مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 37: 37نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 37: 37

37

الفصل السابع والثلاثون 

استرعى انتباه يوريسييل فورًا ذلك الشعار المتقن المنحوت على الصندوق العتيق. 

كانت أحرف أنيقة، تشبه كتابات العصور القديمة، منقوشة على الغطاء، وفوقها يتألق شعار آل ليسيانسوس بتفاصيل دقيقة مبهرة. 

وما إن فتحت الصندوق حتى شهقت بخفوت. 

في الداخل، استقر فستان حريري مصاغ بإتقان، تزين أطرافها دانتيلات فاخرة، ورُصِّعت بأحجار كريمة دقيقة بدت كأنها خُلقت خصيصًا لها. 

عجزت يوريسييل عن إبعاد عينيها عنها. 

ففي حياتها كلها، لم ترَ فستانًا بهذا القدر من الجمال. 

ربما كان بالنسبة لفتيات النبلاء مجرد فستان آخر بين عشرات الفساتين في خزائنهن، أما في العالم الذي جاءت منه يوريسييل، فكان شيئًا يفوق حتى حدود خيالها. 

عندها ومضت في ذهنها ذكرى وجه كاسيان وهو يقول بلامبالاة: 

“ربما؟” 

كان قد قالها يوم افترضت بثقة أن الحفل لا علاقة له بها. 

والآن اتضح الأمر. منذ تلك اللحظة بالذات، كان كاسيان قد قرر بالفعل أن يصطحبها إلى الحفل لكن الدهشة والانبهار اللذين شعرت بهما في البداية تلاشيا سريعًا حتى النظر إلى الفستان كان يذكرها بكاسيان، ومجرد التفكير فيه كان كافيًا ليمنحها صداعًا. 

قد يبدو الأمر للآخرين أشبه بحلم؛ أن ترتدي ثوبًا أخاذًا وتحضر مأدبة فخمة وربما حسدوها على ذلك لكن الحقيقة كانت مختلفة تمامًا فارتداء ملابس النبلاء لا يجعل المرء نبيلًا. 

والوقوف بينهم لا يغير من حقيقته شيئًا بل على العكس، كان ذلك يجعلها تشعر بأنها أكثر اغترابًا من أي وقت مضى. 

هي لا تنتمي إلى هذا المكان، ليست نبيلة وليست خادمة حقيقية. 

مجرد شخص عالق بين العالمين، لا يجد موطئ قدم في أي منهما. 

هل ستصبح موضع سخرية مجددًا هذه الليلة؟ 

أحيانًا كانت تشعر وكأن كاسيان يهتم لأمرها. 

ثم لا يلبث أن يدفعها إلى مواقف مرهقة كهذه، فتعود لتشعر بأنها لم تغادر نقطة البداية أبدًا. 

لم تستطع يومًا فهم ما يدور في ذهنه حقًا. 

أطلقت زفرة خافتة، ثم ارتدت الفستان بحذر. 

سواء أعجبها الأمر أم لا، لم يكن أمامها مهرب من حضور الحفل هذه الليلة. ولحسن الحظ، جاء الفستان بمقاس مثالي. 

لم يحتج إلى أي تعديل. 

غالبًا كان الأمر من تدبير المشرف الإداري نفسه، ذلك الذي بالغ سابقًا في الاهتمام بتفاصيل زيّها الخدمي. 

وعندما وقفت أمام المرآة ورأت انعكاسها كاملاً، ازداد خوفها من الليلة المقبلة. 

من سيحضر؟ وهل ستعرف أحدًا هناك؟ 

بالطبع لا. 

فهي لم تتخيل يومًا أنها ستحضر مأدبة كهذه، فضلًا عن أن ترتدي فستانًا كهذا، لذا لم تهتم أصلًا بمعرفة المدعوين. 

لكنها كانت مأدبة تُقام في ضيعة أحد كبار اللوردات ومن الطبيعي أن يحضرها أصحاب النفوذ والنسب الرفيع. 

نبلاء من المقاطعات المجاورة وربما لوردات من مدن أخرى. 

أشخاص لن تسنح لها فرصة الحديث معهم في حياتها العادية. 

وعلى الأرجح، لن تراهم مجددًا بعد هذه الليلة. 

كان يفترض أن تمنحها هذه الفكرة بعض الطمأنينة. 

لكن صدرها ظل مشدودًا كالمشدّ الذي يطوق خصرها. 

الطقس الجميل، والفصل الهادئ لم يعد لأي من ذلك معنى. 

كانت تشعر وكأنها تجلس في عين عاصفة. 

كل شيء هادئ الآن، لكن الفوضى تحيط بها من كل جانب، مستعدة للانقضاض في أي لحظة. 

خطوة واحدة خاطئة وقد ينهار كل شيء. 

***

حلّ الليل، كما يفعل دائمًا وكما وصلت هي أيضًا. 

أسفل الدرج الكبير، كانت فرقة أوركسترا فخمة تنتظر، بدا واضحًا أنها استُقدمت خصيصًا لهذه الأمسية. 

