مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 35: 35نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 35: 35

35

الفصل الخامس والثلاثون 

بدت ملامح كاسيان الهادئة وكأنها صُمِّمت خصيصًا لتثبت ليوريسييل أن كل ما خطر ببالها لم يكن سوى أوهام نسجها خيالها. 

انخفض بصره ببطء نحو شفتيها. 

كان تركيزه عليهما ثابتًا ومتمهلًا إلى درجة جعلتها تكاد تشعر بثقل نظرته الباردة تستقر فوق بشرتها. 

لم يلمسها، ومع ذلك عادت إلى ذهنها ذكرى احتكاك أصابعه بشفتيها، واضحةً وحقيقية، تبعث في جسدها قشعريرة باردة. 

هل سيُصرّ اليوم أيضًا على إمساك القلم معها؟ 

لو اقتصر الأمر على ذلك فقط، لربما استطاعت تحمّله لكن شيئًا غير متوقع لامس أذنها. 

“سيُقام حفل في القصر قريبًا.” 

كان الكلام مفاجئًا وغير مرتبط بأي شيء، حتى إنها كادت تضحك من غرابته. 

“حفل…؟” 

“ألم تعلمي؟ الجميع في القصر يعيشون حالة فوضى استعدادًا له.” 

استعادت يوريسييل في ذاكرتها انشغال الخدم خلال الأيام الماضية. وتذكرت الزينة البراقة والديكورات المبالغ في فخامتها التي كانت تُنقل إلى الداخل باستمرار. كانت تظن أن الأمر مجرد تغيير موسمي. إذًا، كان كل ذلك استعدادًا للحفل. ولم يكن الأمر غريبًا فمثل هذه المناسبات كانت شائعة في بيت اللورد. ومع ذلك، لم تجد سببًا للاهتمام. فالأمر لا يخصها من قريب أو بعيد. 

“فهمت. لا علاقة لي بذلك.” 

وضع كاسيان فنجان الشاي برفق، ثم نظر إليها وقال: 

“هل أنتِ متأكدة من ذلك؟” 

أثارها ذلك الابتسام الخافت الذي ارتسم على زاوية شفتيه. 

فهو دائمًا ما كان يبتسم بهذه الطريقة قبل أن يصدر أمرًا مرهقًا أو يقول شيئًا قاسيًا. 

تصلبت كتفاها، وتجمد جسدها للحظة قبل أن تتمكن من استعادة هدوئها لكنّه لم يبدُ وكأنه يقصد شيئًا محددًا. 

ربما كان مهتمًا بالحفل فحسب وذلك بحد ذاته كان مفاجئًا. 

فبسبب طباعه الحساسة والمتطلبة، كانت تظنه يكره التجمعات الصاخبة. 

بعد ذلك لم يقل كاسيان شيئًا آخر.، جلس بصمت حتى انقضى الوقت، كان ذلك الصمت خانقًا، لكنه بالنسبة ليوريسييل كان مصدر راحة. فقد كانت مذعورة من احتمال أن يعيد فتح موضوع هايل أو يتصرف بخصوصه. 

ورغم أن سؤاله الغامض: «هل أنتِ متأكدة؟»، والعبوس الخفيف الذي لم يفارق وجهه، أثارا قلقها، إلا أنها أقنعت نفسها بأنها تبالغ في التفكير، لا بد أن الحفل وحده هو ما يشغل باله. 

وعندما نظرت إليه للمرة الأخيرة، كانت ابتسامة باهتة ترتسم على وجهه أما الغضب الذي ظهر عليه قبل قليل، حين انسكب الشاي وقطّب حاجبيه بانزعاج، فقد اختفى تمامًا. 

***

في وقت لاحق من ذلك المساء، غادر كاسيان العريشة وعاد إلى مكانه المعتاد. كان الطقس هادئًا وصافيًا على نحو يذكّر بالسكون الذي يسبق العاصفة ومن خلال النافذة، لمح يوريسييل. 

بدت أكثر ارتياحًا الآن بعد أن ابتعدت عنه. 

وكان شعرها الأحمر يلفت الأنظار حتى من تلك المسافة البعيدة. 

تلألأ تحت الضوء، كأنه وهج شمس الغروب، حتى بدا وكأنه جزء لا يتجزأ من المشهد من حولها، ضروريّ ولا يمكن الاستغناء عنه. 

وما إن خرجت من دائرة مراقبته، حتى اتجهت مباشرة إلى ذلك الفتى ذو الشعر الفضي. 

