مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 21: 21نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 21: 21

21

الفصل الواحد والعشرون 

تلقّى كاسيان تقرير كبير الخدم بأن يوريسييل ترغب في مقابلته، فاكتفى بإطلاق سخرية خافتة. 

“أدخلوها.” 

مال كبير الخدم رأسه بحيرة، وفي الحقيقة، لم يعد قادرًا على فهم ما يدور في عقل هذا السيد الشاب أصلًا فهو نفسه من أصدر فجأة أمر هدم المنزل. 

ذلك البيت المهمل البائس الواقع في زاوية لا يلتفت إليها أحد. لماذا أصرّ على هدمه؟ خصوصًا وهو يعلم جيدًا أن الفتاة تقيم فيه. 

فمنذ عدة أيام، كان يتلقى تقارير يومية عن كل ما يحدث قرب ذلك المنزل، وعن تحركات الفتاة بالتفصيل بل إن السيد الشاب كان يتبعها بنفسه أحيانًا. 

كان يتعمّد أن تسلك العربة الأزقة الخلفية كي لا تتقاطع الطرق مع مكان عملها، الأمر الذي جعل السائق يتذمر باستمرار. 

ومع ذلك، لم يكن يفعل شيئًا سوى مراقبتها من بعيد. 

يبقى واقفًا يحدّق فيها طويلًا بوجه خالٍ من التعبير، ثم يعود بصمت إلى حيث أتى. وقد تكرر هذا التصرف الغريب مرات عديدة ولم يكن هذا كل شيء فاليوم أيضًا، حصل بنفسه على الشيء الذي كانت الفتاة تتوق إليه بشدة، ذلك الشيء الذي أمر بإحضاره، دواء أمها. 

فكيف يمكنه بعد ذلك أن يأمر بهدم منزلها؟ 

حين سمع الأمر أول مرة، ظن كبير الخدم أنه أخطأ السمع. 

أن يأمر بهدم منزل فتاة تعيش وحدها مع أم تحتضر، وهي المعيلة الوحيدة للأسرة كان ذلك أشبه بأن يقول لها: 

〘اخرجي إلى الشارع وموتي هناك.〙 

صحيح أن النبلاء يستطيعون سحق عامة الناس كما تسحق الحشرات إن أرادوا، لكنهم في العادة يتجاهلونهم فحسب. 

أما أن يحيط أحدهم شخصًا بكل هذا القدر من الاهتمام، ثم يدفعه عمدًا إلى اليأس بهذه الدقة القاسية فذلك أمر مختلف تمامًا. 

تساءل إن كانت الفتاة قد ارتكبت خطيئة عظيمة فعلًا. 

لكن إن كان الأمر كذلك، فلماذا أمر بإحضار ذلك الدواء أصلًا؟ والأغرب من ذلك كله كان سلوك السيد الشاب بعد اختفاء الفتاة. فمنذ رحيلها، كان يطرد أي خادم يُكلَّف بخدمته خلال أقل من ساعة وكأنه لا يقبل بوجود أحد إلى جانبه سوى تلك الفتاة وبسبب ذلك، لم يتوقف اللورد عن توبيخ كبير الخدم، كما أنه واجه متاعب لا حصر لها في إيجاد خدم جدد. 

وبصراحة من وجهة نظره، كان عودة يوريسييل أمرًا مريحًا. 

لكن بعد أن رأى دموعها بنفسه، لم يستطع إلا أن يهز رأسه. 

كيف يمكن لإنسان أن يكون بهذه القسوة؟ 

شعر للحظة بشفقة تجاه يوريسييل، غير أن خلف تلك الشفقة اختبأ ارتياح خافت أيضًا ولحسن الحظ لم يكن هو فريسة السيد الشاب. 

فمجرد تذكر تلك النظرة المرعبة التي حدّق بها فيه ذات يوم، والطريقة التي أمسك بها ياقة ثوبه، كان كافيًا ليطارده الكابوس ليلًا لذلك أسعده أن يوجد هدف آخر غيره. 

وفي هذا اليوم أيضًا، قدّم كبير الخدم الهدف المناسب أمام سيده الشاب، ثم انسحب مسرعًا. 

***

يوريسييل 

كما توقع تمامًا، ها هي تزحف عائدة أمامه بالملامح نفسها التي كانت ترتديها يوم غادرت هذا القصر. 

تلك العينان اللتان لا تزالان عالقتين في ذاكرته، العينان اللتان سألتاه يومها كيف يجرؤ على السخرية منها بينما كان يعلم كل شيء عن ذلك الدجال. 

وكذلك صورة دموعها التي انهمرت أمامه بلا تحفظ. 

كانت قد أقسمت أنها لن تعود أبدًا. 

‘أرأيتِ؟ في النهاية عدتِ تزحفين إليّ.’ 

ورغم ارتجاف شفتيها الخفيف، ظلت تحدق فيه بثبات. 

تلك النظرة المتمردة منذ البداية، النظرة التي كانت تثير أعصابه دومًا، ثم تعود لتطارده في أفكاره. 