هبط كاسيان الدرج ببطء، مصغيًا إلى الموسيقى التي أعلنت افتتاح المأدبة لكن عند الدرجة الأخيرة، توقف. 

فقد لمح يوريسييل تقترب من الجهة المقابلة. 

انسدل شعرها الأحمر الطويل خلفها، كاشفًا عن عنقها الأبيض الناعم، وتحت ذلك اكتملت الصورة بخطوط الفستان الأنيقة. 

حتى من دون تاج أو حُليّ، كانت تتفوق إشراقًا على جميع الحاضرات. تألقت بجمال طبيعي رشيق، يفوق في رونقه النبيلات المثقلات بالمجوهرات والثروة. 

منذ أن أمر بإرسال الفستان إليها، كان كاسيان يتخيل بين الحين والآخر كيف ستبدو وهي ترتديه وفي كل مرة، كان يتصورها فاتنة ومشرقة والآن، وهي تقف أمامه، كانت تمامًا كما تخيل وأكثر. 

حتى عندما كانت ترتدي زي الخادمات البسيط، كانت تجذب نظره باستمرار. 

فكيف لا تكون بهذه الروعة وهي ترتدي ثوبًا حقيقيًا؟ 

ولم يكن هو وحده من لاحظ ذلك فقد تحولت أنظار القاعة بأكملها نحوها. 

ضيّق كاسيان عينيه قليلًا ثم نزل الدرجة الأخيرة وتقدم نحو مركز القاعة، معلنًا حضوره. 

وبشكل طبيعي، انتقلت جميع الأنظار من يوريسييل إليه. 

مهما كانت لافتة للنظر، لم يكن أحد قادرًا على منافسة وريث آل بلانشيت حتى الأوركسترا نفسها توقفت للحظة قصيرة عند ظهوره، قبل أن تستأنف العزف مجددًا. 

راقبه الضيوف بصمت وهم يطأطئون رؤوسهم أثناء مروره. 

حتى لورد برونز، الذي لم يحنِ رأسه لأحد من قبل، ولورد ألفونس وسائر اللوردات المجاورين، تبادلوا النظرات المضطربة تحت وطأة حضوره. 

“ألم يُشع أنه يحتضر؟” 

“لو لم يكن كذلك، لما أقام وريث بلانشيت في مكان مثل ألفونس أصلًا.” 

“لا يبدو مريضًا إطلاقًا.” 

“التقيت بعينيه منذ قليل… وشعرت وكأن الدم تجمد في عروقي.” 

انتشرت الهمسات في أنحاء القاعة. 

كان النبلاء يتوقعون شابًا مدللًا نشأ في كنف الرفاهية. 

لكنهم وجدوا أنفسهم أمام هالة ضاغطة تكاد تخنق الأنفاس. 

ومع ذلك، لم يرغب أحد في تفويت فرصة الاقتراب منه. 

فبدأوا يتجمعون حوله بابتسامات مهذبة، آملين في تبادل بضع كلمات مع وريث بلانشيت. وسرعان ما أحاط به النبلاء من كل جانب، مشكلين دائرة مثالية حوله. 

***

في الطرف الآخر من القاعة، عقد لورد ألفونس حاجبيه بامتعاض. 

لم يكن هذا ما أراده، لقد استضاف كاسيان أملاً في بناء صلة مع آل بلانشيت، وربما تحقيق مكسب سياسي أو فتح طريق نحو البلاط المركزي لكن دوق بلانشيت لم يرسل أي رسالة. 

لم يرسل سوى المال وكأنه يعلن بوضوح أنهم لا يدينون له بشيء. 

كان المبلغ سخيًا بلا شك لكن بالنسبة لرجل التهمه الطمع، لم يكن كافيًا أبدًا والأسوأ من ذلك، أن وريث بلانشيت أصدر أمرًا غريبًا بترتيب لقاء زواج له. 

مع ابنة آل فيلورد تحديدًا؟ 

في تلك اللحظة فقط، أدرك لورد ألفونس الحقيقة. 

لقد عرف كاسيان، عرف أن يوريسييل ليست ابنة آل فيلورد. 

“اللعنة…” 

تمتم من بين أسنانه. 

لقد كان مهملاً، افترض أن الوريث سيتخلص من تلك الفتاة قريبًا، فتركها تعيش في الضيعة بلا اكتراث. 

أما الآن، فقد عاد ذلك الخطأ ليدمره. ما بدأ كخطة جشعة لتحقيق مكاسب، تحول إلى طريق يقوده نحو الهلاك. 

في البداية، عندما اكتشف الأمر، خطرت له فكرة جريئة. 

‘ألن تُحل المشكلة كلها إذا قتلت الوريث؟’ 

فالفتى يحتضر أصلًا ولن يكون موته أمرًا مستغربًا. 

كل ما في الأمر أنه سيموت أبكر بقليل والميت لا يفشي الأسرار. 

ولو مات كاسيان، فستُدفن معه الكذبة كلها. 

