مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 36: 36نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 36: 36

36

الفصل السادس والثلاثون 

“أنتِ تعلمين أنني لم أقصد ذلك.” 

تحدثت يوريسييل بصوت واضح، هادئ لكنه حازم، وهي تنظر إلى وجه هايل المصدوم. 

“أنا ممتنة لك حقًا… لكنني آسفة يا هايل.” 

وما إن أنهت كلماتها حتى استدارت مسرعة إلى داخل المبنى، كأنها تهرب منه. ولم تجلس إلا بعد أن اختفى عن ناظريها تمامًا. خارت قواها فجأة، فسقطت على أقرب مقعد، بينما تعالت أنفاسها المضطربة وهبطت وهي تستعيد ما جرى قبل قليل مرارًا وتكرارًا. 

سؤالها له عمّا إذا كان قد باع بريت كان سؤالًا اندفاعيًا. فقد أمضت أيامًا طويلة تقنع نفسها بأنه لا يمكن أن يفعل شيئًا كهذا 

لكنها تذكرت ارتجاف جسده، والثقل الذي خيّم على عينيه، وذلك الشيء الآخر الذي لم تستطع وصفه. 

لقد أنكر هايل الأمر لكن مهما استطاع الإنسان أن يكذب بالكلمات، فلن يتمكن من إخفاء ردود أفعاله الغريزية. 

تلك الحركات الصغيرة اللاإرادية كانت كافية لتكشف الحقيقة. 

على الأرجح كان هايل قد باع بريت فعلًا واستخدم المال لشراء دواء والدتها. 

كانت تعرف ذلك في أعماقها منذ البداية، لكنها استمرت في إنكار الحقيقة حتى هذه اللحظة. 

فمن أين له أصلًا بمبلغٍ ضخم كهذا ليقدم لها ذلك الدواء؟ 

لقد تساءلت عن الأمر مرارًا، لكن في كل مرة كانت تدفع الفكرة بعيدًا وتتظاهر بالجهل. 

فقط كي تحافظ على راحة ضميرها لكنها لم تستطع الهرب من الحقيقة إلى الأبد ولهذا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه الآن. 

ما زالت تتذكر عيني هايل الممتلئتين بالدموع وهو يسألها لماذا لا تقبل مساعدته، وكأنه يتساءل إن كانت تراه شخصًا عديم القيمة إلى هذا الحد ومع ذلك لم تستطع قبوله. 

لا، بل لم يكن بوسعها أن تقبله أصلًا. 

كانت لا تزال تتذكر همسات الليدي كاثرين والنساء اللواتي يدرن في فلك آل ألفونس، ونظراتهن وهي تتبعها من بعيد. 

لو قبلت ذلك الدواء ألن يجعلها ذلك بالضبط الشخص الذي يتهمونها بأنها عليه؟ الشخص الذي باع بريت. 

صحيح أن الحقيقة مختلفة، لكن أعين الآخرين لن ترى سوى ذلك. 

ربما لو لم تكن تعرف شيئًا لما كان الأمر بهذه الصعوبة. 

لكنها الآن تعرف كل شيء. 

الشيء الوحيد الذي لم تفعله هو سماع اعترافه منه مباشرة. 

غير أن تجاهل الحقيقة لا يجعلها تختفي. 

وفي النهاية، كانت هي نفسها من أخبر هايل عن حالة والدتها وحاجتها إلى الدواء، لا سبيل لإنكار ذلك. 

لم تكن تقصد شيئًا من وراء كلامها، وهايل تصرف بدافع النية الحسنة، لكنها تعلم جيدًا أن العالم لا يهتم بالنوايا. 

لقد سرق هايل بسببها، وسيُنظر إليها على أنها من دفعه إلى ذلك. 

وفي النهاية، سيقول الجميع إنها هي اللصة الحقيقية ولن يصدق أحد في قصر ألفونس فتاة مثلها حتى لو حاول هايل حمايتها حتى لو جرح نفسه وأهلكها ليبرهن على براءتها فلن يتغير شيء. 

ثم إنها لم تكن تريد نتيجة كهذه أصلًا. فعندما يكرر عدد كافٍ من الناس الكذبة نفسها، تتحول إلى حقيقة في نظر الجميع. 

وفي النهاية، ستترك تلك الشائعات ندوبًا عميقة في قلبها وقلب والدتها. ولم يكن ذلك كل شيء، ماذا سيحدث لعلاقتها بهايل؟ 

حتى الرابط الهش الذي تمسكا به بصعوبة سيتحطم تمامًا. 

ومع ذلك لقد أعادت المال، عسى أن تعود الأمور الآن إلى ما كانت عليه. 

لقد عادت بريت، واستعاد هايل المال، ولم يعد هناك ما يستحق التساؤل ولم تعد مضطرة لحمل هذا الشعور بالذنب. 

كانت فقط سعيدة لأنها استطاعت رد ثمن الدواء. 

