مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 152: القصة الجانبية الثالثة - 152نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 152: القصة الجانبية الثالثة - 152

152 – 152

القصة الجانبية الثالثة 

حلّ الليل أخيرًا، وانتهت جميع مراسم الزفاف. 

أمسك كاسيان بيد يوريسييل، وأسرع بها نحو جناح العروسين. 

لم تشرب يوريسييل سوى بضعة كؤوس، ومع ذلك كانت وجنتاها قد احمرّتا حتى بدتا كحبتَي فراولة ناضجتين. 

كان منظرها لطيفًا على نحوٍ لا يُقاوم. 

والأطرف من ذلك أنها بدت أكثر ثمالةً منه، رغم أنه هو من شرب جميع الكؤوس التي كانت تُقدَّم لها. 

فهل كانت مزاعمها بأنها تجيد تحمل الشراب مجرد ادعاءٍ لطيف؟ 

ما إن وصلا إلى رواقٍ خالٍ من الناس، حتى انحنى كاسيان وحملها بين ذراعيه. 

في الظروف العادية، كانت ستحتج وتطالبه بإنزالها فورًا لكنها اليوم استكانت بين ذراعيه في صمت. 

ابتسم في داخله. 

‘لا بد أنها متلهفة مثلي تمامًا.’ 

ولم يكد يعبر عتبة جناح العروسين حتى نفد آخر ما تبقى من صبره. 

صحيح أن هذه لم تكن الليلة الأولى التي يقضيها معها لكنها كانت مختلفة اختلافًا جذريًا. في الماضي، كان يجرّها إليه كما يشاء، بينما كانت هي ترزح تحته وتبكي. 

وكلما استعاد تلك الذكريات الآن، لم يجد وصفًا لنفسه سوى أنه كان رجلًا فقد صوابه. 

لقد أدرك أخيرًا كم أخطأ في حقها، وتغيّر قلبه بالكامل. 

ولهذا كان يعتبر هذه الليلة، بالنسبة إليه، ليلة زفافهما الحقيقية بل كان يتمنى أن تكون كذلك. 

لو فقط استطاع أن يمحو من ذاكرتها كل الذكريات المؤلمة ويملأ مكانها بذكريات جديدة لا تعرف سوى السعادة. لذلك عزم أن يبذل في هذه الليلة كل ما يملك من حب وإخلاص. 

وكان مجرد التفكير في الأمر كافيًا ليجعل قلبه يخفق بحرارة. 

أزاحت يوريسييل شعرها إلى أحد الجانبين، فبدت أكثر سحرًا من أي وقت مضى. 

وقف كاسيان أمام السرير، يتأملها وهي جالسة بخجل، ثم بدأ يخلع ثيابه قطعةً بعد أخرى. 

وفي تلك اللحظة أغمضت يوريسييل عينيها بهدوء. 

ابتسم. 

رغم أنها رأته عاري الصدر أكثر من مرة إلا أنها ما زالت تخجل. 

وكان ذلك الظرف اللطيف يسلب قلبه في كل مرة. 

صعد إلى السرير واقترب منها وحين همّ بأن يطبع قبلة على شفتيها اجتاحه فجأة شعورٌ غريب. 

تجمدت ملامحه، رفع رأسه ببطء، ونظر إليها من جديد ثم رمش غير مصدق. 

كانت قد غرقت في نومٍ عميق. 

ما زالت ترتدي فستانها، مستلقية على السرير بلا حراك. 

حدّق فيها مرارًا، كأنه يرفض تصديق ما يراه. 

أما يوريسييل التي لم تكن تعلم شيئًا عن المعركة المحتدمة في قلبه فقد بدأت تُطلق أنفاسًا هادئة ومنتظمة تدل على نومٍ عميق. 

اقترب منها، وربت على كتفها برفق. 

“يوري… يوريسييل؟” 

كان صوته يحمل رجاءً عميقًا، ونظرته الهادئة بدت حزينة إلى حد أنها أشبه ببطل رواية مأساوية فقد حبيبته. 

ناداها مرة ثم مرتين ثم مراتٍ عديدة لكنها لم تستيقظ. 

وفي النهاية لم يجد أمامه سوى الاستسلام. 

أخذ يمسح وجهه الجاف بكلتا يديه مرارًا، وكأن ذلك وحده قادر على تهدئة مرارته. 

***

أشرق صباحٌ جديد. 

استيقظت يوريسييل متأخرة عن عادتها، فمدّت يدها بجوارها بذعر وفي الوقت نفسه بدأت تتذكر أحداث الأمس، ولكن على نحوٍ متقطع. 

