مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 22: 22نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 22: 22

22

الفصل الثاني والعشرون 

كان ذلك تصرفًا متهورًا، لكنه في الوقت نفسه منطقي فمثل هذا الأمر من شأنه أن يلطخ سمعة آل بلانشيت ويهز هيبتهم. صحيح أنه يمكن تنفيذه إذا استدعت الضرورة، لكن النبلاء قومٌ لا يفارقهم الجشع، مهما تزينوا بالشرف. وأنا أيضًا، ما دمت أحمل دم بلانشيت في عروقي، فلا بد أن أتصرف بما يليق باسم العائلة. 

لكن هذه الفتاة تدرك أمرًا وتجهل آخر. 

إن كان الشيء غير ممكن، فاجعله ممكنًا، بطريقة نبيلة في ظاهرها، خسيسة في حقيقتها، تمامًا كما يفعل أرستقراطيو العاصمة. 

***

“حقًا؟” 

ارتسمت على شفتي كاسيان ابتسامة خطيرة للحظة ثم قال: 

“يبدو أن منزلكِ لم يكن ضروريًا إلى هذه الدرجة كما ظننت. لقد أقلقت نفسي بلا داعٍ.” 

ابتلعت يوريسييل دموعها مرة أخرى. 

كانت كثيفة وثقيلة كأنها دمٌ يسيل في حلقها. 

لم يكن هناك ما هو أكثر حماقة من البكاء أمام هذا السيد الشاب الذي لم يفعل يومًا سوى الدوس على يأسها والآن فقط بدأت تفهم شيئًا. كان هذا الشاب يستفزها عمدًا، فقط ليستمتع برؤية دموعها البائسة أما هي، فلم تكن تنوي أن تؤدي دور المهرجة إرضاءً لرغباته لذلك قررت أن تتحمل قليلًا فقط، قليلًا آخر. 

لكن كلما صبرت أكثر، ازدادت صورة ذلك المنزل وضوحًا أمام عينيها. ذلك المنزل الذي ظل لسنوات طويلة يحميها هي ووالدتها. 

والذي لا بد أنه أصبح الآن مجرد حطام متناثر. 

منزلٌ شُيّد بالكدح والحرمان، أخشابه جُمعت بعدما كانت والدتها تجوع نفسها، موفرة حتى آخر قطعة خبز كي تدخر كل نحاسٍ تملكه، وطينه حصلت عليه بعدما ابتلعت كرامتها وطلبت المساعدة من والدة هايل، وألواحه الخشبية جاءت بعد أن عملت في الولائم، متحملة الشتائم ووصمة «الأجنبية الوقحة». 

كل جزء من ذلك المنزل كان مشبعًا بعرق والدتها ودموعها. وكان المنزل الذي شيّدته والدتها بيديها في أيام صحتها. 

منزلًا كانت تنظر إليه دائمًا بفخر حتى بعد مرضها، كانت تبتسم كلما وقع بصرها عليه كأنها تستعيد ذكرى نفسها القديمة، حين كانت ما تزال قوية ومعافاة لذلك لم يكن مجرد منزل. 

ومع ذلك، تحطم كل شيء فقط لأن وجودها صار وسيلة تسلية لهذا السيد الشاب. 

في تلك اللحظة، تحطم آخر ما تبقى من عزيمتها على الرفض. 

وغاص في أعماق قلبها. 

“أعده إليّ.” 

“أعيد ماذا؟” 

تشققت ملامح كاسيان الخزفية بشقوق دقيقة، كان يعلم تمامًا ما ستقوله بعد ذلك. ستطلب منه إعادة المنزل الذي هدمه وبالطبع لم يكن يملك أدنى نية لفعل ذلك ولا حتى بمقدار عرض ظفر خنصره. 

ومع ذلك، لم يشعر بأي رغبة في مقاطعتها لأنه كان يكره رؤيتها مرتاحة، يكره تلك النهاية التي تعيش فيها بسعادة وكأن ألمه وموته لا يعنيان لها شيئًا. 

وكعادته دائمًا كان يتحول إلى شخص حقير بصورة مدهشة كلما تعلق الأمر بهذه الفتاة. وكما توقع، قالت دون أن تحيد قيد أنملة: 

“ذلك المنزل هو كل ما تملكه عائلتي.” 

“…”

“أنا لست مثلك يا سيدي الشاب.” 

ارتجف صوتها بما يكفي ليوقظ الشفقة في أي إنسان. 

“ما تعتبره أنت مجرد لعبة…” 

وفي تلك اللحظة تذكر كلماتها الأولى يوم دخلت هذا المكان. 

‘إنها مسألة حياة أو موت.’ 

كانت ترتدي التعبير نفسه الآن، التعبير ذاته الذي ارتدته حين توسلت قطرة واحدة من عون آل بلانشيت. 

لكن كاسيان أجاب ببرود: 

“وماذا في ذلك؟” 

كان صوته خاليًا من أي اهتمام وكأنها أصبحت عبئًا مملاً. 