منذ مجيئها إلى هذا القصر، بدأت يوريسييل تكتسب أشياء تريد حمايتها. مقارنةً بماضيها، حين كانت مضطرة لقبول كل ما يُفرض عليها، بات لديها الآن شيء صغير يمكنها التمسك به. 

كرامتها، ولهذا حان الوقت لتعود إلى مكانها الحقيقي. 

إلى السيد الشاب، الشخص الذي منحها سببًا لتتمسك بذلك القدر الضئيل من الكبرياء. 

هدأت أنفاسها المرتجفة، واجتاح عقلها منطق بارد أعاد ترتيب أفكارها، ونهضت وبدأت تسير عبر الممر. 

وبينما كانت خطواتها تتردد بهدوء، توقفت فجأة واستندت إلى الجدار، كان هايل لا يزال في الرواق، يتجول وكأنه يبحث عنها. 

ظل هناك لبعض الوقت، قبل أن يقترب منه أحد الحراس ويقوده بعيدًا. 

ما زالت ترى الدموع العالقة في عينيه بوضوح. 

كانت الصورة حية في ذاكرتها. 

وشعرت بالارتياح. 

ارتياح لأنها لن تضطر إلى مواجهته مجددًا اليوم. 

لأنها كانت متأكدة أنه لو التقت عيناها بعينيه مرة أخرى، لأخبرته بالحقيقة. بأنها تعرف كل شيء بالفعل. 

***

في صباح اليوم التالي، بدأت يوريسييل يومها كالمعتاد بنسخ المخطوطات ومع كل سطر تنقله بعناية إلى الورق، كانت تفرغ ذهنها تدريجيًا من الأفكار المزعجة. 

رغم ذلك، ظلت أحداث الأمس عالقة في أعماقها. 

كان وجه هايل الغارق بالدموع يعود إليها بوضوح مؤلم لكنها أبعدت تلك الذكريات جانبًا. 

جلست باستقامة مثالية، وواصلت النسخ بخط ثابت وأنيق. 

وفي مرحلة ما، انتقلت الصفحات من قسم الدبلوماسية الذي ألّفته كاليبسي إلى فصول الاستراتيجيات الحربية التي كتبها كاي. 

عندها تمامًا، دوّى طرق خفيف على الباب. 

‘من يكون في مثل هذا الوقت؟’ 

وكعادتها، كانت قد استيقظت مبكرًا جدًا. ولا يزال هناك متسع من الوقت قبل موعد الإفطار مع السيد الشاب. 

ومنذ طرد الخادمة ذات الشعر البني، أصبحت بقية الخادمات يتجنبن الاقتراب منها خوفًا. ولم يعد يزورها سوى الخادمة المكلفة بوجبات والدتها، والتي كانت تصل دائمًا في وقتها المحدد. 

بدافع الفضول، فتحت يوريسييل الباب. 

فوجدت أمامها كبير الخدم، لانود. 

كان يعدّل نظارته الأحادية بينما يحمل صندوقًا في إحدى يديه. 

ثم ناولها إياه مباشرة، أخذته وهي تنظر إليه بحيرة واضحة أما لانود فكان يكبت استياءه بصعوبة. 

فهو لم يفهم أبدًا لماذا أمره السيد الشاب بتسليم شيء كهذا في وقت مبكر من الصباح، خصوصًا في يوم بلغت فيه الاستعدادات لمأدبة المساء ذروتها لكن الفتاة أمامه كانت منشغلة بالكامل بالصندوق بين يديها. 

قلبته أكثر من مرة، والارتباك واضح على وجهها. 

تنهد لانود في داخله، ثم قال أخيرًا: 

“أنتِ تعلمين أن مأدبة ستُقام في القصر هذا المساء، أليس كذلك؟” 

عندها فقط بدأت تفهم سبب حضوره شخصيًا. 

تذكرت حالة الانشغال التي سيطرت على القصر خلال الأيام الماضية. وكان واضحًا من ذلك وحده مقدار الجهد الذي يبذله اللورد والليدي كاثرين استعدادًا لهذه المناسبة. 

كما تذكرت أن السيد الشاب نفسه ذكر أمر المأدبة أمامها. 

والآن، بعد التفكير في الأمر، بدا وكأنه كان يلمح إلى شيء منذ ذلك الوقت. 

سواء كانت الفكرة من السيد الشاب أو من اللورد، فمن المستبعد أن تكون فتاة مثلها موضع ترحيب في مناسبة بهذه الأهمية. 

فهي لا تملك منصبًا رسميًا بين الخدم ولا تُعد ضيفة كذلك. 

ليست سوى شخص سمح له السيد الشاب بالبقاء إلى جواره. 

ولو ارتكبت أصغر خطأ أثناء المأدبة، فسوف ينعكس ذلك مباشرة على سمعة القصر. لذلك افترضت أن لانود جاء ليطلب منها البقاء بهدوء في غرفتها طوال اليوم. وكان ذلك استنتاجًا منطقيًا. 

