مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 154: القصة الجانبية الخامسةنحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 154: القصة الجانبية الخامسة

154 – 154

القصة الجانبية الخامسة

بدت الغرفة، وقد أضيئت بعشرات المصابيح القرمزية، وكأنها أُعدّت خصيصًا لليلة الزفاف. 

ومع تلك الأجواء الآسرة التي تشكّلت تلقائيًا، أدركت يوريسييل أخيرًا لماذا أُطلق على هذا المكان اسم الحب والسلام. 

مع أن التسمية، في الحقيقة، لم تكن موفقة تمامًا، فمن يبيت هنا لن ينعم بالحب والسلام، بل سيعيش الحب والحرب. 

اقترب كاسيان منها بخطوات هادئة، بعدما أجلسها برفق على حافة السرير، وكانت نظراته المليئة بالشغف لا تخفى أما هي، فأغمضت عينيها بسرعة، ثم دفعت صدره برفق. 

“ا… انتظر قليلًا.” 

رغم أنهما أمضيا ليالي كثيرة معًا من قبل، إلا أن هذه الليلة بدت مختلفة تمامًا بالنسبة لها. 

نظر إليها كاسيان وأطلق همهمة منخفضة تشبه الزئير الخافت. 

“ما الأمر هذه المرة؟” 

“سـ… سأذهب لأستحم أولًا.” 

وما إن أنهت عبارتها حتى اندفعت مسرعة إلى الحمام. وبقي كاسيان وحده فوق السرير، يحدق في الفراغ بعينين شاردتين. 

كان صوت المياه المتدفقة من الحمام واضحًا إلى حدٍّ خطير، يستفز الخيال بلا رحمة. 

ومع كل قطرة يسمعها، كان جسده يزداد اضطرابًا. 

‘زوجتي تمتلك موهبة خارقة في تعذيبي؛ تشعل النار في قلبي، ثم تتركني وحيدًا أوجهها.’ 

لم يمضِ على دخول يوريسييل إلى الحمام سوى دقيقة واحدة لكنها بدت له وكأنها ساعات طويلة. 

‘لماذا يمر الوقت بهذه البطء الليلة؟’ 

ولكي يحافظ على ما تبقى من رباطة جأشه، أخذ يكرر في نفسه مرارًا: 

‘إنه مجرد صوت الماء ليس أكثر من ذلك.’ 

حتى التأمل لم يكن قادرًا على إيقاف تلك الأفكار الجامحة. 

‘اللعنة…’ 

وفي النهاية، بعدما نفد صبره، نهض من السرير، غير منتبه إلى أن صوت الماء قد توقف بالفعل، وبدأ طقسه المقدس تمارين الضغط. 

وبعد لحظات فتحت يوريسييل الباب بحذر، وقد لفت المنشفة حول جسدها، وأخرجت رأسها قليلًا ثم تجمدت مكانها. 

أمامها كان كاسيان يؤدي تمارين الضغط بكل جدية. 

رمشت عدة مرات قبل أن تسأله بدهشة: 

“ماذا… تفعل الآن؟” 

رفع رأسه إليها ببطء. 

ارتسم الارتباك على وجهه للحظة، لكنه سرعان ما تظاهر بالهدوء أو بالأحرى كان يتظاهر فقط، إذ كانت وجنتاه وأذناه محمرتين بشدة. 

وقف بسرعة وكأن شيئًا لم يحدث ثم قال بنبرة طبيعية مصطنعة: 

“لا شيء.” 

نظرت إليه باستغراب. 

“أي لا شيء؟ جبينك كله يتصبب عرقًا.” 

اقتربت منه خطوة فتراجع هو خطوة إلى الوراء وهو يبتسم. 

“أنا لست ضعيفًا إلى درجة أتعرق بسبب هذا القدر من الجهد.” 

وبعد عدة خطوات اصطدم ظهره بالحائط أما يوريسييل، فقد واصلت الاقتراب ببطء. 

خطوة ثم أخرى، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أقل من خطوة واحدة. 

‘لم أكن أنوي الاقتراب إلى هذا الحد…’ 

وحين همّت بالتراجع خجلًا امتدت ذراعه القوية، التي ازدادت سخونة بعد التمارين، وسحبها نحوه دفعة واحدة. 

