الفصل 31: 31
31
الفصل الواحد والثلاثون
مرّ بخاطر يوريسييل للحظة ذلك الوقت الذي اختفى فيه الحصان، وتسلّل إلى قلبها شعورٌ غامض بالقلق لكنها سرعان ما هزّت رأسها وطردت الفكرة.
لم يكن من الممكن أن يكون هايل قد باع «بريت» بيده، ذلك الحصان الذي كان يعشقه أكثر من أي شيء آخر.
وبعد أن أبعدت تلك الهواجس، عادت إلى نسخ المخطوطة التي تركتها غير مكتملة قبل أيام.
لم يكن هناك ما يصفّي ذهنها أفضل من ذلك.
كانت الكتب التي تنسخها تدور في الغالب حول التاريخ والثقافات والعلاقات الدبلوماسية، ما بدأ وسيلةً لكسب بعض المال تحوّل مع الوقت إلى شغف حقيقي.
فبالنسبة لفتاةٍ قضت حياتها كلها في قرية ألفونس الصغيرة، كانت تلك الكتب نوافذ تُطلّ منها على مدنٍ بعيدة وعوالمٍ لم تعرفها من قبل وأكثر من ذلك، كانت قصص الأميرات والملوك والملكات في البلدان الأجنبية، الذين حافظوا على السلام بفضل حنكتهم الدبلوماسية، تمنحها أملاً خاصاً.
ماذا كنت سأفعل لو كنت مكانهم؟
وماذا لو كنت في صفّ الطرف الآخر؟
كانت مثل هذه الأحلام المستحيلة تسمح لها بالهروب من واقعها لبعض الوقت، وتمنحها فرصة لتخيّل حياة أخرى.
وعلى نطاقٍ أوسع، اكتشفت أن السياسة وشؤون الدول ترتبط بالحياة اليومية والبقاء على قيد الحياة أكثر مما توقعت، وهذا ما جعلها أكثر إثارة للاهتمام.
شيئاً فشيئاً، بدأت تلك الأفكار تزرع حلماً جديداً داخل قلب يوريسييل، حلماً بأن تغادر ألفونس يوماً ما، حلماً بأن تقف على قدميها بنفسها، وتعيش حياة تستطيع فيها البقاء إلى جانب والدتها.
لم يكن الطريق سيظهر من تلقاء نفسه ولهذا كانت تبحث عنه بإصرارٍ لا يهدأ.
وكان الضوء الذي وجدته في نهاية ذلك البحث خافتاً للغاية، لكنه بالنسبة إليها كان أملاً حقيقياً يستحق التمسّك به.
إذا استطاعت تحقيق ذلك الحلم فربما تتمكن أخيراً من مغادرة هذا المكان الخانق.
وكعادتها، واصلت اليوم نسخ كتاب «المبادئ الدبلوماسية لكاليبسي». كانت مؤلفة الكتاب امرأة وُلدت في أسرة فيكونت، وعانت في شبابها من التمييز بسبب خلفيتها الاجتماعية. لكنها، بعد اجتيازها محناً لا تُحصى، اعتلت في النهاية عرش الإمبراطورية بصفتها إمبراطورة. وكان ذلك وحده كافياً ليجعل قصتها أسطورية إلا أنها لم تتوقف عند ذلك فحتى بعد أن أصبحت إمبراطورة، ألّفت هذا المرجع الدبلوماسي المذهل، وحمت كل ما أحبته بقوتها الخاصة، حبها وابنتها التي كانت أعز عليها من حياتها نفسها.
وكان يُقال إن الإمبراطور كان ينظر إلى الإمبراطورة بعينين تقطران مودةً وحناناً.
كانت قصة استثنائية إلى درجة أن الناس يجدون صعوبة في تصديقها حتى بعد سماعها مراراً.
فمعظم زيجات النبلاء تُبنى على المصالح السياسية لا على الحب.
وإذا كان هذا حال النبلاء العاديين، فكيف يمكن أن يوجد حب حقيقي داخل زواجٍ ملكي؟
لهذا السبب كانت يوريسييل تُكنّ للإمبراطورة إعجاباً عميقاً، حتى قبل أن تدرك ذلك بنفسها.
وبالطبع، كان حب كهذا نادراً حتى في صفحات التاريخ.
وربما لن يحدث أبداً داخل هذه الإمبراطورية.
لكن لا ضريبة على الأحلام، أليس كذلك؟
وكلما فكرت في الأمر ازداد فضولها. ففي النهاية، كانت هذه الكتب هي التي جعلت مثل تلك الأحلام تبدو ممكنة.
كانت قد وصلت للتو إلى الفصل الذي يروي المفاوضات التي أعقبت النزاع بين الدولة «أ» والدولة «ب»، حين دوّى طرقٌ مفاجئ على الباب.
رفعت رأسها باستغراب.
ما هذا؟ لم يحن بعد موعد خدمة السيد الشاب.
أهو كبير الخدم؟ أم أن هناك أمراً طارئاً؟
كان السيد الشاب يرسل تعليماته أحياناً بصورة مفاجئة، لذا لم يكن الأمر مستحيلاً، ربما أراد تقديم موعد الإفطار أو ربما أرادها أن تنتظره في مكانٍ ما.
