مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 20: 20نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 20: 20

20

الفصل العشرون 

في صباح اليوم التالي، استيقظت يوريسييل وانطلقت، بإلحاحٍ من والدتها، لتشكر هايل. كانت تحمل في يديها حزمةً من الأسماك المتدلية ورغم أنها لم تكن سوى أسماكٍ عادية في منزل هايل، فإنها كانت تُعدّ طعامًا فاخرًا ونادرًا في بيت يوريسييل ولأن والدتها كانت تتذكر كيف كان هايل يلتهم كل طبقٍ من السمك يُقدَّم له عندما يزورهم، فقد أرادت أن تهديه هذا القدر على الأقل. 

في الحقيقة، لو رأت عائلة هايل هذه الهدية، فربما وجدوها مثيرةً للسخرية وقد تلقي تلك السيدة بها مباشرةً في سلة المهملات لكن يوريسييل، مدركةً صدق نية والدتها، لم تحاول الاعتراض أكثر. سارت عبر الزقاق الخاوي المعتاد، واجتازت الميناء وهناك ناداها العم براون. 

“إلى أين أنتِ ذاهبة في هذا الوقت؟” 

كان براون واحدًا من قلائل البالغين الذين اعتادوا منح يوريسييل بعض النقود الإضافية بل في الحقيقة، كان الرجل الوحيد في القرية الذي اعتنى بها منذ طفولتها. ورغم أنه كان يرتدي الملابس نفسها كل يوم، حتى لُقِّب بالبخيل، فإن الأجر الذي كان يمنحها إياه حمل دائمًا دفئًا خشنًا وصادقًا. جزء من ذلك لأنه كان يرى فيها صورة ابنته، وجزء آخر لأنه كان يشفق على طفلة صغيرة تركض وحدها لإنجاز الأعمال فلو كانت ابنته ما تزال على قيد الحياة، لكانت في مثل عمر يوريسييل. وعندما شُخِّصت ابنته بمرضٍ عضال وابتعد الجميع عنه، كانت يوريسييل الوحيدة التي واصلت العمل في متجره كالمعتاد أما يوريسييل، فكانت ممتنة دائمًا لطيبة العم براون، لكنها لم تنجح يومًا في التعبير عن ذلك بالكلمات ولهذا، بينما كانت ستكتفي بقول إنها ذاهبة لقضاء أمرٍ ما لو سألها شخص آخر، أجابته هذه المرة بتفصيلٍ أكبر قليلًا. 

“أنا فقط… ذاهبة لرؤية هايل.” 

“هايل؟ ذاك الفتى؟ لقد رأيته قبل قليل يسلك ذلك الشارع مع شخصٍ يرتدي نظارة بإطارٍ ذهبي.” 

“نظارة بإطارٍ ذهبي؟” 

“أجل. آه، لا تقلقي، ليست امرأة.” 

“عمي!” 

ضحك العم براون وهو يرمي إليها بتلك المزحة العابثة، ثم لوّح بيده واختفى، بل وأخبرها أنه لا بأس إن تأخرت قليلًا عن العمل اليوم. 

هزّت يوريسييل رأسها وأسرعت نحو الشارع الذي أشار إليه. 

نظارة بإطارٍ ذهبي… سرعان ما مرّ في ذهنها وجه الطبيب الشاحب الذي زارهم بالأمس. 

‘على الأرجح لا يوجد في هذه القرية كلها من يرتدي نظارة كهذه سواه…’ 

تساءلت لماذا يلتقي به هايل في هذا الوقت المبكر، ثم أدركت أنه لا يوجد ما يدعو للاستغراب. 

فمن الطبيعي أن يكرم ضيفًا هو من استدعاه بنفسه. 

واصلت السير دون تفكير، حتى وصلت إلى الشارع الذي تصطف فيه المقاهي الحديثة وهناك تباطأت خطواتها ثم توقفت تمامًا أمام مقهى هاردين، الأعلى بين تلك المباني. وكما توقعت، كان الشخص الذي رافقه هايل منذ الصباح هو الطبيب نفسه وبمجرد أن رأته بعينيها، عادت إليها ذكريات الأمس دفعةً واحدة، فهبط قلبها إلى القاع فمهما تكرر سماعها للتشخيص، لم يكن من الممكن التعود على سماع حكم الموت. 

ومجرد التفكير بأن والدتها تشعر بالأمر نفسه زاد كآبتها. 

أخذت نفسًا عميقًا، وحاولت ترتيب ملامحها قبل أن تقترب منهما لكن وجه هايل بدا جادًا بصورة غير مألوفة. 

