الفصل 25: 25
25
الفصل الخامس والعشرون
انحنى بعمق دون أن يُشيح بنظره.
“أيها السيد الشاب.”
ثم رفع رأسه من جديد، وعلى شفتيه ابتسامة مشرقة.
ابتسامة مفعمة بالحياة، مختلفة تمامًا عن ابتسامتي.
ابتسامة قد تليق بتلك الفتاة أكثر مما ينبغي.
عندها فقط أدارت الفتاة رأسها نحوي ببطء.
وما إن وقعت عيناها عليّ حتى ارتسم فيهما اضطراب عميق.
آه… كان ذلك الارتجاف يروق لي كثيرًا في الماضي.
فلماذا يبدو بائسًا إلى هذا الحد اليوم؟
الآن فقط فهمت سبب استيائي المستمر منها، منذ أن وطئت هذه الضيعة، لم تكفّ تلك الطفلة عن إثارة ضيقي.
سواء بتجنبها الدائم لي، أو بانكشاف لقائها بذلك الفتى ذي الشعر الفضي. صحيح أنني سمعت تقارير عن الأمر من قبل، ولم يكن جديدًا عليّ لكن مزاجي ظل يزداد سوءًا.
فمشاهدة شيء بعيني تختلف تمامًا عن سماعه من الآخرين.
رفع كاسيان يده الملطخة باللون البنفسجي كأنها مخضبة بالدماء، ونفض إحدى البتلات إلى الأرض، ثم سحقها تحت قدمه بابتسامة ساخرة وتقدم بخطوات واثقة.
ولم تتوقف خطواته إلا عندما بلغ يوريسييل أو بالأحرى في المسافة الفاصلة بين هايل ويوريسييل .
ثبت نظره مباشرة على يوريسييل المتجمدة في مكانها وأغلق عليها كل منافذ الهرب حتى بات من المستحيل عليها أن تُشيح بنظرها.
“ما الذي أتى بالسيد الشاب إلى هنا…؟”
كان صوتها المرتجف رقيقًا كصوت والدتها وتلك الهشاشة النادرة في نبرتها لم تفعل سوى أن تزيد من استفزاز كاسيان.
“وهل أحتاج إلى إذن كي أتجول في أرضي؟”
“أنا آسفة.”
دائمًا… «أنا آسفة.» أو «شكرًا لك.» أو مجرد «نعم» و«لا».
إنها تبذل جهدًا صادقًا لإرضائي، لكنها لا تدرك كم تبدو متعجرفة في نظري رغم ذلك.
أدار كاسيان رأسه نحو الفتى ذي الشعر الفضي.
كانت هناك مقاومة جامدة في وقفته؛ عناد طفولي تقريبًا وهو يواجهه دون أن يطأطئ رأسه.
“أنت المسؤول عن تجهيز الحصان لسباق الموسم القادم، أليس كذلك؟”
“نعم، هذا صحيح.”
“وهل ليوبولد جاهز؟”
كان ليوبولد ثالث الخيول التي جلبها كاسيان معه.
بذلك العرف الكثيف ولمعانه المميز، كان من الممكن أن يُعامل كجوهرة ثمينة ويشارك في بطولات عديدة لو وُجد في مكان آخر.
لكن داخل آل بلانشيت، ظل لفترة طويلة مجرد حصان مهمل في الإسطبلات. فكاسيان لم يُبقِ إلى جواره سوى الخيول المفترسة التي تحصد المركز الأول أو الثاني دائمًا ولذلك كان طبيعيًا ألا يكون هايل قد ركز على إعداد هذا الحصان تحديدًا فحتى الخيول الاحتياطية كانت من مستوى الأبطال، ولم يكن لديه وقت للاهتمام بحصان ثالث خلال هذه الفترة المزدحمة.
“لا. نحن في ذروة الاستعدادات للسباق…”
“إذًا جهزه.”
“الآن…؟ تقصد فورًا؟”
أومأ كاسيان برأسه إيماءة خفيفة، وأثناء تأمله لابتسامة السيد الشاب الهادئة، أعاد هايل النظر في حكمه السابق.
بدا له هذا السيد الشاب خطيرًا على نحو غريب تمامًا كما قالت يوريسييل ذات مرة.
فالطريقة التي كان ينظر بها إليها لم تكن طبيعية أبدًا.
ومضت ومضة من القلق في ذهن هايل، لكنه سرعان ما تجاهلها.
‘لابد أنني أتخيل.’