أطلقت زفرة قصيرة ونهضت متجهة نحو الباب.
لفحها الهواء البارد ما إن فتحته لكن لم يكن هناك أحد.
الشيء الوحيد الموجود كان ورقة مطوية تُركت على الأرض.
التقطتها وفتحتها. وكانت الكلمات المكتوبة بخطٍ فوضوي تقول:
【تعالي إلى السطح. حالاً.】
ما يزال هناك نحو نصف ساعة قبل موعد الإفطار.
حدّقت في الورقة بحيرة.
إلى السطح؟ في هذا الوقت؟
كان الأمر غريباً، لكنه لم يكن مستحيلاً بالنظر إلى طباع السيد الشاب المتقلبة، وربما كان ينوي إلغاء الإفطار اليوم.
ولو كان الأمر كذلك، فلعلها ستكون نعمةً مقنّعة.
فجلوسها قبالته كل صباح كان تجربةً مرهقة.
كلما قصّرت في تناول الطعام، كانت عيناه الحمراوان تنغرز فيها وكأنهما تخترقان أفكارها. وفي كل مرة كانت تضطر إلى إجبار نفسها على الأكل، متظاهرةً بأن كل شيء طبيعي.
ولم تكن المشكلة في الطعام نفسه، فالوجبات كانت دائماً فاخرة ولذيذة والأغرب من ذلك أنها كانت تتذكر مذاقها جيداً رغم توترها الدائم.
وعندما فكرت بالأمر الآن، بدا ذلك مضحكاً نوعاً ما.
هزّت رأسها وطردت تلك الأفكار ثم بدأت تصعد الدرج ببطء.
وعندما وصلت إلى الأعلى، ملأ بابٌ ضخم مجال رؤيتها.
لم يكن لديها سبب للمجيء إلى هنا من قبل.
وكان السطح أوسع بكثير مما تخيلت.
رفعت رأسها.
فوقها امتدت قبة زجاجية هائلة، عالية إلى درجة بدت معها السماء نفسها مرسومة عليها، وتسلقت نباتات اللبلاب الجدران من كل اتجاه أما الحديقة فكانت مليئة بالنباتات المعتنى بها بعناية، بألوانٍ وأشكال متنوعة، تنشر عطراً رقيقاً ومريحاً.
الهواء الدافئ والرطوبة المتوازنة، الشبيهان بأجواء الدفيئات الزراعية، منحتا المكان هدوءاً عجيباً حتى التوتر الذي كان يسببه السيد الشاب بدا وكأنه يذوب شيئاً فشيئاً.
ومن الداخل، سمعت صوتين يتحدثان.
يبدو أنهما كاسيان وكبير الخدم.
قال كبير الخدم:
“تم نشر تقرير التقدم الخاص بقسم تطوير الأدوية الجديدة في صحيفة اليوم. ويبدو أن رسالة من العاصمة ستصل قريباً.”
تطوير الأدوية الجديدة؟
هل يعني هذا أن السيد الشاب قد يغادر الضيعة؟
بعد لحظة صمت، جاء صوت كاسيان:
“هل يمكنك التحكم في نبرة صوتك قليلاً؟”
“عفواً؟”
“أنت واضح جداً. أستطيع أن أرى مدى سعادتك. هل كان وجودي مزعجاً إلى هذه الدرجة؟”
“لا… بالطبع لا. لقد تحمست فقط لأنك قد تُشفى تماماً…”
ثم انتقل الحديث إلى الحفل الراقص الذي كانت السيدة بلانشيت تُحضّره وإلى الأوامر التي تطلب حضوره وإلى بنات الأسر النبيلة اللواتي يأملن في الارتباط به.
وقفت يوريسييل عند الباب تستمع.
كان مستقبل السيد الشاب يتسلل إلى أذنيها.
مستقبل لا مكان لها فيه، مستقبل سيتركها خلفه قريباً.
وكان يُقال إن السيدة بلانشيت ستأتي بنفسها إلى ألفونس.
وربما جاءت لتعيده إلى العاصمة.
فحتى لو كان الابن المحتضر غير مرغوب فيه سابقاً، فإن وريثاً شُفي من مرضه سيصبح بلا شك الخليفة الشرعي لعائلة بلانشيت.
كان الأمر منطقياً فهو ما يزال صغيراً جداً على الموت.
وينبغي أن يكون العثور على علاج له خبراً يستحق الاحتفال.
وكان من الطبيعي أن يعيش حياة النبلاء الآخرين.
أن يتزوج فتاةً مناسبة وأن يبني مستقبلاً لائقاً بمكانته.
كان ينبغي لها أن تشعر بالسعادة لأجله.
لكن وبقسوةٍ شديدة لم تستطع.
في اللحظة التي سمعت فيها أنه قد ينجو، هبط قلبها إلى القاع.