‘عمّ يتحدثان بهذه الجدية؟’ 

كان الجو بينهما مثقلًا إلى درجة خانقة لذلك تسللت بهدوء إلى مقعد خلفهما. 

كان المقهى مزدحمًا بالسياح الذين تجمعوا منذ الصباح لتناول وجبة الفطور المتأخرة، ولم ينتبه أيٌّ منهما إلى وجودها وهكذا تسللت كلماتهما إلى أذنيها. 

“إذًا… هناك أمل إذا وُجد ذلك الدواء؟” 

ذلك الدواء؟ 

“نعم.” 

“إذًا لماذا لم تذكره بالأمس؟ أرجوك، ساعدني في الحصول عليه. أتوسل إليك.” 

الأمس؟ إذًا إنهما يتحدثان عن دواء والدتها. 

هوى قلب يوريسييل إلى القاع. 

“الأمر هو…” 

“ما المشكلة؟” 

“إنه يُصنع من ورقة نبات لا تنبت إلا في إمبراطورية هارت البعيدة، وحتى هناك فهي نادرة للغاية. بالنسبة لأشخاص عاديين مثلنا، يكاد الحصول عليها يكون مستحيلًا.” 

“لكن هذا يعني أن هناك طريقة، أليس كذلك؟” 

“سمعت أن الصيدلية الإمبراطورية حصلت مؤخرًا على واحدة منها لأغراضٍ بحثية، لكنهم أنفقوا عليها تمويلًا هائلًا حوالي عشرة بانتيونات من العملة الإمبراطورية.” 

بعد ذلك لم تسمع يوريسييل شيئًا آخر. 

عشرة بانتيونات؟ كان مبلغًا يفوق قدرة أغنى عائلة في قرية مثل قرية هايل. وبالطبع، لو كان هايل نفسه أو أحد أفراد أسرته على وشك الموت، فقد يتمكنون من تدبيره لكن وهي تحدق في ظهر هايل العاجز عن النطق بكلمة أخرى، نهضت يوريسييل بصمت. انعكس وجهها الرمادي الشاحب على نوافذ المقهى المزخرفة. 

***

بعد ذلك عادت إلى متجر العم براون كعادتها وعادت إلى عجن العجين وقلب المعجنات. لاحظ العم براون وجهها الخالي من التعبير، فسألها بقلق. فابتسمت ابتسامة مصطنعة وأخبرته أنها بخير 

فتوقف عن السؤال، ودسّ بعض الطعام في يديها، 

قائلًا إنها تحتاج إلى القوة وإن عليها أن تستريح قليلًا لكن يوريسييل ألقت بنفسها في العمل بعناد أكبر فقط عندما تنشغل تستطيع منع أفكار ذلك الدواء من العودة. 

في الحقيقة، كان ينبغي عليها أن تطمئن هايل وتخبره أن الأمر لا بأس به، وألا يقلق لكن هل تستطيع حقًا قول ذلك بسهولة؟ 

تنهدت بعمق وكالآلة، كررت أعمالها المعتادة. تنقلت من مكان إلى آخر، عملت ثم عملت أكثر وخلال ذلك ارتكبت أخطاءً لم تكن لترتكبها عادةً. 

‘يا لي من حمقاء.’ 

شقّ جرح صغير إصبعها، فصبغه باللون الأحمر وبينما تنظف الفوضى وتوبخ نفسها مرارًا، حلّ الليل دون أن تشعر. 

خرجت من المتجر، فوجدت هايل ينتظرها كالمعتاد. ما إن رأته حتى رسمت على وجهها تعبيرًا هادئًا، وكأنها لم تسمع شيئًا في ذلك المقهى لكن عندما التفت إليها، كان وجه هايل شاحبًا على نحوٍ لا يوصف. 

آه… لا بد أنه بسبب ذلك الأمر. 

كان يبدو كرجل عاد للتو من جنازة. 

“هل ذهبتِ إلى مقهى هاردين؟” 

مدّ إليها حزمة الأسماك. 

“آه…” 

لابد أنه وجدها هناك صباحًا وتعرف عليها فورًا من طريقة ربطها. 

“نعم. أمي طلبت مني أن أحضرها لك.” 

“إذًا لماذا لم تقولي شيئًا عندما رأيتِني؟” 

ترددت يوريسييل لحظة، هل تخبره بأنها سمعت حديثه صدفة؟ 

كان ينبغي أن تقول له ألا يقلق بشأن أمر الأمس لكن حياة والدتها كانت على المحك، والكلمات رفضت الخروج. 

“هل… سمعتِ شيئًا هناك؟” 

ارتجفت عيناه المليئتان بالقلق بلا هدف فنظرت إليه وارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة. 

“لا. بدوت منشغلًا جدًا، لذلك تركتها هناك وعدت.” 

