الفصل 23: 23
23
الفصل الثالث والعشرون
“لحظة… أليس هذا الجناح المخصص للضيوف؟ وليس مساكن الخادمات؟”
لم تكن قد احتاجت يومًا إلى دخول مساكن الخدم بنفسها، لكن من خلال الشرح الذي قدمه لها كبير الخدم سابقًا، كانت تملك تصورًا عامًا عن توزيع القصر ولأن الخادمات كنّ دائمًا يتجهن إلى الجهة المقابلة، فمن المستحيل تقريبًا أن تكون قد أخطأت الطريق.
وفوق ذلك، فقد سبق لها أن مرت بهذا القصر عدة مرات، ولمحت أن الجناح الغربي تحديدًا يضم أكثر الغرف فخامة.
“أليس هذا جناح الضيوف؟”
“بلى، هو كذلك.”
أجاب كبير الخدم كعادته باقتضاب، مكتفيًا بالحد الأدنى من الكلمات، بينما واصل السير دون أن يبطئ خطاه.
كانت جين تمسك بيد يوريسييل بقوة وهي تتبع خلفه.
فضغطت يوريسييل برفق على يد والدتها التي بدا توترها واضحًا
أما عقلها فكان يغلي بالأسئلة.
‘ولِمَ جناح الضيوف؟’
ثم حاولت إقناع نفسها:
‘ربما توجد هنا غرف للخادمات أيضًا…’
لكن الشكوك كانت تتزايد مع كل خطوة ومنذ أيام وأفكارها تتشابك كالسلسلة الواحدة دون أن تنقطع.
لماذا استدعاها السيد الشاب إلى هذا القصر؟
لم تكن تملك أدنى فكرة فحتى بعد أيام من التفكير، لم تصل إلى أي إجابة، فكيف ستجدها الآن؟ وبناءً على تصرفاته المعتادة، لم تستطع إلا أن تفترض أنه أراد الاحتفاظ بلعبة مسلية قريبة منه كي يعذبها متى شاء. ولهذا على الأرجح اختار لها ولوالدتها أسوأ غرفة ممكنة، رسالة واضحة مفادها:
〘اعرفي مقامك.〙
كان الأمر محزنًا بعض الشيء، لكنها لم تكن تبالي.
فحتى أكثر الغرف انعزالًا وسوءًا في قصر اللورد، أو حتى غرفة ترفض الخادمات السكن فيها، كانت أفضل بما لا يقاس من بيتها السابق. أي مكان داخل هذا القصر أشبه بدفيئة دافئة.
على الأقل، لن ينهار السقف فوق رأسيهما كما كان يحدث في منزلهما المتهالك ولن ترتجفا من البرد كلما تعطلت المدفأة.
لكن الباب الذي توقف أمامه كبير الخدم لم يوحِ أبدًا بأنه باب غرفة مهملة بل كان يفيض بالفخامة.
باب صُنع بتقنية بانتيوم الشهيرة، أحدث صيحات الإمبراطورية
ومغطى بالكامل برقائق الذهب.
وقبل أن تستوعب الأمر، فتح كبير الخدم الباب على مصراعيه. كانت الغرفة واسعة، دافئة ومريحة، وفي الوقت نفسه كبيرة بما يكفي لشخصين. سرير يليق بأميرة، ومظلة بيضاء أنيقة، ومرآة رقيقة الصنع، وأريكة وثيرة تدعو المرء للاستلقاء عليها فورًا.
هكذا بالتأكيد تبدو غرفة ابنة أحد النبلاء.
صحيح أن يوريسييل لم ترَ يومًا غرفة فتاة نبيلة بعينيها.
لكنها كانت واثقة أن شكلها سيكون هكذا تمامًا.
أما والدتها، فكانت عاجزة عن إخفاء دهشتها هي الأخرى.
ظل كبير الخدم يشرح تفاصيل الغرفة لبعض الوقت لكن يوريسييل بالكاد سمعت شيئًا، كل شيء بدا غريبًا.
كانت سعيدة بالغرفة الجميلة وسعيدة لأن والدتها أعجبت بها
لكن شيئًا في أعماقها ظل يثير القلق.
‘هل أمر السيد الشاب بهذا؟’
هزت رأسها بسرعة.
مستحيل، ذلك السيد المتعالي لن يهتم بها إلى هذا الحد.
إحضارها هي ووالدتها إلى القصر أصلًا لا بد أنه مجرد نزوة عابرة
أو ربما أراد أن يذيقهما طعم الرفاهية قبل أن يسلبهما إياها.
وسط هذا المزيج المضطرب من المشاعر، أنهى كبير الخدم شرحه واستدار ثم قال:
“يمكنكما ترتيب أغراضكما على مهل. بعد ذلك ارتدي الملابس الموجودة في الخزانة واخرجي. السيد الشاب يطلب حضوركِ إلى المائدة.”
