مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 34: 34نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 34: 34

34

الفصل الرابع والثلاثون 

بالطبع لا، مجرد خطور تلك الفكرة على بالها جعل يوريسييل تطلق ضحكة خافتة مريرة من نفسها. 

ما زالت تلك الابتسامة الساخرة الحادة التي ارتسمت على وجهه حاضرة في ذاكرتها بوضوحٍ مؤلم، وكأنها تراها أمامها الآن. 

لم يكن السيد الشاب ليفعل شيئًا كهذا من أجلها. 

لا بد أنه مجرد نزوة عابرة أخرى. 

لقد أفسد أحدهم صفوه، وأرسل شخصًا غير مدعو إلى السطح دون إذن وهذا وحده كفيل بإثارة غضبه. 

ومع ذلك، ظل ذلك الخاطر الغريب يطفو إلى السطح بين الحين والآخر، ناشرًا الفوضى في مشاعرها. 

***

كانت يوريسييل في طريقها كالمعتاد أما كاسيان، فكان يراقبها منذ اللحظة التي خرجت فيها من غرفتها كما يفعل دائمًا. 

كل حركة من حركاتها كانت تسترعي النظر. 

كان في تصرفاتها شيء من الرشاقة يجعل من المستحيل تقريبًا صرف البصر عنها ولهذا السبب، كان يجد نفسه كثيرًا يهدر ساعات الصباح المخصصة لقراءة الصحف، مكتفيًا بمراقبتها. 

ومنذ اليوم الذي وصلت فيه إلى القصر، لم يتغير الأمر. 

وإنصافًا لها، لم يكن الذنب ذنبها بالكامل. 

فهو من أمر بأن تُخصص لها غرفة تقع مباشرة ضمن مجال رؤيته من النافذة وهو من أصدر تعليماته بإزالة إطار النافذة القديم واستبداله بلوح زجاجي واسع شديد الصفاء. 

لذلك كان الأمر كله بسببه. 

كانت تستيقظ دائمًا في الوقت نفسه. لا مبكرًا ولا متأخرًا. 

وبعد تمطٍّ طويل، تنهض ببطء من فراشها وتبدأ يومها. 

كانت حركاتها أنيقة ومتزنة كحركات بجعة. 

بطيئة، محسوبة، وآسرة بشكل غريب أما ما يضج به عقلها من أفكار أو اضطرابات، فلم يكن يعنيه في شيء. 

ولم يكن يرغب أصلًا في معرفته. 

ففهم ما يدور داخلها لن يفيده بشيء. 

ومن بعيد، استطاع رؤية ظلها وهي تبدل ملابسها. 

حركة خفيفة تشبه رفرفة جناحي فراشة، ثم سرعان ما تحولت إلى هيئة فستان مرتب ارتدته بعناية. 

لم يكن قادرًا على رؤية التفاصيل الدقيقة لكنه كان يعرف أي فستان اختارت، كانت ترتدي دائمًا الفستان الذي اختاره لها بنفسه وكان من السخف أن يشعر بالرضا بسبب أمر تافه كهذا. 

ومع ذلك كان يلاحظه. 

وبعد أن تنتهي من ارتداء ملابسها، تجلس إلى الطاولة، تفتح كتابًا، وتبدأ بالقراءة ثم تكتب شيئًا بانشغالٍ شديد، قبل أن تعود إلى القراءة من جديد. 

تذكر أن كبير الخدم أخبره ذات مرة بأنها تنسخ المخطوطات. 

لا بد أن ذلك جزء من عملها. 

بعد تكليفها بخدمته، لم يعد لديها وقت لأي عمل آخر. 

ومع ذلك، كان هذا الشيء الوحيد الذي لم تتخلَّ عنه. 

ولو أراد، لاستطاع أن ينتزعه منها بسهولة بل إنه فكّر في ذلك بالفعل في البداية. لكنه فقد اهتمامه بالأمر لاحقًا. 

كان هناك شيء يبعث على الرضا بشكل غريب في رؤيتها جالسة بذلك التركيز العميق في ساعات الصباح الأولى. 

***

وبعد مدة، دوّى رنين الجرس معلنًا حلول الوقت المعتاد. 