ارتطم جسدها بصدره الصلب وأحست بعضلات بطنه المشدودة تحت كفها. 

في لحظة واحدة، احمر وجهها بالكامل. 

‘قبل قليل كان هو من يهرب مني كيف انقلب الوضع بهذه السرعة؟’ 

رفعت رأسها نحوه فنظر إليها بعينين مفعمتين بالإغراء، وقال مبتسمًا: 

“من الأفضل أن ترفعي سقف توقعاتكِ لهذه الليلة.” 

‘أتوقع أكثر؟’ 

هي أصلًا لم تنم جيدًا منذ أيام والآن يطلب منها أن تستعد أكثر؟ 

تركها بعد تلك الكلمات المرعبة واتجه إلى الحمام. 

وسرعان ما دوى صوت الماء في الداخل. 

وقفت تحدق نحو الباب بشرود. 

‘يبدو أن النوم الليلة أصبح حلمًا مستحيلًا.’ 

لم يطل الأمر. 

خرج كاسيان من الحمام بعد دقائق، ثم تقدم إليها ببطء. 

احتضنها برفق، وحملها إلى منتصف السرير. 

انتشرت حرارة جسده في أنحاء جسدها، حتى شعرت بأن وجهها كله يشتعل وكانت المصابيح الحمراء التي تنير الغرفة ترسم ملامحه بوضوح. 

جسد متناسق بلا أدنى عيب، عضلات منحوتة، خط فك حاد، وعينان تزيدهما حدتهما سحرًا أما عيناه الحمراوان فلم يكن ينعكس فيهما سوى وجه يوريسييل. 

مد يده الكبيرة يمررها بين خصلات شعرها، فانسكبت على كتفيها برقة ومع كل نفس دافئ يلامس أذنها، كانت قشعريرة لطيفة تسري في جسدها وفجأة أطبق بشفتيه على شفتيها في قبلة خاطفة. 

بينما راحت يداه تجولان فوق جسدها بلا تردد. 

ظل يداعبها برفق، وعيناه تضيقان بابتسامة آسرة. 

وانزلقت أنامله من عظمتي ترقوتها، مرورًا بعنقها، حتى واصلت طريقها إلى الأسفل. 

‘هل هذا ما يشعر به المرء حين يشتعل داخله لهيب لا يخمد؟’ 

كلما مرت أنامله على موضع، اشتعلت فيه حرارة جديدة، وكأنها تترك عليه أثرًا لا يُمحى أما شفاهه فلم تكن تنوي الإفراج عنها. 

وكانت يداه تتحركان فوق جسدها برفق وثقة. 

تملكتها مشاعر آسرة، بين النشوة والدوار. 

حتى أنفاسها كان يلتقطها وكأنه لا يريد أن يضيع منها شيء. 

امتلأ عقلها بالخجل لكن غريزتها كانت تتشبث به بإخلاص. 

وهكذا ظل دفء تلك الليلة يملأ الغرفة دون أن يخفت. 

لقد كانت ليلة لا تُنسى. 

***

حتى بعد انتهاء رحلة شهر العسل لم يتغير كاسيان. 

طوال الأشهر الثلاثة الماضية، كان يبقي يوريسييل إلى جانبه حتى ساعات الفجر الأولى، كل ليلة دون أن يفوت يومًا واحدًا. 

جلست يوريسييل إلى مائدة الطعام، وقد بدا الإرهاق واضحًا على وجهها أما كاسيان فبفضل تمارين الضغط اليومية، كان يبدو مفعمًا بالحيوية رغم كل تلك الليالي ومن طريقته الهادئة في استخدام السكين، بدا واضحًا أن طاقته ما زالت فائضة. 

تنهدت بخفة فدفع نحوها طبقًا يحتوي على شريحة لحم مقطعة بعناية. كانت الخادمات يقلن دائمًا إنهما زوجان حديثا الزواج يُحسدان عليه، لأنهما لا يغادران غرفتهما إلا بعد الظهيرة. 

لكن لو عرفن الحقيقة، لما قلن ذلك أبدًا. 

ابتسم كاسيان ابتسامته الماكرة المعتادة وقال: 

“بدوتِ مرهقة في الآونة الأخيرة، لذلك أعددت لكِ شريحة الـT-Bone التي تحبينها أكثر.” 

