مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 153: القصة الجانبية الرابعة- 153نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 153: القصة الجانبية الرابعة- 153

153 – 153

القصة الجانبية الرابعة 

كان ساحل راف إيليه يفوق شهرته جمالًا. 

أمواجٌ تتكسر على الجروف الصخرية ناشرةً زبدًا أبيض ناصعًا، وشاطئٌ يمتد برماله البيضاء الناعمة، وبحرٌ أزرق تتراقص على صفحته أشعة الشمس كأنها آلاف الجواهر المتلألئة، وعلى امتداد الساحل، انتشرت مطاعم أنيقة تبدو كأنها جزء من لوحة فنية، تتزين بأسقف ملونة تضفي على المكان سحرًا خاصًا. 

وقفت يوريسييل تتأمل ذلك المشهد بإعجاب، ولم تستطع أن تمنع نفسها من إطلاق شهقة انبهار. 

عندها، مدّ كاسيان يده وأمسك بيدها. تشابكت أصابعهما، وانتقلت حرارة كفه إليها عبر الفراغات الصغيرة بين أصابعهما. 

سار إلى جوارها بخطواتٍ متناسقة مع خطواتها، بينما لم تغادر الابتسامة وجهه. ولم يمضِ وقت طويل حتى وصلا إلى شجرةٍ ضخمة، حيث كان حصانٌ أبيض يهز ذيله وكأنه يرحب بهما. 

كان ذا عرفٍ مهذب بعناية، وهيئةٍ نبيلة لا تخطئها العين، حتى إنه بدا شبيهًا بكاسيان نفسه. 

ربّتت يوريسييل برفق على عنقه، فمال الحصان برأسه ليفرك خده بخدها في مودة. 

ابتسم كاسيان وهو يشاهد المشهد، ثم أمسك خصرها برفق ورفعها إلى السرج وبعدها اعتلى الحصان خلفها. 

كانت عيناها متسعتين من التوتر، وكأنها تخشى السقوط في أي لحظة فاقترب منها كاسيان حتى التصق ظهرها بصدره، ثم أحاطها بذراعيه وبفضل دفء جسده وصلابته، تبدد خوفها سريعًا. 

قال مبتسمًا: 

“إذن، ما زلتِ تذكرين أنكِ قلتِ يومًا إنكِ تريدين ركوب الخيل.” 

التفتت إليه بدهشة. 

لقد كانت، منذ زمن بعيد، قد أخبرته عرضًا بأنها تتمنى أن تجرب كل ما يفعله النبلاء. وقالت أيضًا إنها تتساءل كيف يكون الشعور بالركض على الرمال البيضاء فوق ظهر حصان. 

كانت مجرد كلمات عابرة ومع ذلك ظل يتذكرها. 

ابتسمت بخجل. 

“أتذكر هذا أيضًا؟” 

ضحك بخفة. 

“وهل تظنين أنني أتذكر هذا فقط؟” 

“وماذا أيضًا؟” 

اقترب من أذنها وهمس: 

“أتذكر كل ما يتعلق بكِ.” 

ترددت الكلمات في قلبها، كما ترتد دوائر الماء عندما تُلقى فيه حصاة صغيرة وشعرت بحرارةٍ تتسلل إلى وجنتيها. 

وفي تلك اللحظة شدّ كاسيان اللجام. 

اندفع الحصان يعدو، ولامس النسيم وجهها برفق، حاملاً معه رائحة كاسيان المنعشة، حتى إنها لم تعد تعرف هل الذي يخفق بقوة هو قلبها أم وقع حوافر الحصان؟ 

ولم تمضِ سوى دقائق حتى توقف الحصان عند مرسى ديبرِه. 

ترجلا معًا، وما إن دخلا الرصيف حتى وقعت عيناها على يختٍ فاخرٍ ضخم. 

لم ترَ شيئًا كهذا في حياتها فخرجت منها شهقة إعجاب تلقائية. 

