مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 33: 33نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 33: 33

33

الفصل الثالث والثلاثون 

كان الزمن يمر ببطءٍ مؤلم بالنسبة إلى يوريسييل. 

شعرت وكأن أسابيع طويلة انقضت منذ ذلك اليوم الذي جمعها بالسيد الشاب، لكن الحقيقة أن بضعة أيام فقط هي التي مرت. 

ولم تتلاشَ الذكرى مع الوقت، بل ازدادت وضوحًا يومًا بعد يوم. 

حتى غياب هايل عن القصر، واستمرار البحث عن سارق بريت، والشائعات التي بدأت تنتشر عنها لم يعد لأيٍّ من ذلك أهمية تُذكر. فالذكرى المزعجة التي جمعتها بالسيد الشاب طغت على كل شيء، وبدأت تلتهم أفكارها ببطء. 

كانت اللحظة تعود إليها مرارًا وتكرارًا. 

اتهامه لها بأنها متلصصة، وكلماتها هي نفسها، حين قبلت ذلك الاتهام أمامه، وصورة جسده الواضحة العالقة في ذهنها، وعيناه الحمراوان اللتان بدتا وكأنهما تنفذان إلى أعماقها وترَيان كل شيء . 

وقد عاد إليها الحلم نفسه الليلة الماضية. 

استيقظت مغطاة بالعرق البارد، تلهث كما لو أنها انتُشلت للتو من قاع بحرٍ عميق، كان الحلم ذاته في كل مرة، ومع ذلك كانت تحتاج إلى بضع لحظات كي تدرك أنه لم يتكرر حقًا. 

جلست ببطء على سريرها، بينما كانت أشعة الصباح الأولى تتسلل عبر قضبان النافذة. 

وراح السؤال الذي لم تجد له جوابًا يتردد في ذهنها. 

‘من الذي قد يفعل شيئًا كهذا؟’ 

هل يمكن أن يكون السيد الشاب نفسه؟ لا، لم يبدُ ذلك منطقيًا. 

كانت قد حسمت أمرها في هذه النقطة على الأقل. 

فلو كان هو من دبّر الأمر، لما بدت عيناه الحمراوان مصدومتين بذلك الشكل الحقيقي عندما رآها هناك، إذن فلا بد أنه شخص آخر داخل القصر. 

وهذا يعني أن ما حدث ربما لن يكون المرة الأخيرة. 

أصابها الصداع بمجرد أن تذكرت الكلمات المهينة التي نطقتها أمامه. 

وكان هناك احتمال حقيقي بأنها ستضطر إلى تكرارها مرة أخرى. 

وفي كل مرة، سيبتسم كما لو أن الأمر لعبة مسلية، مستمتعًا بكل لحظة من ارتباكها وإحراجها. لكنه كان دائمًا هكذا. 

لم يكن الأمر جديدًا. 

أما كلمات من ذلك النوع فيمكنها أن ترددها مرة بعد أخرى إن لزم الأمر، يمكنها أن تتظاهر بالذنب في أمر لم ترتكبه، يمكنها أن تصبح لعبة يتسلى بها وفق هواه، ذلك سهل، وعندما يملّ منها في النهاية، سيرحل إلى العاصمة أو إلى أي مكان آخر. 

قبل أيام قليلة فقط، كانت هذه الفكرة تمنحها القوة لتوافقه على كل ما يقول أما الآن، فلم تترك فيها سوى فراغٍ مؤلم. 

نظرت إلى والدتها النائمة بسلام، غير المدركة لأي شيء مما يحدث، فشعرت بمزيج غريب من الطمأنينة والخوف. 

‘هل سينتهي كل هذا بمأساة؟ هل أن هذا الكفاح اليائس لا معنى له أصلًا؟’ 

وقبل أن تستيقظ السيدة جين، سارعت يوريسييل إلى غسل وجهها وتغيير ملابسها وترتيب ملامحها. 

ولحسن الحظ، لم تتحرك والدتها إلا بعد أن أنهت كل شيء. 

وحين رأت جين ابنتها مستيقظة منذ وقت طويل، ابتسمت بحنان وأخذت تمسد شعرها برفق. 

“هل راودتكِ كوابيس الليلة الماضية؟” 

“أمي، قلت لكِ إن ذلك حدث مرة واحدة فقط. أنتِ تقلقين أكثر من اللازم.” 

ضحكت جين بخفة وأشارت إلى ماسكة الأحلام التي صنعتها بنفسها. 

“كنت أظن أنها تبدو فوضوية بعض الشيء، لكن يبدو أنها تؤدي عملها جيدًا.” 

كانت بالفعل بسيطة الصنع كما قالت. 