كانت الشريحة الشهية أمامها بالفعل لكنها لم تستطع الشعور بأي عزاء وهي تتذكر أنها لم تنم ليلة كاملة منذ زمن. 

قالت وهي تحدق فيه باستسلام: 

“هل تريد حقًا أن تراني أموت من قلة النوم؟” 

ابتسم بلطف. 

“مستحيل، لو أصابكِ مكروه، لانتهت حياتي معها.” 

كانت عيناه الحمراوان جادتين إلى درجة جعلت قلبها يلين. 

صرخت محتجة: 

“ومن يقول هذا، لا يمكنه أن يحرمني من النوم كل ليلة!” 

“المشكلة أنكِ جميلة أكثر مما ينبغي.” 

“وهل يُعد هذا سببًا؟” 

“بل سبب منطقي جدًا. لا تقولي إنكِ لا تعلمين كم أنتِ جميلة.” 

عجزت عن الرد. 

راقبها قليلًا، ثم سأل بصوت خافت: 

“هل تكرهين قضاء الليل معي؟” 

هزت رأسها بسرعة. 

كيف يمكن أن تكره ذلك؟ فهو أصبح الرجل الذي تحبه. 

وبصراحة كان بارعًا إلى حدٍ لا يصدق. 

المشكلة الوحيدة لم تكن فيه بل في قدرتها على مجاراة طاقته. 

قالت أخيرًا: 

“أحبه… لكنك تعرف أننا نقضي وقتًا هناك أكثر مما يفعله الناس العاديون.” 

ابتسم بثقة. 

“كل المتزوجين حديثًا هكذا.” 

“لكن لديهم حدودًا لقدرتهم البدنية.” 

“هل تقصدين أن المشكلة في لياقتي؟” 

“بالتأكيد… لكنها قوية أكثر من اللازم.” 

قال بهدوء: 

“إن أردتِ، فسأتوقف. لست عديم السيطرة على نفسي.” 

حدقت فيه بشك. 

“ثم ستذهب لتدور في ساحة التدريب مجددًا؟” 

أجاب ببساطة: 

“خمسون دورة ستكون كافية، فلا تقلقي.” 

خمسون دورة حول ساحة التدريب الشاسعة؟ 

نظرت إليه عاجزة عن الكلام. 

كم يبلغ شوقه إليها حتى يحتاج إلى كل ذلك؟ 

لكن خواطرها تبخرت فورًا عندما التقت عيناها بالسير تيوبه، الواقف في الخلف. 

كان قد تجمد في مكانه منذ أن سمع عبارة خمسون دورة. 

وكان ينظر إليها بعينين ترجوان النجدة، وكأنه يقول: 

〘أرجوكِ… أنقذيني!〙 

عندها فقط أدركت يوريسييل أن على عاتقها مسؤولية كبيرة. 

‘يجب أن أتماسك.’ 

وعزمت على ذلك وهي تأخذ لقمة من شريحة اللحم لكن في اللحظة التالية… 

“أوه…!” 

غلبها الغثيان فجأة ثم شعرت بحرارة في رأسها، أعقبها دوار شديد. 

قفز كاسيان من مكانه مذعورًا، وأسرع إليها. وبين ذراعيه، أخذت تتنفس بعمق مرة تلو الأخرى، لكن حالتها لم تهدأ بسهولة. 

وبعد كثير من الضجة والقلق استدعى كاسيان الطبيب الخاص على عجل. في الظروف العادية كانت ستمنعه لكنها كانت شديدة الدوار، فلم تستطع الاعتراض وبعد قليل، تحسس الطبيب نبضها ثم اتسعت ابتسامته وهو يهتف بفرح: 

“مبارك يا سيدي! الدوقة حامل!” 

وهكذا جاء إلى الدنيا أول طفل شهر العسل. 

***

ومنذ ذلك اليوم أصبح كاسيان يلازم يوريسييل أينما ذهبت. 

وحين كان يضطر إلى أداء واجباته كدوق، كان يحيطها بعشرات الحراس ومع ذلك لم يكن يطمئن. 

حتى إنه صار يخطئ في عمله بسبب انشغاله بها. 

وفي أحد الأيام، أنهى أعماله بسرعة غير معتادة، ثم نهض وهو يسحب سيفه قائلًا: 

“اليوم… سنجلب الخوخ.” 