“واااه…” 

ضحك كاسيان بخفة، ثم ساعدها على الصعود إلى اليخت. 

وبعد قليل شق اليخت صفحة البحر، منطلقًا بثبات فوق الأمواج. 

وقفت على سطحه، وتركت النسيم البحري يداعب وجهها، بينما امتلأت رئتاها برائحة البحر المنعشة. 

ثم دخلا إلى المقصورة، كانت الجدران مزينة بمنسوجات فاخرة، تتدلى بينها زينة ترمز إلى الزواج أما المائدة فكانت مليئة بفواكه لم ترها من قبل، وكل واحدة منها تبدو أشهى من الأخرى. 

جلسا متجاورين. 

تناول كاسيان ثمرة فاكهة، وقضم منها قضمة صغيرة، ثم قرّبها من شفتيها وأطعمها إياها بنفسه، وكانت شفتاه ألذ من الفاكهة نفسها. 

شعرت بحرارةٍ تسري في جسدها. 

ولأنها لم تعتد مثل هذه التصرفات، همّت بالنهوض والهرب إلى الخارج لكنه اعترض طريقها. 

أسند إحدى ذراعيه إلى الجدار، وانحنى ينظر إليها. لم تكن المسافة بينهما تتجاوز خطوة واحدة حتى أنفاسهما كانت تتداخل. 

شعرت فجأة أن شفتيها قد جفّتا أما كاسيان فهمس بصوتٍ منخفض: 

“لماذا كل هذا الارتباك؟ لقد أصبحنا زوجًا وزوجة.” 

كانت تدرك جيدًا ما يقصده. 

كان اليخت يتمايل بهدوء فوق الأمواج وخلفه يمتد البحر بمنظره الخلاب وببطء انحنى نحوها ومرت أصابعه بين خصلات شعرها، ثم انزلقت برفق حتى لامست طرف فستانها. 

ارتجف قلبها. 

ولم يرفع عينيه عن عينيها، بينما أخذ يفك أزرار قميصه واحدًا تلو الآخر وفي تلك اللحظة دوّى طرقٌ على الباب. 

“سمو الدوق، لقد انتهينا من تجهيز كل شيء. يمكنكم الخروج الآن.” 

ارتبكت يوريسييل بشدة، فدفعت كاسيان بعيدًا بسرعة. 

نظر إليها باستغراب وقال متذمرًا: 

“يمكنهم الانتظار، لنُكمل ما كنا نفعله.” 

احمر وجهها. 

“لكن… ليس الآن.” 

لو تأخرا أكثر ورجع القبطان ليطرق الباب مرة ثانية لكان الأمر محرجًا للغاية. 

استغلت الفرصة، وانسلت من جانبه مسرعة إلى الخارج أما كاسيان فالتقط ثيابه على مضض، ثم خرج بعدها. 

جلس إلى جوارها من جديد، وبدأت ضربات قلبها تهدأ شيئًا فشيئًا، وهي تستند إلى كتفه العريض. وفي تلك اللحظة خرج القبطان معلنًا بداية الحفل المقام على متن اليخت لكن وهو يتحدث، وقع بصره على كاسيان فتبدلت ملامحه إلى الرعب. 

استدارت يوريسييل فرأت كاسيان يحدق في الرجل بنظرة كادت تفيض بالقتل. 

قالت معاتبة: 

“لماذا تنظر إليه هكذا؟” 

تمتم بضيق: 

“لا تقلقي عليه.” 

ابتسمت برفق. 

“ربما تنقصه سرعة البديهة قليلًا لكنه يبدو رجلًا طيبًا، فلا تخفه.” 

زفر كاسيان. 

“قلة الفطنة جريمة… جريمة كبرى.” 

وبينما كان يتمتم بذلك انطلقت الألعاب النارية. 

ارتفعت في السماء كنافورات من الضوء، ورسمت ألوانًا زاهية فوق صفحة الليل وانعكست أضواؤها في عيون كل من كان ينظر إليها. 

اتسعت عينا يوريسييل بدهشة. 