فالمآدب النبيلة لا تُقام للمتعة وحدها، بل لاستعراض النفوذ وبناء العلاقات. وكل تفصيل فيها يُرتب بعناية لذا كانت تتوقع أصلًا أن يُطلب منها الابتعاد عن الأنظار. 

ولو كان الأمر كذلك فسيكون ذلك بمثابة نعمة. 

يوم كامل بعيدًا عن حضور السيد الشاب الخانق، تقضيه في نسخ المخطوطات بسلام، راحة تستحقها بحق. 

لكن ما علاقة هذا الزي بالأمر؟ 

جاءها الجواب مع كلمات لانود التالية. 

“ستحضرين المأدبة هذا المساء.” 

“ماذا؟ أنا… عفوًا؟” 

تحضر المأدبة؟ 

لم تمنح نفسها حتى فرصة كاملة للتعبير عن صدمتها قبل أن تتضح الصورة في ذهنها. 

إذًا… كان السيد الشاب يخطط لهذا منذ البداية. 

منذ اللحظة التي ذكر فيها المأدبة أمامها. 

كم كانت ساذجة. 

كيف ظنت أن السيد الشاب سيحضر مناسبة كهذه دون أن يصطحب أحدًا معه؟ 

كان من المعتاد أن يرافق النبلاء خدمهم الشخصيون وخاصة شخصًا مثله، متكبرًا، صعب الإرضاء، ومتطلبًا إلى أبعد الحدود. 

لم يكن من الممكن أن يظهر وحيدًا. 

وحتى لو لم ترغب في الذهاب، لم يكن بوسعها رفض أمر مباشر. 

“ما الذي يجب عليّ فعله للاستعداد؟” 

أشار لانود، الذي بدا مرهقًا كعادته، إلى الصندوق بين يديها. 

كان ملفوفًا بشريط أنيق ويشبه هدايا المتاجر الفاخرة. 

من النوع الذي تتلقاه الشابات النبيلات من أشهر دور الأزياء. 

ورغم حجمه، كان خفيفًا بصورة مدهشة. 

قال لانود: 

“ارتدي ما بداخله الليلة.” 

رفعت يوريسييل رأسها نحوه، وعيناها متسعتان من الدهشة. 

وأضاف بحزم: 

“إنه أمر من السيد الشاب.” 

كان أسلوبه مهذبًا، لكنه لم يكن الطريقة التي يُخاطب بها النبلاء عادة بل كان في منطقة رمادية بين الاحترام الرسمي والتعامل العملي ثم سلّمها دعوة المأدبة الرسمية. 

واستدار مغادرًا بسرعة، وكأن مهمته انتهت عند هذا الحد. 

“مأدبة…؟” 

حدقت يوريسييل في بطاقة الدعوة بعدم تصديق. 

فهي لم تحضر مأدبة واحدة طوال حياتها. 

وكان ذلك طبيعيًا، فكعامة الناس، لم يكن لديها أي سبب يدعو أحد النبلاء إلى دعوتها. 

لكن هذا لا يعني أن الاحتفالات كانت حكرًا على النبلاء. 

فالليدي كاثرين، والدة هايل البيولوجية، كانت تعقد تجمعات خاصة بها باستمرار. كانت تدعو النبيلات المقربات منها والمواليات لعائلة ألفونس وفي كل مرة يحقق فيها هايل إنجازًا، كانت تقيم احتفالًا أكبر من السابق. 

عندما احتل المركز الأول في أكاديمية ألفونس، وعندما اختارته مؤسسة المنح الدراسية، وعندما انتقل إلى المدرسة المرموقة في العاصمة. في كل مرة، كانت تقام احتفالات ضخمة لكن تلك المناسبات لا يمكن مقارنتها بالمأدبة المقامة في قصر اللورد. بل إن حفلات الليدي كاثرين بالكاد تُعد مآدب إذا ما وُضعت بجانبها. ولم يؤدِ ذلك إلا إلى زيادة توتر يوريسييل. 

فهي لم تحضر حتى تجمعات الليدي كاثرين الصغيرة. 

والآن يُطلب منها حضور مأدبة رسمية يستضيفها اللورد بنفسه. 

كان الأمر أشبه بصاعقة هبطت فوق رأسها. 

لكن ما الخيار المتاح أمامها؟ 

لقد صدر الأمر بالفعل. 

مررت يوريسييل أصابعها برفق فوق سطح الدعوة اللامع. 

كانت فخمة أكثر مما ينبغي بالنسبة لشخص مثلها ثم تشددت ملامحها تدريجيًا بعزيمة هادئة. 

كل ما عليها فعله هو الوقوف بجانب السيد الشاب وخدمته بصمت، كظل لا يُرى. لا ينبغي أن يكون ذلك صعبًا. 

على الأقل هذا ما كانت تؤمن به. 

حتى فتحت الصندوق، ورأت الفستان الذي بداخله.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.