فذلك السيد الشاب ينتمي إلى عالم بعيد كل البعد عن عالمهم.
ولم يعد كاسيان إلى غرفته بهدوء إلا بعد أن غادر هايل المكان.
وقد استمتع طوال الطريق بنظرات الحيرة التي كانت تلاحقه من يوريسييل، ما إن دخل غرفته حتى رفع يده مستدعيًا كبير الخدم.
وحين رأى الأخير آثار الصبغة البنفسجية تغطي يد كاسيان، شهق فزعًا وأسرع يأمر الخدم بتنظيفها.
وبينما تعالت الضجة حوله، ظل المتسبب فيها جالسًا بهدوء تام.
وبعد أن انسحب الجميع، استرخى كاسيان على مقعده بتكاسل.
وحين همّ كبير الخدم بالمغادرة، أشار إليه كاسيان بإصبعه.
اقترب الرجل على الفور.
وعندها قال كاسيان جملة جعلت الهواء يبرد فجأة:
“أليست ابنة اللورد فيلورد في عمر يوريسييل تقريبًا؟”
كانت السيدة فيلورد الهوية المزيفة التي تحملها يوريسييل.
‘لا تخبرني… هل ينوي فعل شيء لتلك الفتاة الآن؟’
حتى كبير الخدم نفسه، الذي كان صاحب هذه الخطة، لم يستطع إخفاء توتره.
“نعم، هذا صحيح.”
لكن الكلمات التالية خرجت بعيدة تمامًا عما توقعه.
“ألا تظن أن هايل وتلك الفتاة يبدوان مناسبين لبعضهما؟”
هايل والسيدة فيلورد؟
لم تخطر هذه الفكرة على باله ولو مرة.
ففي الواقع، لم يكن بينهما أي قاسم مشترك تقريبًا.
أحدهما شاب ثري من عامة الناس يتولى تنظيم فعاليات القرية.
والأخرى ابنة عائلة نبيلة من طبقة الفيكونت.
عالمان مختلفان تمامًا ومع ذلك كان يقترح جمعهما معًا؟
والأغرب من ذلك، كيف عرف السيد الشاب شيئًا عن السيدة فيلورد أصلًا وهو لم يلتق بها قط؟
تسارعت أفكار كبير الخدم.
‘هل ينوي تقديم هايل إليها؟’
ففي سوق الزيجات، كان الثري من عامة الناس وابنة الفيكونت يُعتبران تطابقًا جيدًا بل إن والدة هايل كانت مؤخرًا تبحث بالفعل عن عروس مناسبة لابنها.
وكان الجميع يعلمون بعلاقة هايل الوثيقة بيوريسييل لكن الزيجات نادرًا ما تُحسم بمشاعر أصحابها ومن الطبيعي أن فتاة فقيرة بلا نسب ولا مكانة لن ترضي السيدة كاثرين.
ولا شك أن تلك السيدة المتعجرفة، التي أظهرت امتعاضها من الشائعات، كانت قد بدأت ترتب أمورها بالفعل.
هايل ويوريسييل حتى دون رؤية النهاية، كانت واضحة منذ البداية.
أما السيدة فيلورد فستكون زوجة مثالية.
علاقة كهذه يستحيل على آل ألفونس الحصول عليها وحدهم.
وسيرحب بها الطرفان بلا شك وبصراحة، لم يكن كبير الخدم مهتمًا كثيرًا بالأمر، لكن فكرة نسب الفضل إليه أرضته.
“ذكرت والدة هايل قبل أيام أنها تلتقي بسماسرة زيجات عدة. ولو كانت السيدة فيلورد هي المرشحة، فستغمرها السعادة.”
ارتسمت ابتسامة ملتوية على شفتي كاسيان.
“أرسل هذا إلى منزلهم.”
ثم سلّمه ظرفًا أزرق، وكان ختم آل بلانشيت بارزًا بوضوح على الورق الفاخر.
مال كبير الخدم رأسه باستغراب فالظرف بدا وكأنه أُعد مسبقًا
. كلما فكر بالأمر ازداد حيرة.
لماذا يهتم وريث آل بلانشيت بترتيب أمر كهذا لعامة الناس؟
كان واثقًا أن النوايا هنا ليست بريئة على الإطلاق لكن بما أن الأمر سيعود بالنفع على الجميع، وسيمنحه بعض الفضل أيضًا، فقد تقبله بابتسامة واسعة.