الكذبة التي خدع بها آل بلانشيت لكن قتل كاسيان لم يكن خيارًا واقعيًا فآل بلانشيت ليسوا أسرة ضعيفة. 

كانت غرفته محروسة بفرسان يتحركون كالظلال. 

لا أحد يدخل أو يخرج دون علمهم ومحاولة اغتيال الوريث دون أن يُكشف أمره كانت أقرب إلى الانتحار. 

بعد ليالٍ طويلة بلا نوم، تخلى عن الفكرة. 

وقرر بدلًا من ذلك استرضاء كاسيان. وخلال الأيام الماضية، بدا وريث بلانشيت وكأنه مستعد لتجاوز الأمر. 

خصوصًا بعدما لفتت يوريسييل انتباهه بالكامل. 

لذلك تنفس لورد ألفونس الصعداء، متظاهرًا بعدم ملاحظته أن كاسيان يعرف الحقيقة بالفعل. 

ظن أن الأمر سينتهي بهدوء لكن الأوامر بدأت تتوالى. 

لم يكن ترتيب لقاءات بين الشباب النبلاء كافيًا بل أراد إقامة مأدبة ضخمة أيضًا. 

وأصبح اللورد عاجزًا عن إخفاء ضيقه المتزايد. 

منذ متى يهتم شخص مثله بقصص الحب التافهة للآخرين؟ 

كان الأمر واضحًا، ذلك لم يكن طلبًا بل تهديدًا مقنعًا. 

كاسيان يعلن أنه يعرف الحقيقة، يعرف أن الفتاة ليست من آل فيلورد، ويذكره بذلك بأكثر الطرق إذلالًا. 

“ذلك الوغد الصغير الذي لم يجف حليب أمه بعد… يجرني من المقود كما يشاء…” 

حطم اللورد أثاث غرفته غضبًا لكن شيئًا لم يتغير ففي النهاية، لم يكن أمامه سوى الانصياع. 

اسم بلانشيت وحده كان كافيًا لسحقه. ومع انكشاف زيف هوية يوريسييل، لم يبق له سوى التمسك برحمة كاسيان. 

ولهذا السبب، نفّذ اقتراح الوريث مرة أخرى، وكأنه فكرته الخاصة حتى وهو يعلم كم سيكلفه تنظيم مأدبة حقيقية. 

كانت أوضاعه المالية سيئة أصلًا. 

فالمحصول الضعيف أفسد ميزانية العام، والمشكلات المالية تنهش كل شيء ومع ذلك مضى في التنفيذ. 

لكن كاسيان لم يكتفِ بذلك، في ليلة بهذه الأهمية، أدخل تلك الفتاة ذات الأصل المتواضع إلى قاعة الرقص ولم يُدخلها بصمت حتى بل ألبسها ما جعلها نجمة الأمسية بأكملها. 

كانت جميلة أصلًا أما الآن، فقد أصبحت أكثر لفتًا للأنظار، وكأن الحفل كله يدور حولها. ربما لهذا السبب كان وريث بلانشيت المتغطرس يحتفظ بها إلى جواره دائمًا. 

جعلته الفكرة يضغط على أسنانه غيظًا. 

لكنها، بطريقة ما، كانت مصدر راحة أيضًا. 

فلو لم تكن تلك الفتاة قد نالت إعجاب كاسيان لكان عقاب خداع آل بلانشيت قد حلّ به منذ زمن. 

وأثناء مراقبته ليوريسييل، خطرت له جين. 

قيل إنها تهدر جمالها بالعيش وحيدة بلا زوج. 

يا للخسارة، قبل أيام قليلة فقط، وقبيل الفجر، صادفها في ممر هادئ داخل الحديقة. لم يكن هناك أحد سواهما وحين اقترب منها، بدت مذعورة. 

تحت ضوء القمر، كانت فاتنة بشكل يخطف الأنفاس. 

وجمالها أغراه حتى إنه وجد نفسه يتساءل أي نعومة تخفيها تلك الثياب ومع تزايد الإغراء، خطا نحوها. 

شحب وجه جين وتجمدت في مكانها خوفًا ثم سمع خلفه صوت سخرية خافتة، استدار فوجد كاسيان واقفًا هناك. 

ملامحه باردة، وعيناه الحادتان تلمعان بخطر، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة ساخرة. 

في تلك الليلة، عاد اللورد إلى غرفته هاربًا، دون أن يدرك حتى ما الذي يفعله ومنذ أن أدرك أن كاسيان يمسك بخناقه، أصبح الفتى شيئًا آخر تمامًا. 

مرعبًا لكن بطريقة هادئة ومنضبطة. 

وبالطبع، ظل يقنع نفسه بأن كل ذلك مجرد أوهام. 

فقضى اليوم التالي يلعن كاسيان في سرّه، محاولًا طرد ذلك الشعور المزعج لكن وكأن القدر أراد تذكيره مرة أخرى وصلت إليه هدية. 

وكان اسم واحد فقط مطرزًا بعناية على الصندوق. 

كاسيان دي بلانشيت.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.