صدفة بحرية بنفسجية في الوسط، تتشابك حولها خيوط بيضاء وريشات صغيرة. وفي الآونة الأخيرة، كانت جين تذهب إلى الميناء بين الحين والآخر لجمع المواد اللازمة لصنعها. 

أما يوريسييل، فقد كفت عن محاولة منعها. 

كانت تعلم أن والدتها بدأت بصنعها بعدما لاحظت اضطراب نومها مؤخرًا. لم تكن بحاجة لأن تسمع ذلك منها. فقد استطاعت أن تتخيل بالفعل يديها النحيلتين وهما تنسجانها بعناية. 

“فوضوية؟ إنها جميلة جدًا. أراهن أن أي شبح يحاول الاقتراب يهرب مذعورًا من شكلها. ألم أقل إنني لم أرَ أي كابوس منذ ذلك الحين؟” 

أطلقت ضحكة خفيفة، تخفي خلف ابتسامتها الكابوس الذي أفزعها هذا الصباح. 

كانت كثيرًا ما تتمنى لو أن والدتها تستريح أكثر، لكنها لم تشأ أيضًا أن تحرمها من السعادة التي تجلبها لها هذه الأمور الصغيرة. 

ولذلك لم يعد بوسعها سوى تشجيعها بصمت وبينما كانت الأم وابنتها تتشاركان لحظة دافئة، دخلت إحدى الخادمات إلى الغرفة. 

لم تكن الخادمة المعتادة التي تتولى خدمة هذا المكان بل كانت وجهًا جديدًا وفي يديها صينية فطور خاصة بالسيدة جين. 

لم تكن يوريسييل تحفظ وجوه جميع الخادمات، لكنها بالتأكيد تعرف الخادمة التي كانت مسؤولة عن هذه الغرفة سابقًا. 

تلك صاحبة الشعر البني المضفور بطريقة مميزة، والتي كانت ترتدي نسخة معدلة قليلًا من الزي الرسمي، وكانت تخدم كذلك في غرفة السيد الشاب. 

كانت تنظر إلى يوريسييل دائمًا بنظرات حادة، لكنها تتحول إلى شخص آخر تمامًا أمام السيد الشاب، فتتحدث بلطف مصطنع وتحاول لفت انتباهه. 

إلا أن السيد الشاب لم يكن يلقي عليها نظرة واحدة. 

كان يجلس جامدًا كالصخر، غير مكترث بمحاولاتها. 

وعندما كانت تغادر محمرة الوجه من شدة الإحراج، كانت تحدق في يوريسييل بعينين تكادان تقتلانها. 

أما الآن، فقد عرّفت الخادمة الجديدة نفسها بخجل. 

“اسمي آن… وسأتولى خدمتكما من الآن فصاعدًا.” 

السيدة جين، التي كانت تجلس باستقامة وقلق حتى قبل وصول الطعام، ترددت قليلًا قبل أن تسأل بلطف: 

“هل نُقلت الخادمة التي كانت تأتي إلى هنا سابقًا إلى مكان آخر؟” 

ارتبكت آن من نبرة السؤال المهذبة، ولوحت بيديها بسرعة وهي تجيب: 

“حسنًا… قيل إنها فُصلت بسبب حادثة غير لائقة.” 

حادثة أدت إلى الطرد؟ 

لم يقع في القصر مؤخرًا شيء من هذا النوع باستثناء شيء واحد فقط، شيء كانت هي طرفًا فيه. 

لم تتوقع يوريسييل أن يصل حقد أحدهم إلى هذا الحد لمجرد أنه لا يطيق وجودها هنا. 

بدت جين حائرة عند سماع عبارة «حادثة غير لائقة». 

“حادثة؟” 

فهي لم تكن تعلم شيئًا عما حدث فوق السطح. 

إذ لم تخبرها يوريسييل بشيء ولحسن الحظ، بدا أن الخادمة الجديدة لا تعرف أكثر مما سمعته من الآخرين. 

فاكتفت بإجابة مبهمة ثم غادرت الغرفة بسرعة. 

راقبتها جين وهي تبتعد، ثم غرقت في التفكير. 

“لم يكن الأمر بسببي أنا، أليس كذلك؟” 

يا لهذه المرأة الطيبة، حتى بعد كل شيء، ما زالت تقلق بشأن شخص كانت ترمق ابنتها بتلك النظرات المليئة بالكراهية. 

أمسكت يوريسييل بيد والدتها وابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. 

“بالطبع لا. لا بد أنها افتعلت مشكلة ما في مكان آخر من القصر.” 

وخوفًا من أن تستمر والدتها في التفكير بالأمر، سارعت إلى تغيير الموضوع. 

وبعد حديثٍ قصير عن أمور أخرى، وضعت الملعقة في يدها. 