‘متى أعد كل هذا أيضًا؟’ 

كان كاسيان قد خطط لكل شيء بعناية وكأنه عازم على ألا تتوقف دهشتها ولو للحظة واحدة. 

ولم ينتهِ مهرجان الألعاب النارية إلا بعد أن شعرت أن فكها قد تعب من كثرة ما ظلت تحدق في السماء. 

بعد ذلك، غادرا المرسى، واتجها سيرًا إلى مطعم قريب ومن بين جميع المباني ذات الأسقف الملونة، دخلا أكثرها ارتفاعًا وتميزًا. 

كان التصميم الداخلي فخمًا إلى حدٍ يخطف الأنفاس. 

خلف النوافذ امتد البحر الأزرق، بينما غطت الزهور الجميلة أنحاء المطعم حتى خُيّل إليها أنها دخلت إحدى قصص الخيال. 

وأثناء تأملها للثريا والزخارف الراقية تذكرت فجأة صورة رأتها في إحدى المجلات، لقد سبق أن قرأت عن هذا المطعم في الصفحة الإعلانية للجريدة الإمبراطورية وكان أحد أشهر نقاد الطعام في القارة قد منحه سبع نجوم كاملة. 

والآن أدركت السبب فالطعام مشهور بجودته والإطلالة البحرية لا تشوبها شائبة. 

لكنها كانت تعلم أيضًا أن مجرد الحصول على حجز هنا يتطلب، حتى بالنسبة للنبلاء، انتظارًا يقارب نصف عام. 

ومع ذلك ورغم أن الوقت كان وقت العشاء لم يكن في المطعم أحد، باستثناء العاملين وهما. 

نظرت إليه باستغراب. 

“أليس هذا من أشهر المطاعم؟ فلماذا لا يوجد أحد غيرنا؟” 

ابتسم كاسيان. 

“حقًا… تُرى لماذا؟” 

ضيقت عينيها. 

“لا تقل لي… هل استأجرت المطعم بأكمله؟” 

اكتفى بهز كتفيه وكان ذلك جوابًا كافيًا. 

وفي تلك اللحظة، بدأت الأطباق تتوالى حتى امتلأت المائدة. 

قال لها: 

“طلبت كل ما ظننت أنكِ ستحبينه. ما رأيكِ؟” 

تساءلت في سرها: 

‘كيف يعرف أصلًا ما الذي أحبه؟’ 

لكنها أخفت مشاعرها بابتسامة مشرقة. 

“إنه لذيذ جدًا.” 

منذ ذلك الحين، أخذ يقطع لها شريحة اللحم بنفسه. 

ويبدل الأطباق، ويقرب إليها ما تحبه، ويبعد ما لا تفضله. 

كان يعتني بها كما لو كان يعتني بطفل صغير. 

وذابت قطعة اللحم التي قطعها لها في فمها فورًا. 

وبينما كانت مستغرقة في الطعام امتدت يدها تلقائيًا نحو كأس النبيذ لكن قبل أن تلمسه التقطه كاسيان وشربه دفعة واحدة. 

ثم نظر إليها وقال: 

“إلى أي مدى تنوين أن تتعبي قلبي اليوم؟” 

أطرقت يوريسييل رأسها بخجل وضمت يديها فوق ركبتيها، كطفلة ارتكبت ذنبًا صغيرًا. 

طوال ذلك اليوم لم يستطع كاسيان أن يرفع عينيه عنها. 

لا حين كانا يمتطيان الحصان فوق الرمال البيضاء، ولا أثناء الألعاب النارية، ولا حتى وسط أجمل المناظر التي أعدها خصيصًا لها. كل ما كان يراه هو يوريسييل. 

كان ينتظر حلول الليل بشوق ومع ذلك كان يتمنى في الوقت نفسه ألا تنتهي هذه اللحظات، تناقضٌ جميل كان ينهش قلبه. 

كلما ابتسمت تمنى لو يتوقف الزمن. 