نهضت من مقعدها. 

أحيانًا كانت تغادر بعد أن تساعد السيدة جين في تناول فطورها. 

ويبدو أن اليوم كان أحد تلك الأيام. 

ظهر ظلها مجددًا بعد دخول إحدى الخادمات إلى الغرفة. 

ذلك الجسد النحيل، الرقيق، البطيء الحركة، بدأ يتجه نحوه. 

وحين بلغت المنعطف الأخير، نهض كاسيان من مقعده. 

كما يفعل دائمًا. 

ومع ذلك، ومهما حدث، كان يصل إلى صالون الاستقبال قبلها في كل مرة. 

وكعادتها دخلت يوريسييل في الموعد المحدد تمامًا. 

انحنت باحترام، وملامحها خالية من أي تعبير، لكنها بقيت مهذبة كما ينبغي ثم جلست في مكانها. 

كانت دائمًا تحافظ على استقامة مثالية أثناء الجلوس، وتلتزم بآداب المائدة بدقة تكاد تكون أكاديمية وأحيانًا كان يتساءل إن كانت الكتب التي تقرؤها كل صباح كتبًا عن الإتيكيت والآداب. 

فحتى بنات النبلاء اللواتي يتلقين تعليمهن على يد أغلى المعلمات لم يكنّ يتحركن بهذه الأناقة عادة. 

لقد كانت سريعة التعلم بشكل استثنائي. وربما كان ذلك العقل الحاد نفسه هو ما جعلها تجرؤ على محاولة خداعه. 

مرّت الوجبة في صمت. 

ومنذ اليوم الذي قرر فيه تجاهل تصرفاتها، اعتاد كاسيان أن يبقي عينيه على طبقه. 

فهي كانت تتصرف وكأن مجرد نظره إليها أمر لا يُطاق وكأن نظراته نفسها قد تلوثها. 

رفع ملعقته بهدوء، تناول بضع لقيمات، ثم حمل كأس الماء. 

وعندها رأى انعكاس يوريسييل في سطح الكأس. 

التجعد الخفيف في أنفها حين تتذوق شيئًا غير مألوف. 

الارتعاشة الصغيرة في عينيها الصافيتين دون أن تدرك ذلك. 

وحركة رأسها البسيطة، وكأنها تحاول إنكار إعجابها بالطعام. 

لقد أحسن كبير الطهاة صنعًا اليوم أيضًا أما يداها، اللتان كانتا متجمدتين ومترددتين في السابق، فقد أصبحتا أكثر ارتياحًا من ذي قبل. 

***

بعد الإفطار، نهض من مكانه فتبعته بصمت بخطوات صغيرة سريعة وبعد أن اجتازا عدة ممرات ومنعطفات، توقفت فجأة. 

“هذا ليس الطريق إلى الغرفة…” 

هل ظنت حقًا أنه لا يعلم ذلك؟ 

عندما أفلتت منه ضحكة خافتة، ارتجفت قليلًا. 

استدار مجددًا وتابع السير. 

كان الطقس أجمل من أن يُهدر داخل الجدران. 

أراد أن يراها تحت ضوء الشمس. 

فمن خلال النافذة، كان يراها تبتسم برقة تحت أشعتها، على عكس الوجه الخالي من الحياة الذي ترتديه داخل القصر. 

وفي الخارج، كانت أدوات الرسم ولوحة ضخمة قد أُعدّت مسبقًا تمامًا كما أمر. ولو رآها شخص غريب، لظن أنها تجهيزات خُصصت لرسام البلاط الملكي. 

اتسعت عيناها دهشة عندما وقعتا عليها أما كاسيان، فجلس براحة على مقعدٍ وثير تغمره الشمس، ثم نظر إليها. وبعد أن رمقته بحذر، جلست ببطء في المقعد المقابل له ثم بدأت ترسم. 

كما جرت العادة، وكما أمرها. 

كدمية لا تتحرك إلا عندما تُعطى التعليمات. 

***

ربما كان السبب أشعة الشمس أو ربما كان مجرد مزاجه في ذلك اليوم لكن تعابير يوريسييل بدت أكثر تنوعًا من المعتاد. 