تنهد تيوبه وهو يحمل سيفه ويتبعه. 

“أليس هذا مبالغًا فيه يا سيدي؟ بالأمس قلبنا الجنوب رأسًا على عقب لإحضار بطيخة، وقبلها ذهبنا إلى بلاد استوائية بعيدة من أجل موز…” 

لكن كاسيان تجاهل تذمره تمامًا فمنذ أن بدأت أعراض حمل يوريسييل وهو لا يكف عن السفر. 

من الجبال الجليدية القارسة إلى الأراضي الاستوائية البعيدة، كل ما تشتهيه، كان يحضره لها مهما كان الثمن. 

ولذلك كان تذمر تيوبه، ومطالبته ببدل مخاطر، مفهومًا تمامًا. 

وهكذا انطلق الاثنان، والسيفان في أيديهما، بحثًا عن الخوخ. 

وكانت وجهتهما هذه المرة قمة جرف روبايد الصخري. 

وبعد رحلة طويلة على ظهر الحصان الأبيض وقف أمامهما جرف هائل، لا يُرى له نهاية حتى عند رفع الرأس إلى أقصاه. 

وفي النهاية عاد كاسيان يحمل الخوخ. 

‘ألم يقل الجميع إن الخوخ نادر جدًا في القارة؟’ 

شعرت يوريسييل بالامتنان، لكنها لاحظت أن ملامحه بدت أكثر إنهاكًا من المعتاد فسألته: 

“من أين أحضرته؟” 

تردد قليلًا، وعادت إلى ذهنه للحظة صور رحلته الشاقة فوق الجبال المغطاة بالثلوج لكنها اختفت فور أن وقع بصره عليها. 

رفع رأسه، وابتسم ابتسامته البيضاء المشرقة. 

“وجدته… في الطريق.” 

ضحكت يوريسييل لمداعبته، ثم أخذت تقضم الخوخة. 

لكن الثمرة كانت قاسية قليلًا، فعقدت حاجبيها دون قصد. 

لاحظ كاسيان ذلك فورًا فأخذ الخوخة منها، وقضم قطعة منها بنفسه، ثم قدمها إليها وكأنه طائر أم يطعم فرخه. 

وكلما سمع ضحكتها الرنانة نسي كل التعب الذي عاناه. 

سواء اضطر إلى تسلق جبال ثلجية أو السير في العواصف فهو مستعد لفعل أي شيء من أجلها. 

قد يراه الآخرون مجنونًا لكن لم يكن ذلك يعني له شيئًا. 

***

ومضى الزمن وتعاقبت الفصول مرتين وفي إحدى الليالي دوّى بكاء طفل في جناح دوقة بلانشيت. 

“واااه…!” 

كان كاسيان ينتظر خارج الغرفة بقلق لا يوصف. 

وما إن سمح له الطبيب بالدخول حتى اندفع إلى الداخل. 

توقفت خطواته أمام سرير يوريسييل مباشرة. 

ابتسمت القابلة وهي تحمل الطفل وقالت: 

“تهانينا، لقد وُلد ابنكما بصحة ممتازة.” 

سمع كاسيان الخبر وكأنه أمر ثانوي ثم سأل الطبيب مرارًا عن حالة يوريسييل ولم يطمئن إلا بعد أن أكد له الجميع أنها بخير عندها فقط جثا على ركبتيه أمامها وثبت نظره على وجهها المتعب المبلل بالعرق وامتلأت عيناه بالدموع. 

قال بصوت دافئ: 

“لقد تعبتِ كثيرًا.” 

ثم أزاح خصلات شعرها المبعثرة برفق وانحنى يقبل جبينها قبلة طويلة وهمس عند أذنها: 

“أُحِبُكِ.” 

وفي تلك اللحظة كانت السعادة والطمأنينة وحدهما تملآن المكان. 

تبادلا النظر وارتسمت الابتسامة على وجهيهما. 

ابتسمت يوريسييل وهي تنظر إلى كاسيان. 

من كان ليتخيل أن تنتهي بهما الحياة هكذا؟ 

قد تكون حكايتهما قد بدأت للتو لكنها كانت واثقة أن نهايتها ستكون نهاية سعيدة. 

— نهاية القصص الجانبية لرواية «ظلي المتغطرس» —

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.