ظلّت نظرات كاسيان ثابتة لا تتحرك. 

وأمامه كانت لوحة قماشية مغمورة بدرجات الأحمر، كأنها عالم يحترق تعكس الفراغ القابع في عينيه. 

كانت اللوحة موضوعة مقابل الصورة التي رسمتها له يوريسييل. 

لوحته هو، اللوحة التي رسمها بعدما فكر فيها. 

تذكر كيف عبست عندما رأتها، وكأنها تنظر إلى شيء لا ترغب في رؤيته. يومها ضحك متجاهلًا الأمر أما الآن فقد فهم. فما اعتبره هو بحرًا جميلًا تحت غروب أحمر، رأته هي بحرًا من الدماء. 

***

كان هايل يقف تحت ضوء الشمس، يواجه يوريسييل مجددًا بعد أيام طويلة من الغياب. 

“ماذا حدث لك؟” 

ملأ وجهها القلق مجال رؤيته. 

ومجرد رؤيتها جعل كل ما مر به يبدو أخف وطأة. 

“وماذا عن بريت…؟ ماذا حدث؟” 

ارتجف صوتها قليلًا. 

عاد هايل إلى الواقع وابتسم ابتسامة باهتة على وجهه الشاحب. 

“لقد وجدتها.” 

حين استرجع الأمر، بدا كل شيء غريبًا. 

لم يتخيل يومًا أن أحدًا سيكتشف أنه هو من باع بريت. 

فدار مزادات ريتنباف كانت بعيدة جدًا عن ألفونس. 

وكانت تلك المسافة وحدها كافية لتجعل الأمر مستحيلًا. 

وفوق ذلك، من السخافة أن يعرف أحد من برونز ما يجري في بلدة صغيرة مثل ألفونس. 

ومع ذلك، استطاع الحراس المحليون، الذين نادرًا ما يغادرون مواقعهم، أن يعثروا على مكان بريت بدقة. والأغرب من ذلك أن المشتري تذكر هوية البائع وأكد أنه كان هايل نفسه. 

كل شيء بدا مثاليًا أكثر مما ينبغي، ومثيرًا للريبة أكثر مما ينبغي. 

بالطبع، لا يوجد شيء مستحيل تمامًا ربما كانت مجرد مصادفة أخرى، مصادفة كتلك التي تحدث من حين لآخر لكن ذلك كان التفسير الوحيد الذي استطاع التمسك به. 

فكلما أعاد التفكير بالأمر، بدا له وكأن أحدهم دبّر كل شيء بعناية، وكأنه يمارس عليه مزحة ثقيلة. 

وربما لهذا السبب شعر، حين التقت عيناه بعيني السيد الشاب في وقت سابق، وكأنه يتعرض للسخرية لكن هايل سرعان ما طرد تلك الفكرة من رأسه، فلا يمكن أن يكون وريث أسرة بلانشيت مهتمًا بتتبع حصان مسروق في بلدة ريفية صغيرة كألفونس. 

ذلك الشاب أرفع شأنًا بكثير من الانشغال بأمور كهذه. 

مع ذلك كان من الغريب فعلًا أن يوريسييل لا تكاد تفارق جانب السيد الشاب لكن لا بد أن ذلك لا علاقة له بالأمر. 

فهي مجرد خادمة، هذا كل شيء. 

هز هايل رأسه وطرد تلك الأفكار السخيفة، واعتبرها مجرد أوهام ولدها القلق. في النهاية، النتيجة هي ما يهم وبسلسلة من الأحداث الغريبة التي يصعب تصديقها، عادت بريت. أما والدته، فقد اعتقدت أنه أنفق المال الناتج عن بيعها على أبحاث تتعلق بسلالات الخيول الجديدة، لذا لم يكن لديها سبب يدعوها للشك. كل شيء يسير على ما يرام الآن. 

تساءل للحظة إن كان الدواء قد ساعد السيدة جين فعلًا، ولو قليلًا 

فسأل: 

“كيف حال والدتكِ؟ هل هي بخير؟” 

أظلم وجه يوريسييل فورًا، فشعر هايل بذعر مفاجئ. 

هل حدث شيء؟ لكن لحسن الحظ، لم يكن السبب هو ذلك. 

“إنها بخير… لكن…” 

توقفت مترددة، ورآها متحيرة على نحو غير معتاد فانحنى قليلًا، محاولًا أن يلتقي بعينيها الزمرديتين. 