أطلق هايل زفرة ارتياح واضحة، ثم غيّر الموضوع بسرعة وجارته يوريسييل في الحديث كما لو أنها لم تسمع شيئًا وسارا معًا إلى المنزل بهدوء كالمعتاد. 

***

مرت الأيام وبقيت العلاقة بين هايل ويوريسييل كما هي أما ذلك الحديث فقد اختفى تمامًا بينهما. وكان الأمر مختلفًا عما توقعته يوريسييل فقد ظنت أن هايل، بطبيعته تلك، سيعود يومًا ما للحديث عن الدواء وربما كان يعتقد أن ذكره لن يجلب لها سوى مزيدٍ من الألم فهو يعرف جيدًا أنه دواء لا يستطيع الحصول عليه. ولم تلُمه يوريسييل على ذلك مع أن المرارة بقيت عالقةً في قلبها. 

وفجأة اقترب منهما أحد خدم منزل هايل وتعرفت يوريسييل عليه فورًا. لقد أرسلته والدة هايل. 

‘لابد أنها لا تحب رؤيتي معه.’ 

عاد إلى ذهنها ذلك الوجه البارد الذي رأته منذ زمن. 

“اذهب أنت أولًا.” 

لوحت بيدها مبتسمة. اعتذر هايل، عاجزًا، لأنه لن يتمكن من مرافقتها حتى المنزل، ثم غادر. 

***

سلكت الطريق نفسه ككل يوم ووصلت إلى مدخل الزقاق المعتاد لكن لسببٍ ما، لم تكن والدتها هناك. 

هبط خوفٌ جليدي في صدرها فاندفعت إلى الأمام بأقصى سرعة. 

كان أهل ألفونس متجمعين بكثافة في المكان ورأت بينهم وجوهًا مألوفة وحين لمحها أصحاب المتاجر تركوا أماكنهم مسرعين نحوها. 

“حدث أمر فظيع يا يوريسييل.” 

“اللورد أمر بهدم منزلكم.” 

تحطم! 

دوّى صوت المطارق وهي تهوي بعنف. 

“هـ… هدم؟” 

كان المنزل الذي عاشت فيه سنواتٍ طويلة ينهار أمام عينيها 

وفي الداخل كانت والدتها تصرخ بيأسٍ وكأن قلبها يتمزق. 

كانت تكرر: 

“توقفوا! توقفوا!” 

لكن أحدًا لم يصغِ إليها. 

دُفعت بجسدها الواهن بسهولة، فسقطت على الأرض. 

أمسكت يوريسييل بوالدتها، ثم رفعت عينيها المحمرتين بالدموع نحو المشهد وبعد لحظة، سلمت والدتها لمن حولها، ثم اندفعت إلى قلب موقع الهدم دون أن تدري ما الذي دفعها لذلك. وفي اللحظة الأخيرة تمامًا، وقفت أمام الموضع الذي كانت المطرقة ستهوي عليه فتوقف العمل فجأة ومن الصمت الذي أعقب الضربة المفقودة، خرج المشرف صارخًا بحدة: 

“ما الذي تظنين نفسكِ تفعلينه؟” 

أمسكت بأحد العمال وسألته بصوت مرتجف: 

“لماذا؟ لا بد أن هناك سببًا!” 

فمهما كان اللورد متقلبًا، لم يسبق له أن أمر بهدم منزل في هذا الركن المنسي من القرية. لقد كان بالكاد يهتم بحياة القرويين أصلًا ومع ذلك… 

“وكيف لنا أن نعرف؟ منزلكم يشوّه المنظر العام.” 

جذبها العمال بعيدًا بعنف وكان جسدها الصغير عاجزًا عن مقاومة عدة رجال بالغين مهما حاولت. 

امتلأت عيناها بالدموع وانهمرت قطراتها. 

يشوّه المنظر العام؟ اللورد الذي لم يطأ هذا المكان بقدمه يومًا؟ 

مستحيل، كان هناك أمرٌ خاطئ بالتأكيد. 

رفعت رأسها وعندها وقعت عيناها على رجل يقف بعيدًا. 

رجل يرتدي بدلة رسمية أنيقة، يبدو غريبًا تمامًا وسط هذا الطريق الريفي القاحل إنه كبير الخدم في قصر اللورد. 

الرجل نفسه الذي اصطحبها قبل مدة من هذا الطريق الريفي إلى الشاب السيد بلانشيت. 

وفي تلك اللحظة، عاد صدى كلماتٍ شعرت يومًا بأنها نذير شؤم وتجاهلتها، وظنت أنها لن تتذكرها أبدًا: 

“إذا جرّبي ذلك إن استطعتِ.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.