إذا رحل فماذا سيحدث لها ولوالدتها اللتين تعتمدان عليه بالكامل؟
هل سيُطردان من هنا؟
وماذا عن الدواء الذي تحصل عليه والدتها؟
حتى لو لم يُستدعَ إلى العاصمة بعد، كانت تعلم أن هذا اليوم سيأتي لا محالة فلطالما تخيلت أيامه الأخيرة.
أي شخص يرعى مريضاً ميؤوساً من شفائه لا بد أن يستعد لذلك.
لكنها لم تتوقع أن يأتي الأمر بهذه السرعة.
كانت تظن دائماً أن ذلك سيحدث بعد زمن طويل، بعد أن تستعيد والدتها عافيتها تماماً.
وكان ذلك الأمل الأعمى هو ما أبقاها صامدة.
ومع استمرار الحديث في الداخل، أخذ قلقها يزداد. وأخيراً، عندما انتهى تقرير كبير الخدم وحلّ الصمت مدّت يدها نحو الباب.
صدر صريرٌ خافت.
وانفتح الباب قليلاً.
دخلت إلى الداخل ثم تجمدت في مكانها.
وسط ضباب البخار، وقع بصرها على جسدٍ عارٍ.
اتسعت عيناها.
وشُلّت أطرافها كما لو أنها لُبست أغلالاً غير مرئية.
لقد رأت شيئاً لم يكن ينبغي لها أن تراه.
ما هذا؟
تدفقت آلاف الأفكار إلى رأسها دفعة واحدة.
هل كانت هذه أيضاً إحدى حيل السيد الشاب لإرباكها؟
وحتى لو كانت كذلك، لم يكن بوسعها فعل شيء.
أطبقت شفتيها بقوة وتقدمت خطوة أخرى.
تناثر الماء بصوتٍ خافت، واستدار صاحب الجسد نحوها ببطء.
كان نصفه السفلي مغموراً في الماء أما الجزء العلوي فكان مكشوفاً بالكامل وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه الحمراوان بعينيها انقطع نفسها.
كانت نظرته حادة، جارفة، وكأنها ستلتهمها، مختلفة تماماً عن ابتسامته الساخرة المعتادة.
كان الضيق واضحاً على وجهه لكن ملامحه تبدلت فور أن تعرف عليها ومع ذلك لم تكن تلك هي ردة الفعل التي توقعتها بل كانت ملامح شخص لم يكن مستعداً لرؤيتها إطلاقاً.
أما كبير الخدم، الذي كان يقف بجانبه، فقد عبس فور رؤيتها.
وفي تلك اللحظة، تذكرت شيئاً قاله لها ذات مرة.
〈إياكِ أن تصعدي إلى السطح أبداً.〉
دوّى صوته في أذنيها الآن، حاداً ومشحوناً بالغضب:
“هل تدركين حتى أين أنتِ؟ كيف تجرؤين على دخول هذا المكان دون إذن؟”
لو كان السيد الشاب هو من استدعاها حقاً، لما جهل كبير الخدم الأمر، عندها فقط فهمت.
لقد أوقعها أحدهم في فخ وجعلها تأتي إلى هنا عمداً.
وكان صعودها إلى هذا المكان هو الخطأ الحقيقي.
ما إن أدركت ذلك حتى رفعت عينيها نحو كاسيان.
كانت عيناه الحمراوان ثابتتين عليها، لا تهربان ولا تتزعزعان.
ولم تستطع أن تخمّن ما الذي يدور في رأسه.
رفع يده ببطء.
إشارة صغيرة فحسب لكنها كانت كافية.
رمقها كبير الخدم بنظرة مشتعلة غضباً، ثم استدار وغادر.
أُغلق الباب خلفه وبقيت وحدها مع السيد الشاب.
ظل يحدق فيها بصمت.
نظرة ثقيلة كأنها تضغط على كامل جسدها.
كان هو من لا يرتدي شيئاً ومع ذلك شعرت هي وكأنها العارية.
لم تتحرك شفتاها ولم تجد أي تفسير تقوله، أصبح عقلها فارغاً تماماً.
حتى إنها لم تعد تملك متسعاً للتفكير في الشخص الذي دبر لها هذا المكيدة.
هل سيطردها الآن؟ أم أن شيئاً أسوأ ينتظرها؟
أغلقت عينيها بإحكام ثم سمعت صوت الماء وأعقبته خطوات بطيئة تقترب منها.
لم تجرؤ على فتح عينيها حتى توقفت الخطوات أمامها مباشرة.
لامست يدٌ لطيفة ذقنها.
فتحت عينيها قليلاً فرأت عينيه الحمراوين أمامها مباشرة.
وحين انعكس وجهها داخل حدقتيه ارتجف جسدها كله.
ابتسم كاسيان ابتسامة خافتة ثم قال:
“لماذا تبدين مصدومة إلى هذا الحد؟”
“…”
“ألم تأتي إلى هنا وأنتِ مستعدة لرؤية شيء كهذا؟ “
وصل ارتجافها إلى يده التي تمسك بذقنها وشعر به بوضوح.
فارتفع أحد طرفي شفتيه في تلك الابتسامة الملتوية المألوفة.
ثم همس ساخراً:
“لم أكن أعلم أن التلصص هوايتكِ المفضلة.”
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.