“ما الأمر؟ هل حدث شيء؟” 

“الأمر يتعلق ببريت…” 

رفعت رأسها ببطء وكان القلق يخيم على ملامحها. 

سألها هايل بقلق أكبر: 

“وماذا عنها؟” 

ترددت عيناها الشفافتان للحظة، ثم استقرتا عليه مباشرة. 

ارتجفت شفتاها وهي تنطق بالكلمات: 

“هل… أنت من باعها؟” 

في تلك اللحظة، شعر هايل وكأنه تلقى ضربة مباشرة. 

هل عرفت يوريسييل بالأمر؟ 

هل اكتشفت أنه باع بريت ليشتري الدواء؟ 

بدأت الأفكار تدور بعنف داخل رأسه. 

“مـ… ماذا تقولين؟” 

حاول أن يبدو هادئًا، لكن صوته ارتجف رغمًا عنه. 

ازدادت كآبة تعابير يوريسييل وهي تنظر إليه. 

“لا… انسَ الأمر. لم يكن ينبغي أن أسأل.” 

لكنها رأت كل شيء، رأت أنفاسه المضطربة. 

ورأت محاولته اليائسة لاستعادة رباطة جأشه. 

بردت ملامحها للحظة، ثم عادت تلين عندما التقت عيناهما مجددًا. 

“هل يمكنك أن تنتظر هنا قليلًا؟” 

قالتها بهدوء ثم استدارت مسرعة، وعبرت الساحة بخطوات سريعة، بينما رفرف طرف تنورتها خلفها حتى اختفت عن الأنظار. 

وقف هايل مكانه مذهولًا، يحاول فهم ما حدث. 

لا يمكن أن تكون قد عرفت، حتى والديه لا يعرفان الحقيقة. 

لقد أوصى التاجر وكل من شارك في الأمر بإبقاء أفواههم مغلقة. 

وبينما كانت تلك الأفكار تلتهمه، عادت يوريسييل. 

كانت تحمل بين يديها صندوقًا خشبيًا صغيرًا مصقولًا بعناية. 

اقتربت منه ومدّته إليه دون أي تفسير. 

وقبل أن يتمكن حتى من فتحه، قالت: 

“أنا آسفة يا هايل. لا أستطيع قبول هذا.” 

“ماذا؟” 

عندها فقط خفض بصره إلى الصندوق. 

وكان ممتلئًا بمبلغ كبير من المال. 

أحد أغلى الأشياء التي امتلكتها يوريسييل يومًا. 

من أين حصلت على كل هذا؟ 

وبعد أن استعاد حديثهما الأخير في ذهنه، أدرك الحقيقة سريعًا. 

إنه المال الذي أعطاها إياه مقابل الدواء. 

تصلبت ملامحه كالحجر. 

“لماذا تعيدينه؟” 

“فكرت في الأمر… ولا أشعر أن من الصواب الاحتفاظ به.” 

ظل يحدق في الصندوق بصمت، عاجزًا عن الرد ثم سمع صوتها مرة أخرى، أكثر حزمًا هذه المرة. 

“سأقبل نيتك الطيبة فقط. هذا كل شيء.” 

‘نيتك الطيبة؟’ 

لم يسبق ليوريسييل أن قبلت مشاعره، على الأقل، هذا ما كان يعتقده هايل. 

“أليس مسموحًا لي حتى أن أساعدكِ؟” 

ارتفع صوته مختلطًا بالإحباط. 

كان الدواء هدية هدفها المساعدة. 

شيئًا فعله من أجلها وحدها، دون أن تطلب منه ذلك. 

وكان يعلم ذلك جيدًا لكن سماعها ترفضه بهذه الصورة آلمه بشدة. 

حتى وهو يعلم أنه لا يملك حق الغضب، لم يستطع كبح مشاعره. 

تزاحمت الأفكار داخل رأسه. وصورة السيد الشاب واقفًا إلى جانب يوريسييل اشتعلت في ذاكرته ككابوس حي. 

فارتفع صوته أكثر: 

“هل هذا كل ما أمثله بالنسبة لكِ؟ هل أنا عديم الأهمية إلى هذه الدرجة؟” 

تلألأت عيناه بشيء عالق بين الحزن والغضب أما يوريسييل، فاكتفت بالنظر إليه بثبات. 

في أي يوم آخر، ربما كانت ستتردد لكن اليوم وقفت كالصخر. 

رؤية ذلك الثبات جعلت هايل يشعر وكأن شيئًا داخله قد انهار وتحطم بالكامل.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.