بدت متفاجئة في البداية ثم حذرة ثم وكأنها تحاول جمع شتات نفسها. وفي كل مرة كانت تُظهر فيها رد فعل كهذا، كان كاسيان يتذكر دون إرادة تلك اللحظة التي تجمدت فيها أمامه، ترتجف وعيناها معلقتان بجسده العاري فانفلتت منه ضحكة صغيرة مستمتعة. 

منذ ذلك اليوم، كلما بدت باردة أو متحفظة معه، لم يكن عليه سوى استحضار تلك الذكرى وكان مزاجه يتحسن فورًا كما لو كان سحرًا لكن ذلك السحر لم يكن ينجح إلا عندما تكون عيناها معلقتين به أما الآن فقد توقف صوت قلم الرصاص الذي كان يخدش الورق بهدوء. 

فتح كاسيان عينيه ببطء فرأى أن عينيها الزمرديتين مثبتتان على مكان آخر، تبع اتجاه نظرتها فرأى شخصًا يقترب. 

شعر فضي. 

حضور لا ينتمي إلى هذا المكان. 

ضيف غير مرغوب فيه جاء ليفسد هذه الصورة المثالية. 

وكان ينظر إليها مباشرة. 

لقد مضت عدة أيام منذ آخر مرة ظهر فيها هايل. 

ومن مظهره، بدا وكأنه وصل إلى القصر للتو. 

***

كانت لدى يوريسييل أسئلة لا تُحصى تريد طرحها عليه. 

هل عثروا على بريت؟ 

أين كان الحصان طوال هذه الفترة؟ 

وهل يعني ذلك أن التهمة قد رُفعت عنها أخيرًا؟ 

كانت ترغب في الركض نحوه فورًا وسؤاله عن كل شيء. 

بدا بخير، وهذا وحده كان باعثًا على الارتياح وبعد أن تطمئن عليه، كانت تنوي أن تعيد إليه المال الذي ادخرته لثمن الدواء. 

وربما سيرفض أخذه، لكنها لم تستطع الاحتفاظ به. 

فهو ليس مالها، ولم يكن يومًا كذلك. 

كانت أفكارها مرتبة وواضحة في ذهنها. 

وفي مرحلة ما توقفت يدها عن الحركة، تدلت الورقة فوق حجرها، وامتد عليها خط طويل متعرج. 

ولم تدرك ما حدث إلا عندما مزق صوت ارتطام مفاجئ الصمت، استدارت نحو مصدر الصوت. 

كان فنجان الشاي قد انقلب وتدحرج على الأرض، بينما انسكب محتواه في كل اتجاه وما زال البخار يتصاعد منه. 

لا بد أن الشاي كان شديد السخونة. 

ومع ذلك لم يتغير تعبير السيد الشاب قيد أنملة. 

“سيدي الشاب!” 

أسرعت نحوه مذعورة، وبدأت تمسح الشاي المنسكب عن يده. 

لكنه لم يتحرك، ظل جالسًا كما هو وكأنه لا يشعر بشيء. 

برزت عروق قبضته المشدودة بوضوح. 

وعندها فقط بدأ الخوف يتسلل إلى عمودها الفقري. 

كان يبدو كما اعتاد أن يبدو دائمًا. 

لكن تعبيره مختلف، اختلاف طفيف لكنه لا يُخطئ .

كانت حاجباه معقودتين بضيق واضح. 

كشخص رأى شيئًا لا يطيق رؤيته. 

هل لأنني نظرت بعيدًا؟ 

هل هذا وحده كافٍ لإغضابه إلى هذا الحد؟ 

كم مرة أجبرها على إعادة رسم صورته؟ 

مرة تلو الأخرى، وفي كل مرة كانت تقدم له الرسم، لم يكن يمنحها سوى رد واحد بارد. 

“من جديد.” 

في البداية، ظنت أن السبب هو سوء رسمها. 

واعتقدت أنه إن بلغت الكمال، فسيقتنع أخيرًا لكنها أدركت الحقيقة مع الوقت، لم يكن الرسم يهمه أصلًا. 