عندها فقط بدأت جين تتناول الحساء ببطءٍ وتردد ثم قالت فجأة: 

“بالمناسبة، لم أرَ هايل منذ فترة. هل حدث له شيء؟” 

هايل. 

توقفت أنفاسها للحظة عند سماع اسمه. 

فالمال الذي حصلت عليه مقابل بيع الدواء لا يزال في درجها دون أن تمسه. 

بعد أن ذهبت عدة مرات إلى جوار منزله ثم عادت دون نتيجة، توقفت عن التفكير فيه أو بالأحرى كانت تؤجل الأمر. 

لقد ساعدتها مشكلتها مع السيد الشاب على نسيانه لبعض الوقت. 

هل ما يزال بريت مفقودًا؟ 

وهل يمكن حقًا أن يكون هايل قد باع بريت بسببها؟ 

تشابكت الأفكار في رأسها لثوانٍ طويلة. 

وفي النهاية، ارتسمت على وجهها الابتسامة المعتادة. 

“لا، ليس هناك شيء خطير. أخذ بضعة أيام إجازة فقط. سيعود قريبًا.” 

أومأت جين بابتسامة مطمئنة. 

“إذن هذا يبعث على الارتياح. عندما سمعت أن أحدهم فُصل من عمله، خشيت أن يكون هو. لكن هايل ليس من النوع الذي قد يرتكب شيئًا كهذا.” 

راقبت والدتها وهي تبتسم برفق، ثم خرجت من الغرفة في الوقت المعتاد تمامًا. عندها فقط أطلقت زفرة طويلة. 

لكن اللحظات الهادئة لم تكن تدوم طويلًا. فحتى الآن، ما تزال واجباتها إلى جانب السيد الشاب مستمرة كما كانت دائمًا. 

الوجبات التي تتناولها بجواره، والوقوف بصمت إلى جانبه. 

كانت تلك اللحظات صعبة منذ البداية لكنها أصبحت لا تطاق منذ ذلك اليوم، والأسوأ من كل شيء أن السيد الشاب يتصرف وكأن شيئًا لم يحدث وهذا وحده كان كافيًا ليجعلها تشعر بالعجز. 

وفي طريقها إلى صالون الاستقبال، لاحظت أن نظرات الخادمات قد تغيرت تمامًا. فبعد أن كانت مليئة بالاستياء والريبة، أصبحت الآن مفعمة بالخوف بل إن بعضهن كن يبتعدن فور رؤيتها، وكأنهن يهربن منها. 

وعندما رأت ذلك بعينيها، تأكدت من أمرٍ واحد. 

السيد الشاب كان متورطًا بشكل مباشر في طرد الخادمة ذات الشعر البني ولا بد أن الشائعة قد انتشرت بالفعل بين الجميع. 

شائعة أنها السبب وراء فصل تلك الخادمة. 

‘فماذا يظنونني الآن؟’ 

فتاة تحظى برعاية السيد الشاب، متعجرفة ومتجاوزة لحدودها؟ 

طفيليّة تتشبث بمكان لا تنتمي إليه؟ أم شيئًا أسوأ من ذلك؟ 

ماذا فعلت أصلًا لتستحق كل هذا؟ 

وعندما اتهموها سابقًا بسرقة الحصان هل كانوا يؤمنون فعلًا بأنها المذنبة؟ أم أن الأمر لم يكن سوى ذريعة للتخلص من فتاة مثلها؟ في الحقيقة شعرت أنها بدأت تفهم الآن. 

الناس كانوا يرون أنها لا تستحق الوقوف إلى جوار شخص مثل هايل وأولئك الذين شاهدوها تخدم السيد الشاب اعتبروا وجودها هناك إهانة بحد ذاته. وربما كان كل هذا يحدث لأنها ناقصة، لأنها لا ترقى إلى المستوى المطلوب. 

ضاق صدرها وأصبح التنفس أكثر صعوبة. 

الكلمات التي سمعتها سابقًا بدأت تنغرس في قلبها كالسكاكين. 

ومع ذلك بدأت فكرة أخرى تتشكل في أعماق ذهنها. 

‘لماذا طرد السيد الشاب تلك الخادمة ذات الشعر البني؟’ 

فهو لم يكن يومًا من النوع الذي يهتم بما يحدث لها، حتى عندما يحاول الآخرون الإيقاع بها حتى حادثة السطح نفسها، لم تبدُ عليه الدهشة بل بدا كصياد وجد لعبة جديدة تثير اهتمامه. 

كلما فكرت أكثر، ازدادت الأسئلة تعقيدًا. 

ثم وللحظة عابرة فقط تسللت إلى ذهنها إمكانية أخرى. 

‘هل فعل ذلك… من أجلها؟’ 

فتوقفت خطواتها فجأة في مكانها.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.