في تلك اللحظة شعرت يوريسييل أن آخر أمل لديها قد تحول إلى رماد. 

لطالما ظنت أن حياتها بائسة لكنها لم تشعر يومًا بهذا القدر من المهانة ماذا سيحدث لو سُحقت حتى أمنية والدتها الأخيرة؟ 

“أرجوك… أعده إلينا.” 

انهارت دموعها أخيرًا وتحطم ما تبقى من رباطة جأشها لكن كاسيان قال بلا اكتراث: 

“لقد أخبرتكِ من قبل. انتقلي للعيش هنا.” 

ورغم دموعها، ظل عقلها متيقظًا بما يكفي ليدرك مدى خبث ذلك العرض. مجرد دخولها إلى هذا المكان كان كافيًا لتجلب عليها المصائب واحدة تلو الأخرى. 

فماذا لو وقعت والدتها أيضًا في مرمى اهتمام هذا السيد الشاب؟ 

ماذا سيحدث لو خطت أمها داخل هذه القصر؟ 

هدأت دموعها الساخنة قليلًا وثبتت قدميها المرتجفتين ثم قالت: 

“إذًا… لم تكن تنوي إعادته أصلًا.” 

رفع كاسيان رأسه ببطء حين سمع صوتها الأجش. 

“سأستأذن بالانصراف.” 

بدت كلماتها مهذبة ظاهريًا لكنها حملت شيئًا من الكبرياء الخفي. 

“ماذا؟” 

قالها فجأة. 

“أتنوين التعلق بذلك الفتى ذو الشعر الفضي مجددًا؟” 

ما إن سمعت عبارة “الفتى ذو الشعر الفضي” حتى شحب وجهها. 

ارتجفت عيناها الداكنتان بلا هدف وغاص اللون الأخضر فيهما كالمستنقع. وفي الوقت نفسه ظهرت شقوق مماثلة على وجه كاسيان، في كل مرة يُذكر فيها ذلك الفتى، كانت تتصرف وكأنها أصيبت بنوبة. هل كان ذلك الفتى يشعر نحوها بالمثل؟ 

لو علم أن منزلها قد اختفى، هل سيعرض عليها منزله؟ 

ذلك المتفوق الأول، الجبان إلى حد العجز عن قول كلمة واحدة رغم معرفته بالحقيقة ومع ذلك كانت هذه الفتاة تحاول حمايته. 

كان الأمر مضحكًا إلى حد السخرية. فتاة عديمة القيمة كهذه كانت أفضل من ذلك الأحمق ذي الشعر الفضي بمراحل. 

“يبدو أنكِ تعتقدين أن ذلك الفتى سيساعدكِ.” 

ارتجفت يوريسييل بعنف. 

لم يكن اسم هايل شيئًا يحق لهذا السيد الشاب أن ينطقه. 

هل تورط هايل في هذه الفوضى بسببها؟ وفوق ذلك كيف عرف هذا الشاب اللامبالي أصلًا بعلاقتها بهايل؟ 

اجتاحها الخوف ومعه شعور خانق بالخزي، كما قال كاسيان تمامًا الشخص الوحيد في هذه القرية الذي قد يساعدها، أو حتى يمنحها مأوى، هو هايل لكن هايل… 

بالطبع لم يكن كاسيان يعلم التفاصيل ومع ذلك شعرت وكأن أكثر أسرارها خزيًا قد كُشف أمامه. 

وأخيرًا تحولت رجفتها إلى غضب. 

“أليس هذا أمرًا لا يعنيك يا سيدي الشاب؟” 

اتسعت ابتسامته على الفور. 

“بالتأكيد لا يعنيني.” 

كانت ابتسامته الرمادية القاسية كافية لترسل قشعريرة عبر جسدها ثم أخرج شيئًا من جيبه وألقاه على الطاولة بلا مبالاة. 

طَق. 

تدحرجت قارورة زجاجية صغيرة. 

وفي داخلها استقرت حبة ذهبية لامعة. 

“ما هذا؟” 

“أليس هذا ما كنتِ تركضين خلفه بيأس؟” 

ارتجفت عيناها وهي تحدقان في القارورة. 

“إذًا… هذا الدواء مصنوع من عشبة ليف؟” 

“…”

“كيف حصلت عليه يا سيدي الشاب؟” 

تحركت يدها دون وعي نحو القارورة لكن كاسيان، الذي كان يراقبها عن كثب، وضع قدمه فوق الزجاجة مباشرة. 

وعلى وجهه ابتسامة قاسية كاملة. ثم قال: 

“أخيرًا حصلت على اهتمامكِ.” 

وأخيرًا انهارت الفتاة تمامًا كما أراد، جثت أمامه، توسلت لكنها هذه المرة لم تطلب استعادة منزلها بل قالت إنها ستفعل أي شيء. أي شيء على الإطلاق وشعر برضا غريب يتسلل إليه. 

ما أهمية أن تدخل تلك الفتاة أو تغادر؟ 

حتى هو نفسه وجد الأمر مثيرًا للسخرية. 