كانت تتذكر مأدبة الزفاف، وتتذكر كأس التهنئة الذي منحهما الإمبراطور، وتتذكر أن كاسيان حملها بين ذراعيه لكن ماذا حدث بعد ذلك؟ 

مهما حاولت، لم تستطع أن تتذكر. 

كانت الشمس قد ارتفعت عاليًا في السماء أما زوجها فلم يكن في الغرفة، جلست تمسك رأسها بكلتا يديها، ثم نهضت مسرعة. 

اقتربت من النافذة وهناك رأت مشهدًا لم تصدقه. 

كان كاسيان يركض بجنون في ساحة التدريب. 

اتسعت عيناها. 

‘هل… ظل يركض طوال الليل؟’ 

ثم خطرت لها الحقيقة. 

‘ارتكبت هذا الخطأ منذ الليلة الأولى لزواجنا.’ 

لم تجد أي عذر تقوله. 

أسندت رأسها إلى إطار النافذة بخفة، وظلت تراقبه بصمت. 

وفي تلك الأثناء وصل تقرير إلى تيوبه يفيد بأن سيده يركض في ساحة التدريب فاندفع خارج القصر على الفور. 

وهو في طريقه، قال لمساعده: 

“هل أنت متأكد أنك لم تخطئ؟ من المستحيل أن يكون سمو الدوق يركض في ساحة التدريب بعد ليلة الزفاف.” 

أجاب المساعد بثقة: 

“أنا متأكد، سيدي. لقد تحققت بنفسي أكثر من مرة.” 

قطب تيوبه حاجبيه. 

“في صباح أول ليلة زفاف؟ هذا غير منطقي…” 

لكن نظره اتجه ببطء نحو النافذة، وهناك رأى بعينيه. 

تمتم مذهولًا: 

“يبدو أن المنطق لا قيمة له اليوم.” 

وعندما وصل إلى ساحة التدريب كان كاسيان يركض كالمجنون، يثير الغبار خلفه مع كل خطوة ولم يكن ذلك وحده. 

فعيناه الحمراوان كانتا شاردتين نصف إغماضة. 

اقترب تيوبه بسرعة. 

“سيدي ماذا تفعل هنا؟” 

كان كاسيان منزعجًا أصلًا، فازداد عبوسه عند سماع صوته. 

“لا شأن لك.” 

ولوّح بيده وكأنه يقول له: اختفِ. 

لكن تيوبه لم يتراجع بل تبعه مباشرة. 

“أنا أقوم بواجبي، سيدي.” 

تنهد كاسيان. 

“اليوم أريد أن أبقى وحدي، يمكنك الانصراف.” 

كان التفكير في يوريسييل وحده كافيًا ليصيب رأسه بالصداع لكن تيوبه، الذي لم يفهم شيئًا، قال فجأة: 

“لا تقل لي…” 

ثم سأله بحذر: 

“…هل طردتكِ سيدتي من الغرفة؟” 

نظر إليه كاسيان بجمود. 

“ليس الأمر كذلك.” 

لكن تيوبه راقب وجهه بعناية. 

ذلك العبوس وذلك الشرود كان متأكدًا أن سيده يخفي شيئًا. 

‘إذن لقد طُرد فعلًا.’ 

تنهد تيوبه وقال: 

“ألم أقل لك ألا تفرط في الشرب؟” 

وهنا بلغ صبر كاسيان نهايته، كان ينوي أن يتسامح معه هذه المرة لكنه توقف عن الركض فجأة، واستدار إليه ثم ابتسم، ابتسامةً باردة تكفي لإخضاع أي خصم وقال بهدوء: 

“يبدو أنك أصبحت مرتاحًا جدًا.” 

شحب وجه تيوبه في الحال واستقام واقفًا بسرعة. 

“أ… أبدًا، سيدي! مرتاح؟ كيف لي أن أكون كذلك؟” 

ابتسم كاسيان أكثر. 

“بما أنك تفرغت للثرثرة فلنعد إذن إلى تدريب الجحيم.” 

تجمد تيوبه في مكانه. 

“ماذا؟! لكنني تخرجت من ذلك التدريب منذ سنوات!” 

كان تدريب الجحيم أسوأ برنامج تدريبي عرفه فرسان آل بلانشيت. 

كل فارس خضع له مرة واحدة لكن لم يحدث في التاريخ أن اضطر أحد إلى إعادته مرة ثانية. 

رفع تيوبه رأسه ببطء نحو سيده وكان كاسيان يبتسم ابتسامة جميلة، وجميلة إلى حدٍّ مرعب ثم قال بصوت هادئ: 

“لا يوجد ما يعلم قراءة الأجواء أفضل من تدريب الجحيم.” 

وهكذا وجد تيوبه نفسه يركض خلف سيده في ساحة التدريب. 

