 

“بصفتي رئيس مؤسسة بلانشيت، أرى أن من واجبي تحمل المسؤولية الكاملة تجاه من يحملون اسم المؤسسة.” 

لم يكن يخاطب اللورد أصلًا بل كان ينظر إلى مكان آخر. 

إلى يوريسييل، ما كان يثير فضوله حقًا هو رد فعلها. 

أراد أن يرى وجهها عندما تكتشف هوية الشخص الذي خُطط ليتزوج ابنة فيلورد. 

مجرد تخيل تعبيرها في تلك اللحظة كان يبعث التسلية في نفسه أما الآن فهي لا تعرف شيئًا. تقف بجواره شاردة الذهن، تستمع إلى أحاديث الزواج وكأنها لا تخصها. 

حسنًا، فلتستمر في هذا الاعتقاد فلتظن أن القصة تخص شخصًا آخر، طالما بقيت هكذا بعيدة وغير مدركة لما يحدث فربما استطاع هو أيضًا أن يشعر ببعض الراحة. 

***

استمرت أحاديث النبلاء. 

وتحولت أصواتهم إلى طنين باهت في الخلفية. 

ثم دخل ضيف جديد إلى القاعة ولم يكن الأمر غريبًا. 

فلا يزال المزيد من الضيوف يصلون تباعًا. 

أدار كاسيان رأسه ببطء وتبعت يوريسييل نظرته. 

دخل الضيف إلى دائرة الضوء. 

وما إن رأت وجهه بوضوح تجمدت في مكانها. 

واحتبس نفسها في صدرها. 

‘هايل…؟’ 

لماذا هو هنا؟!

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.