حتى لو رسمت تحفة فنية تفوق أعمال رسامي البلاط جميعًا، لأمرها بإعادتها بلا نهاية لأن الرسومات لم تكن هي الهدف. 

كان يريد انتباهها الكامل دائمًا. 

لم يكن الأمر صعب الفهم فكلما شردت عيناها ولو للحظة أو تشتت تركيزها قليلًا أعاد انتباهها إليه بالقوة. وبالمقارنة مع ذلك، كان رسم صورته من أسهل المهام التي يفرضها عليها. 

فعندما يكون مزاجه أسوأ، كان يتولى القلم بنفسه ويبدأ برسمها هي، رسومات فوضوية بدائية لا تشبهها تقريبًا ومع ذلك 

لم يكن يسمح لها بالنظر إلى أي مكان آخر ولا حتى للحظة واحدة. 

كان يرفع ذقنها برفق لتنظر إليه. أو يجبرها على إبقاء عينيها مثبتتين عليه ومن تلك اللحظة كان الكابوس يبدأ. 

ولهذا السبب، لم تسمح يوريسييل لنفسها أبدًا بالشرود أثناء رسمه. 

كان ذلك وسيلتها الوحيدة لحماية نفسها. 

خطة بسيطة لتجنب الأسوأ. 

مرهقة؟ 

بالتأكيد، لكنها أقنعت نفسها بأنها مجرد جزء من حياتها اليومية. 

فمن في هذا القصر يستطيع خدمته دون أن يفعل ما هو أكثر من ذلك؟ حتى كبير الخدم والمرافقون لم يجرؤوا على إثارة استيائه ولو مرة واحدة. الجميع حوله كانوا متوترين دائمًا. حذرين من أي زلة. 

ولهذا فما حدث اليوم كان خطأً واضحًا. 

لقد ضُبطت أثناء العمل وهي تنظر إلى مكان آخر. 

وليس إلى أي شخص بل إلى هايل تحديدًا. 

تذكرت تعبيرًا مشابهًا رأتْه على وجه السيد الشاب في السابق. 

وكان ذلك أيضًا عندما كانت مع هايل. 

الفرق الوحيد أن الاثنين كانا يتحدثان حينها أما اليوم، فلم يتجاوز الأمر مجرد تلاقي النظرات. 

في تلك المرة، كانت قد انتهت من واجباتها بالفعل، فأرخَت حذرها لكن شيئًا حدث في اليوم التالي. 

عاقبة واضحة لا تخطئها العين، وبدأ الأمر يبدو لها وكأن الحديث مع هايل صار جريمة بحد ذاته، على الأقل أمام السيد الشاب. 

وكأن ضبطها وهي تتحدث مع رجل آخر يعادل الخيانة. 

كخطيبة أُمسكت متلبسة بالخيانة. 

والنظرة التي كان يرمقها بها الآن ذكّرتها بذلك اليوم أكثر مما ينبغي ثم ومن دون سابق إنذار تسللت إلى ذهنها فكرة مقلقة. 

‘هل يكره رؤيتي مع رجل آخر؟’ 

جعلتها الفكرة تشعر بالقشعريرة وكان حدسها يصرخ بأن هناك شيئًا خاطئًا، أرادت أن تقنع نفسها بأنها تبالغ لكنها كانت تعلم في أعماقها أنها ليست كذلك. 

ففي كل مرة يلتقي طريقها بهايل، كان تعبير السيد الشاب يلتوي بالطريقة نفسها. 

‘لماذا؟ ولأي سبب؟’ 

أسئلة لا تنتهي تدفقت إلى ذهنها. 

ما الذي يهمه أصلًا مع من تتحدث؟ 

أو كم مرة تلتقي أعينها بعيني هايل؟ 

وفوق ذلك كله لم تستطع نسيان شائعة طرد الخادمة ذات الشعر البني. 

أجبرت نفسها على إبعاد نظرها عن هايل وعندما عادت لتنظر أمامها كان السيد الشاب واقفًا هناك بالفعل وكأن شيئًا لم يحدث قط. وقد عاد وجهه إلى ذلك الهدوء المتزن الذي اعتادت رؤيته. 

حتى إنها كادت تتساءل إن كانت قد توهمت المشهد السابق بأكمله.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.