هل ستظل دائمًا تقف أمامه هكذا؟ 

ترتجف لكنها لا تُنزل عينيها عنه؟ 

وكما اعتاد منها، فقد جاءت اليوم أيضًا إلى قدميه ثم تجرأت على دخول أرضه والوقوف في وجهه. 

“كيف يمكنك أن تصدر أمرًا سخيفًا كهذا؟” 

كان وجهها متجهمًا من شدة الغضب، واضحًا أنها مستاءة للغاية من أمر هدم ذلك المنزل الذي كانت تكرهه في الأصل. 

حسنًا بالطبع ستغضب، فهو هدمه لهذا السبب تحديدًا. 

خلال الأيام الماضية، كان يراقب تلك الفتاة عن كثب. 

كانت منهكة من سعيها المستمر لإنقاذ أمها حتى إن جسدها أصبح نحيلًا وجافًا بصورة مقلقة أما وجهها الخالي من التعبير، فكان يلين أحيانًا بابتسامة خفيفة للغاية وذلك فقط حين يكون ذلك الفتى، هايل، بقربها. تلك الابتسامة البيضاء النقية التي لم يرها منه من قبل وذلك الاحمرار الرقيق الذي كان يعلو شفتيها. 

كانت جميلة حقًا. 

وكذلك تصرف عامل الإسطبل الذي أحضر لها طبيبًا بكل إخلاص وكأنه يرد لها جميلًا عظيمًا، وقد أثار ذلك أعصابه بطبيعة الحال. كان بإمكانه ببساطة أن يشيح بنظره عن شيء يزعجه لكن بدلًا من ذلك ظل يلاحقها بنفسه، يبحث عمدًا عما يثير ضيقه. كشخص يتخبط بلا حول ولا قوة تحت وطأة عطش لا يُروى. كلما فكر بالأمر الآن وجد أنه لا يوجد منحرف أكبر منه. 

وها هو اليوم، لإشباع ذلك العطش مجددًا، يرتكب فعلًا معقدًا لا داعي له مرة أخرى. وبالطبع لن تُمس نبالة بلانشيت بأي سوء فاللورد هو من سيتحمل اللوم كله. 

دخلت الفتاة مجال رؤيته، كانت واقفة باستقامة، تنظر إليه مباشرة. هل سألته قبل قليل كيف يستطيع فعل شيء كهذا؟ 

‘كل هذا بسببكِ أنتِ.’ 

طالما بقيت في هذه البقعة النائية المسماة ألفونس، فإنها عمليًا تحت سلطة بلانشيت ومع ذلك تجرأت تلك الفتاة البائسة على إغضابه داخل أرضه. 

لو أنها هربت من هذه الغرفة يومها لكان عليها أن تواصل الهرب دون أن تلتفت خلفها، لا أن تعيش مبتسمة وكأن السعادة موجودة في مكان آخر غير جانبه. 

“ألم ينقل لكِ مساعدي الأمر جيدًا؟ ذلك الكوخ البائس كان يفسد منظر القرية.” 

انفرجت شفتا الفتاة ببطء وكأنها سمعت شيئًا لا يُصدق. 

“إذًا… أنت تخبرني أنك هدمته فقط لأن منظره لا يعجبك؟” 

ارتجف صوت يوريسييل في نهايته بوضوح مؤلم. 

“ولماذا تلومينني؟ لا بد أن اللورد هو من أصدر الأمر.” 

“اللورد لا يهتم بمثل هذه الأمور.” 

ألقى كاسيان الكتاب الذي كان يقرأه جانبًا كما لو كان شيئًا لا قيمة له، راقبته يوريسييل وهو يفعل ذلك، بينما كانت تعض شفتها بقوة حتى بدا وكأنها ستنزف. 

“ربما تحمل ضغينة خفية ضدي، لكن أرجوك… أوقف هذا.” 

“ولماذا أفعل؟” 

“سيدي الشاب!” 

كلما نفدت منها الحجج، كانت تصرخ بهذه العبارة. 

«سيدي الشاب!» 

وكان وقعها على أذنيه جميلًا على نحو مدهش كأنها نغمة صافية خرجت من أوركسترا شهيرة ولأن منظرها وهي تكاد تبكي كان ساحرًا إلى هذه الدرجة، تركها للحظة. 

لكن جسدها النحيل ترنح فجأة واستدار مبتعدًا. 

“إلى أين تذهبين؟ ليس لديكِ مكان تذهبين إليه أصلًا.” 

كان صوته الساخر ثابتًا وصلبًا كالحجر على النقيض تمامًا من صوت يوريسييل المرتجف. وكانت ابتسامته الساخرة واضحة على وجهه دون أي محاولة لإخفائها. 

تجمدت يوريسييل في مكانها. 

كيف يمكن لإنسان أن يكون هكذا؟ يسحق حياة شخص آخر بالكامل ثم يضحك كما لو كان الأمر مزحة مسلية. 

هذا السيد الشاب… 

‘شيطان يرتدي وجه ملاك.’ 

لم تجد وصفًا أنسب منه. 

ما كان ينبغي لها أن تلتقي بهذا الرجل أبدًا. 

لقد اندفعت نحوه بعينين معصوبتين بالأمل، أمل شفاء أمها. 