كانت تفتح عينيها الزمرديتين بدهشة، وتطلق شهقات الإعجاب، وتفتح فمها ببراءة. وكانت في نظره جميلة إلى حدٍ لا يصدق. 

تمنى لو استطاع أن يهديها العالم بأسره ولو استطاع لتمنى أن يكون هو أول من يشاركها كل تجربة جديدة في حياتها. 

***

وحلّ الليل. 

وكان عقله هذه المرة صافيًا تمامًا، لا أثر فيه لقطرة خمر. 

وكما هي الحال في كل مكان، امتلكت عائلة بلانشيت أيضًا منزلًا صيفيًا على ساحل راف إيليه. 

وصل الاثنان إلى الفيلا رقم 243. وأمسك كاسيان بيدها، وقادها إلى الداخل، امتد الرواق طويلًا وكانت الزهور تصطف على جانبيه دون أن تذبل منها زهرة واحدة أما الشمعدانات الفضية، التي صيغت على هيئة نسور، فكانت تنشر ضوءًا دافئًا في المكان. وكانت الممرات المزينة بالورود شاهدة على الجهد الكبير الذي بذله من أعدها، وأخيرًا وصلا إلى نهاية الرواق حيث وقف أمامهما تمثال ضخم، تتقاطع فيه سيفان على هيئة علامة × 

.نظرت يوريسييل حولها باستغراب. 

“لا يوجد طريق… هل أخطأنا المكان؟” 

ابتسم كاسيان ثم مرر يده برفق على التمثال وقال: 

“هل تعلمين ما الذي يرمز إليه هذا التمثال؟” 

هزت رأسها. 

“له معنى؟” 

أجاب: 

“الحب… والسلام.” 

ثم ضحك. 

“مضحك، أليس كذلك؟ أن يمنحوا تمثالًا كهذا معنى كبيرًا كهذا.” 

ابتسمت هي أيضًا. 

“لكنه معنى جميل، أفضل بكثير من أن يرمز إلى الحب والحرب.” 

ضحك كاسيان من مزحتها ثم نظرت إلى السيفين البرونزيين وقالت بإعجاب: 

“إنه أجمل تمثال رأيته في حياتي.” 

رفع أحد حاجبيه. 

“غريب، كنتِ تقولين إنني أشبه التمثال. هل خسرتُ الآن أمام هذا التمثال؟” 

ثم نقر السيف البرونزي بإصبعه وكأنه يضايقه. 

ضحكت. 

“أتغار حتى من تمثال؟” 

نظر إليها مباشرة. 

“أنا أغار حتى من كلبٍ عابر إذا نال اهتمامكِ.” 

ابتسمت بخجل. 

“يا له من حبٍ جارف.” 

أجاب بثقة: 

“يكفيني أنكِ فهمتِ ذلك.” 

ثم دفع التمثال برفق وفي الحال انشق إلى نصفين وانفتح خلفه ممر جديد وفي آخره كان جناح العروسين. 

شهقت يوريسييل بإعجاب. 

“واااه! إذن كان التمثال بابًا! هذا مذهل!” 

ضحك كاسيان. 

“تعرفين حقًا كيف تندهشين من كل شيء.” 

ابتسمت بخبث. 

“هل ستغار من التمثال مرة أخرى؟” 

اقترب منها وقال بصوت منخفض: 

“إذا كنتِ لا تريدين أن أقتل شيئًا لا ذنب له فلا تنظري إلا إليّ.” 

قالها بنبرة مخيفة لكن يده كانت تمسك يدها برفقٍ لا يوصف. 

من كان ليصدق أن دوق بلانشيت، الذي اشتهر بالصرامة والقسوة، قادر على الابتسام بهذه الصورة؟ 

ابتسم لها ثم دخلا معًا وعندها انكشفت أمام عيني يوريسييل غرفة نومٍ أُعدّت بأجواء حالمة، يغمرها دفءٌ ورومانسية توحي ببداية حياةٍ جديدة.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.