كانت الصيغة مهذبة.
‘يطلب حضوركِ.’
لكن يوريسييل كانت تعلم أكثر من أي شخص آخر أن الرفض ليس خيارًا.
هبط قلبها إلى قاع صدرها.
“وهل… يشمل ذلك والدتي أيضًا؟”
“لا. سيُرسل طعام والدتكِ إلى هنا بشكل منفصل، فلا داعي للقلق.”
تنفست الصعداء، فأسوأ مخاوفها لن تتحقق، لن تلتقي والدتها بكاسيان.
أومأت بهدوء.
كانت والدتها قد عارضت في البداية أي علاقة مع النبلاء الكبار.
لكنها هدأت قليلًا بعد سماع كلمات أهل القرية الطيبة عنه.
والحقيقة أن عدم امتلاكهما مكانًا آخر يذهبان إليه كان السبب الأكبر لتغير رأيها. ففي نظر جين، التي لا تعرف أنه هو من دمر منزلهما لم يكن كاسيان سوى محسن كريم أشفق على امرأة مريضة وابنتها المشردة أما يوريسييل فلم تصحح هذا الانطباع وتعمدت ألا تسمع والدتها الحقيقة لأنها كانت تعلم جيدًا أنه لو علمت والدتها بالأمر، فسوف ترفض هذا المأوى فورًا خوفًا عليها حتى وإن كانت بحاجة ماسة إلى الدفء والراحة من أجل صحتها.
لذلك كانت يوريسييل تتمنى بشدة ألا تلتقي والدتها بكاسيان أبدًا.
فهي تعلم جيدًا أن ذلك السيد الشاب المتقلب قادر على تحطيم حياتهما في لحظة واحدة. قد يبدو ساذجًا أن تأمل عدم تقاطعهما وهما يعيشان تحت سقف واحد لكنها فكرت ببساطة:
‘كم مرة يمكن أن نلتقي أصلًا؟’
فهو سيد القصر.
أما هي ووالدتها فمجرد ضيفتين غير مرغوب فيهما.
لكن لحظة الراحة القصيرة تلك تحطمت حين ظهر وجه كاسيان في ذهنها، ذلك الوجه الذي كان يحدق بها بصمت وتذكرت نفسها وهي تتوسل أمامه فارتجف جسدها تلقائيًا.
تنهدت بصمت وفتحت الخزانة.
داخلها كانت هناك عدة فساتين تصاميمها بسيطة لكن أقمشتها ونقوشها تشع بالأناقة، فساتين ترتديها فتيات النبلاء.
بالنسبة ليوريسييل كان منظرها خانقًا، كأنها رسالة أخرى تقول:
〘اعرفي مقامك. 〙
ومع ذلك رفعت ابتسامتها المعتادة إلى شفتيها.
لم يكن الأمر صعبًا فقد أعدت نفسها مسبقًا لما هو أسوأ بكثير.
طالما أنها تستطيع البقاء إلى جانب والدتها.
***
أُقيم الإفطار في القاعة المركزية وكان ذلك أمرًا غير مألوف.
فكاسيان، الذي اعتاد تناول وجباته في غرفته، حضر بنفسه إلى القاعة ولما سمع الطاهي الرئيسي بذلك الخبر، بذل جهدًا مضاعفًا في إعداد الطعام فمنذ أن تولى اللورد والليدي شخصيًا الاهتمام بوجبات السيد الشاب، لم يجرؤ على التراخي ولو للحظة.
وقبل وصول كاسيان بقليل دخلت فتاة شابة إلى القاعة وحدها.
رفع كبير الطهاة رأسه نحوها.
فتاة جميلة لكن آثار سوء التغذية لا تزال واضحة عليها.
وفجأة تذكر الثرثرة التي لم تتوقف زوجته عن ترديدها مؤخرًا.
“السيد الشاب صعب الإرضاء وقع أخيرًا في حب فتاة.”
“ستصبح محظيته قبل أن يموت على الأرجح.”
“مع كل الخادمات اللواتي يحاولن الحصول على قطرة من دم بلانشيت، كيف حالف الحظ تلك الشاردة؟”
“سمعت أن الخدم أحدثوا ضجة أيامًا كاملة وهم يجهزون غرفتها.”
في أوساط الخدم أصبحت الفتاة أشبه بمشهورة صغيرة لكن ليس بالمعنى الجيد. ولحسن الحظ، كانت جميلة بالفعل كما وصفتها الشائعات أما الفستان الذي ترتديه فمن الواضح أنه من اختيار سيد آل بلانشيت ويسحق كل تلك الضجة.