ولو لم تفعل لما أصبحت الأيام الأخيرة من حياة أمها بهذا البؤس. ولذلك شعرت أن الذنب كله يقع على عاتقها وامتلأت عيناها بالدموع من جديد لكنها شدّت ساقيها المرتجفتين بكل ما تملك من قوة بدافع آخر ما تبقى لها من كبرياء. 

فهي ترفض أن يرى ذلك السيد اللعين هذا المنظر البائس. 

“سأغادر إلى أي مكان آخر. ففي النهاية أنت من دمر منزلي.” 

“يا للعجب. بصفتي أحد أفراد بلانشيت، لا يمكنني تجاهل حال عامية فقيرة تعاني هكذا.” 

ابتسم كاسيان ابتسامة مستفزة للغاية بينما كانت تحدق فيه بعدم تصديق ثم قال: 

“أقيمي هنا.” 

“ماذا قلت؟” 

اتسعت عيناها ببطء وكأنها تشك في أنها سمعت خطأ. 

“قلت، ابقي هنا.” 

تجعد فستان يوريسييل بين أصابعها مجددًا. 

بعد أن هدم منزلها بكل تلك القسوة يعرض عليها الآن المأوى وكأنه يمنّ عليها بصدقة. 

“هل تجد هذا الموقف مضحكًا يا سيدي الشاب؟” 

نظر كاسيان عبر النافذة دون أن يكلف نفسه حتى عناء النظر إليها 

وكان وجهه جافًا إلى أبعد حد. 

“جدًا.” 

لوهلة، كادت يوريسييل تختنق من الغضب. 

صحيح أنه لا يوجد مكان آخر تلجأ إليه الآن لكن كبرياءها طغى على الواقع في تلك اللحظة. 

“سأعتبر أنني لم أسمع هذا العرض.” 

ارتفع أحد حاجبي كاسيان بوضوح وكأنه تلقى إهانة. 

وتحولت ابتسامته، التي كانت تشبه ملاكًا ساقطًا، فورًا إلى ابتسامة شيطان نبيل. 

تغير طفيف جدًا لكنه كان كافيًا لإشعال غضب يوريسييل أكثر. 

فمن ينظر إلى وجهه يظن أن الأدوار انعكست وكأن الضحية والجاني قد تبادلا الأماكن. لكنها لم تستطع التعبير عن ذلك 

فلم تكن تملك الجرأة لتصرخ في وجه وريث بلانشيت بسبب أمر كهذا أما كاسيان، فعاد وجهه إلى بروده المعتاد. 

ثم قال بصوت متعالٍ ومتعجرف: 

“وهل تظنين أنني بحاجة إلى رأيكِ أصلًا؟” 

تردد صوته في أرجاء الغرفة ذلك الصوت المزعج حتى بالنسبة له شخصيًا، الصوت الذي يشبه صوت والده البغيض إلى حد التطابق. 

تذكر فجأة كيف ذكر والده ذات مرة قصة حب قديمة جمعته بامرأة جميلة وكانت والدته تسميها «نزوة صبا» لكن الجميع كان يعلم أنها لم تكن كذلك فكيف يمكن أن تكون مجرد نزوة؟ 

امرأة بقيت في قلب رجل أكثر مما بقيت زوجته التي عاش معها عقودًا. ربما كانت الحب الأول لكنها بالتأكيد لم تكن نزوة عابرة. وتلك الحبيبة الأولى الشهيرة، التي كانت قادرة على تفريغ عيني والده المتعجرف من الحياة هل كان وجهها يشبه وجه هذه الفتاة؟ 

في الماضي، شارك والدته استياءها من والده أما الآن فبدا له ذلك الاستياء مثيرًا للسخرية. 

ما الذي يختلف فيه عن أبيه أصلًا؟ 

لا، هو مختلف تمامًا. 

فهو سيموت قبل أن يختبر تلك المشاعر اللعينة التي عانى منها والده. 

وزوجته المستقبلية المرموقة، التي ربما تقضي حياتها الآن داخل دير ما لن تبكي عليه بل ستشعر بالارتياح. ومن هذه الناحية كان حرًا في أن يعيش كما يشاء فالوقت المتبقي له محدود. 

ولهذا لم يكن رأيها مهمًا منذ البداية لقد أصدر أمرًا ولم يطلب موافقتها. 

أمثالكِ لا يليق بهم سوى البكاء، والحزن، والنحيب كما أشاء أنا. 

كان عليكِ أن ترثي العمر القصير الذي لم يتبقَّ لي منه إلا القليل. 

لا أن تُحصي الأيام المشرقة المتبقية لكِ، ولا أن ترسمي خططًا لمستقبلٍ ينتظركِ. 

أريدكِ أن تبقي أسيرة الماضي، إلى الأبد. 

بالطبع، كان يعلم أن ذلك لن يحدث ومع ذلك كان عليه أن يحاول طالما أنه ما زال حيًا لكن عندها— 

“مهما كنتَ السيد الشاب لعائلة بلانشيت لا يمكنك أن تجبرني على البقاء هنا بالقوة.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.