“ما أروع اهتمامك حتى بهذه التفاصيل. السيدة أولغا والسيدة كاثرين ستسعدان للغاية.”
أما كاسيان فلم يبدِ أي اهتمام بالأسماء التي سمعها واكتفى بالنظر عبر النافذة فشعر كبير الخدم بالحرج، فانسحب مسرعًا.
راقب كاسيان ظهره وهو يتجه إلى البوابة الرئيسية مستدعيًا سائق العربة ثم مرر إصبعه على شفتيه.
تلك العادة التي تراوده كلما انتظر أمرًا مثيرًا للاهتمام.
ربما سيواصل ذلك الثنائي الودود، اللذان أمضيا وقتًا طويلًا معًا داخل تلك الدفيئة الجميلة، السير جنبًا إلى جنب في الأيام القادمة.
وإن كان الأمر كذلك فسأدعهم يرحلون بكل بساطة، دون ندم.
إن كان حبهما حقًا بذلك العمق، فلعلي أباركه بنفسي.
فأنا على وشك الموت على أي حال وسيكون من اللائق أن أُنهي الأمر كما يليق باسم بلانشيت، عمل خير أخير، كما اعتدنا دائمًا.
يكفي أن أمنح الحياة لوالدة تلك الفتاة مقابل هذه اللعبة الصغيرة.
في النهاية سأتحطم وأختفي من هذا العالم قريبًا لذلك لا يهم إن حصل هذان العاشقان التافهان على نهايتهما السعيدة.
وبالطبع، لا أنوي إعطاء الدواء دفعة واحدة. سأمنحه لها بجرعات ضئيلة فقط، بقدر ما يجعلها تتوق إليه وتحترق عطشًا.
يجب أن تشعر بذلك العطش الغريب الذي يلتهمني وأشد منه. حينها فقط ستتذكرني، وستنعي غيابي.
وربما أستطيع عندها دفن هذا الشعور القذر إلى الأبد.
بطبيعة الحال، هذه مجرد فرضية.
لليوم الذي يختار فيه ذلك الأحمق ذو الشعر الفضي الفتاة مرة أخرى فتلقي هي بنفسها بين ذراعيه كعادتها.
أرسم هذا المشهد اللعين في مخيلتي كأنني أكتب رواية بائسة.
لكن رغم أنني مؤلفها فأنا غير راضٍ عنها إطلاقًا.
تشابكت مشاعري كخيوط معقودة.
متجاهلًا ذلك الشعور الرمادي مجهول الاسم، التقط كاسيان كتابًا.
كان من تأليف الكاتب الذي يكافح مؤخرًا لإعادة كتابة الحبكة كاملة وفقًا لرغباته. وهذا الكتاب أيضًا كان من المفترض أن تقرأه هي بعد اكتماله، هذا إن اكتمل قبل موته.
أما إذا لم يكتمل فيمكن إرساله إلى منزلها ببساطة.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتي كاسيان.
ثم ضحك من نفسه لأنه يفكر في أمور حمقاء كهذه.
منذ متى أصبحت أهتم إلى هذا الحد بقصص حب العامة؟
لو رآني أحد الآن لظن أن تلك الفتاة هي حبيبتي، مع أن الحقيقة بعيدة كل البعد عن ذلك.
وكما أثبتت ردة فعل كبير الخدم قبل قليل فآل بلانشيت لا ينبغي لهم أصلًا أن يهتموا بمخلوقات ضئيلة كالنمل.
هكذا كان الأمر دائمًا وهكذا يجب أن يبقى.
إذًا… لماذا أنا…؟
وفي لحظة واحدة، حسم كاسيان أفكاره.
لأن الأمر يزعجني فحسب، وأكره غرورهم.
ذلك الوهم الذي يجعلهم يتصرفون وكأن حبهم الهش، الشبيه بالزجاج، سيدوم إلى الأبد مع أنه مقدر له أن يتحطم إلى شظايا.
وبالطبع، أعرف جيدًا أن ما أفعله بعيد كل البعد عن المنطق.
لكن ما العمل؟ فكما يعلم الجميع لا أنا ولا آل بلانشيت تظاهرنا يومًا بأننا سادة مهذبون، ليس بهذا الوجه اللعين.
أغلق كاسيان الكتاب بعد أن مرّ بعينيه سريعًا على السطور.
ثم أطبق جفنيه بقوة وحين فتحهما من جديد ظهرت أمامه صورة مألوفة، كانت الرسمة غير المكتملة التي رسمتها له يوريسييل.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.