أن تتقلب حالته النفسية بسبب شخص تافه كهذا. 

على أي حال قريبًا ستعيش تحت السقف ذاته معه ولن تجرؤ على مغادرة القصر دون إذنه أما دواء والدتها فسيُعطى بجرعات محددة، جرعة واحدة كل شهر. 

وسيستمر الأمر هكذا حتى تموت والدتها، وبعد ذلك؟ 

حسنًا… حتى يحين ذلك الوقت، ستظل تلك الابنة البارة ترقص وفق النغمة التي يعزفها والغريب أن ذلك كان يرضيه. 

***

بعد أيام قليلة فقط، انتقلت الأم وابنتها إلى قصر اللورد 

حتى كاسيان، الذي أغلق كتابًا فقد اهتمامه به والتفت نحو الحديقة، لمح وصولهما. ومن خلف النافذة رأى الاثنتين تعبران الحديقة بأمتعتهما البسيطة. وكان المشهد أشبه بلوحة مرسومة. 

لو أراد أحدهم رسم عائلة مثالية من قصص الخيال لرسم صورة مشابهة تمامًا. 

حتى بعد فقدان منزلها كانت والدة يوريسييل تبتسم بذلك الإشراق الدافئ وكانت تعدل ملابس ابنتها بحنان. 

دفءٌ أمكن الشعور به حتى من مسافة بعيدة. 

أما ابتسامتها الخافتة فكانت مطابقة تقريبًا لابتسامة يوريسييل. وذلك طبيعي، فهما أم وابنتها. 

لكن ما أثار دهشته حقًا كان يوريسييل نفسها. 

الفتاة التي كانت أمامه كدمية بلا تعابير، كانت تضحك وتتحدث بحرية كاملة أمام أمها. 

صحيح أنها فعلت الشيء ذاته أمام ذلك الفتى الفضي الشعر لكن الأمر بدا مختلفًا هذه المرة ولسبب لا يفهمه أرضاه ذلك قليلًا. 

وبينما كان غارقًا في أفكاره، واصل الخادم الأكبر تقريره: 

“تم تجهيز كل شيء وفق أوامرك. أما الأثاث الداخلي فاخترنا مجموعة كاساندرا بدرجات الأبيض مع لمسات وردية. والثريا…” 

وخلال حديثه، كان الخادم يلقي نظرات جانبية متكررة على كاسيان فعادةً لم يكن هذا السيد الشاب يبدي أي اهتمام بأمور الآخرين لكن هذه المرة كان مختلفًا بشكل واضح بل إنه بالأمس، أثناء مروره في الحديقة، توقف للحظة أمام الغرفة المخصصة لها ونظر إلى الداخل متظاهرًا باللامبالاة. 

كانت لحظة قصيرة جدًا لكن الخادم عرف جيدًا مدى غرابة ذلك. فهذا الشاب بالذات كان أبعد الناس عن الاهتمام بأي شيء في العالم والأغرب من ذلك… 

أنه استمع بصمت إلى تفاصيل العناية التي بذلها اللورد والليدي شخصيًا في تجهيز الغرفة ومع ذلك بقي وجهه باردًا كأن الأمر لا يعنيه أصلًا. 

هل بدأ اهتمامه يخبو بالفعل؟ 

ثم هز الخادم رأسه داخليًا. في الحقيقة مجرد استمرار اهتمام هذا السيد الشاب كل هذه المدة كان أمرًا غير مألوف أصلًا. 

أكمل تقريره حتى النهاية ولم يقاطعه كاسيان. 

وعندما انتهى، قال فقط: 

“هذا يكفي.” 

لا مدح، ولا شكر، مجرد تقييم مقتضب لكن طوال ذلك الوقت لم يرفع عينيه عن يوريسييل وفجأة التقت نظراتهما. عينان خضراوان ارتفعتا نحوه ثم ما لبثتا أن هربتا بسرعة كأنهما تفران منه. 

‘أتجرؤين؟’ 

أطلق كاسيان ضحكة منخفضة، لم يعد الأمر مضحكًا حتى. 

هل تعتقد حقًا أنها تستطيع تجنبه بعد دخولها هذا القصر؟ 

تحولت ضحكته سريعًا إلى ابتسامة ماكرة وفي اللحظة نفسها 

ابتلع الخادم ريقه بعصبية بعدما لمح تلك الابتسامة. 

ثم قال كاسيان: 

“أرسلها إليّ بعد أن تستقر.” 

“عفوًا؟ آه… تقصد الآنسة يوريسييل؟” 

وكعادته دائمًا اكتفى السيد الشاب المتعجرف بإيماءة قصيرة بدل الإجابة. 

***

الخادم الذي استقبل الأم وابنتها سلّم مهمته سريعًا للخادم الأكبر ثم اختفى. وأثناء سيرها في الممرات خلف الخادم الأكبر لم تستطع يوريسييل إخفاء دهشتها المتزايدة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.