عاد كبير الطهاة إلى عمله سريعًا عندما سمع خطوات السيد الشاب تقترب ونهضت يوريسييل على الفور.
كان من الغريب رؤية كاسيان يمشي نحوها هكذا فهو عادة يجلس في مكانه فحسب. ودون أن تشعر، أطالت النظر إليه أكثر من المعتاد أما كاسيان فلم يصرف عينيه عنها أيضًا بل ظل يحدق بها لوقت طويل.
***
لطالما اعتقد أحيانًا أنها تشبه فتيات النبلاء لكن ليس إلى هذا الحد بل إنها تجاوزت توقعاته. لو رآها أولئك النبلاء الذين ينفقون ثرواتهم لرفع قيمة بناتهم في موسم الظهور الاجتماعي فربما أصيبوا بسكتة من الغيظ.
والمضحك أنه لم يختر لها حتى فستانًا بعناية، كل ما فعله أنه لمح فستانًا ظن أنه قد يناسبها ثم أمر بوضعه في خزانتها.
فتاة بعينين زمرديتين وملامح لطيفة.
اختيار عابر لا أكثر لكن اللورد بالغ في الأمر وملأ الخزانة بالملابس، قد ألقى نظرة عليها سابقًا. وكان واضحًا أن كل فستان اختير بعناية فائقة.
إذًا لماذا ارتدت الفستان الذي اختاره هو تحديدًا؟
ذلك الفستان الذي اختاره بأقل قدر من الاهتمام؟
هل اعتقدت أنه لا يهم، لأنها ستبدو جميلة بأي شيء؟
ضحكة جافة أفلتت منه، لكن الغريب أنه لم يشعر بالحاجة إلى سؤالها لأنه كان في مزاج جيد على غير العادة.
لقد مضى وقت طويل جدًا وسواء فعلت ذلك عمدًا أم بالمصادفة فإن رؤيتها ترتدي الفستان الذي اختاره منحته شعورًا غريبًا بالرضا لكن هل كان ذلك الفستان ضيقًا هكذا أصلًا؟
حتى رغم تصميمه المحتشم، كانت ملامح جسدها واضحة بما يكفي لجذب بصره نحو عنقها أما شعرها المرفوع بإحكام فلم يعجبه
لكن كاسيان قرر التغاضي عن ذلك اليوم لأنه ببساطة أعجبه مظهرها.
***
“سمعت أنك أردت رؤيتي.”
“من الآن فصاعدًا، ستتناولين الإفطار معي.”
“ماذا؟”
اتسعت عيناها الزمرديتان بدهشة وراحتا تتحركان كأرنب مذعور.
“احضري في الموعد المحدد.”
تجعد وجهها فورًا.
وكان واضحًا أنها لا تريد مشاركته الطعام إطلاقًا. إن كنتِ تكرهين الأمر إلى هذه الدرجة فعلى الأقل أخفي ذلك جيدًا.
لكن انزعاجه اختفى مباشرة عندما أجابت:
“مفهوم.”
كان الأمر مضحكًا مقارنة بالأيام التي كانت ترفضه فيها علنًا.
حتى الآن كان وجهها يصرخ بوضوح أنها تكره الفكرة ومع ذلك أطاعته بصمت وذلك كان مزعجًا ومُرضيًا في الوقت نفسه.
أومأ كاسيان دون تعليق إضافي.
وفي اللحظة المناسبة تمامًا، قُدمت المقبلات. كانت تحفة فنية بحد ذاتها، طبق تفوح منه رائحة البصل والزبدة والجبن وتحت طبقة الجبن الذائب اختبأ حساء غني بالنكهات.
اعتادت يوريسييل أن تكتفي بحساء بارد أو قطعة خبز يابسة لذلك اتسعت عيناها تلقائيًا، ومرة أخرى أدركت كم أن عالم النبلاء مختلف.
لم ترغب في تناول هذا الطعام الفاخر فتذوقه سيجعلها تعتاد عليه.
وسيجعلها تتعلق به، والاعتياد على المذاقات الغالية إغراء خطير.
كانت غرائزها كلها تصرخ مطالبة إياها بالابتعاد لكن أفكارها ذهبت إلى والدتها.
‘لابد أن أمي…’
تذكرت كلمات كبير الخدم:
〈”سيُرسل لها طعام منفصل.” 〉
لو استطاعت والدتها أن تأكل شيئًا بهذه الجودة ربما تتحسن حالتها أسرع.
وفي تلك الأثناء كان كاسيان يراقبها عن كثب، ملاحظًا أنها لم ترفع حتى ملعقة واحدة وتحت نظرته الثاقبة انحبس نفس يوريسييل مرة أخرى.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.