وأخذ يشد شعره يائسًا وهو يفكر: 

‘كل ما فعلته أنني أقلقت على سيدي فلماذا أعاقَب هكذا؟!’ 

وبينما كان يركض تحت شمس الظهيرة الحارقة وقع بصره على مشهد غريب. 

في نافذة جناح الدوق كانت الدوقة تضرب رأسها برفق بإطار النافذة مرارًا، حينها فقط أدرك تيوبه أخيرًا أين أخطأ. 

***

وهكذا انتهت ليلة الزفاف الأولى بطريقة تدعو إلى السخرية. 

فكم من زوجين انتهت ليلتهما الأولى قبل أن تبدأ لأن العروس غرقت في نومٍ عميق؟ 

كلما تذكرت يوريسييل أنها كانت نائمة مخمورة شعرت بالخجل من نفسها وبينما كانت تفكر في أي عذر يمكن أن تقدمه لكاسيان دخل الغرفة. 

كان قد بدّل ثيابه، ولا تزال قطرات الماء تبلل شعره. 

رفعت رأسها بتردد. 

“أم… بشأن الأمس…” 

نظر إليها كاسيان، ثم ابتسم بعينين تضجان بالمكر. 

“استمتعت كثيرًا بالأمس.” 

ارتبكت. 

“…ماذا؟” 

تابع مبتسمًا: 

“أظنكِ استمتعتِ إلى درجة أنكِ لم تعودي تتذكرين شيئًا.” 

تلعثمت. 

“أنا… ذلك…” 

ضحك بخفة ثم أمسك يدها برفق. 

“هيا، أما زلتِ لم تستعدي؟ ألسنا ذاهبين في شهر العسل؟” 

كان تملك ألف سؤال تريد طرحه. 

هل شخرت أثناء نومها؟ هل كانت تصرّ على أسنانها؟ 

هل فعلت أي شيء محرج؟ 

لكن لم تكن مستعدًا لإضاعة هذه الفرصة. 

سحبت يدها بسرعة، ثم ابتعدت عنه بخجل. 

“بلى… بالطبع، سأجهز نفسي حالًا.” 

وظل ينظر إليها وهي تهرب وكانت الابتسامة لا تفارق وجهه. 

وفي الحقيقة لم يكن لديها ما تجهزه، جمعت أمتعتها القليلة، وخرجت وكان قلبها يخفق بحماس. 

قبل أيام سألها كاسيان إن كان هناك مكان ترغب في زيارته 

لكنها، التي لم تغادر سوى أماكن معدودة طوال حياتها تركت اختيار الوجهة له فقال إنه يريد أن يريها ساحل راف إيليه. 

ذلك الساحل الذي يُعد، بين النبلاء، أشهر وجهة لقضاء شهر العسل، وبالنسبة إليها لم يكن المكان مهمًا، طالما أنها ستكون معه. 

في الخارج، كانت عربة فاخرة مزينة بالزهور تنتظرهما. 

وما إن صعدت إليها حتى شعرت أخيرًا بأن زواجهما حقيقة. 

ثم صعد كاسيان بعدها ورغم اتساع العربة بدت وكأنها امتلأت بحضوره. بجسده الرياضي المتناسق، وبدلته العسكرية البيضاء الناصعة كان يبدو مثالًا للكمال. 

تحركت العربة ببطء، على وقع اهتزازات منتظمة وصوت العجلات الرتيب. وفي الطريق إلى وجهتهما أسرت الطبيعة الريفية الجميلة قلب يوريسييل. 

غيومٌ كأنها مرسومة بريشة فنان، وسماء زرقاء فاتحة تنتشر ألوانها كلوحة مائية حتى تلامس الأفق. لم ترَ مثل هذا المنظر في حياتها 

فخرجت منها شهقة إعجاب تلقائية. 

‘إذن لهذا يحب الناس السفر.’ 

الآن فقط فهمت ذلك. 

في الماضي، حين كانت تعيش في ألفونس لم يكن لديها وقت حتى لترفع رأسها نحو السماء بل حتى بعد انتقالها إلى العاصمة لم تكن تنظر إلا إلى الأمام، إذ كان مجرد الاستمرار في الحياة أمرًا شاقًا. 

أما السماء التي رفعت رأسها إليها بعد كل تلك السنوات فكانت هادئة وجميلة إلى حدٍ مؤلم. 

ظلت تحدق طويلًا في المناظر التي تمر خلف نافذة العربة غير مدركة أن كاسيان لم يكن ينظر إلى شيءٍ سواها. 

كان يراقب ملامحها في صمت، كانت عيناها الزمرديتان تتسعان دهشةً، ثم تعودان إلى طبيعتهما ببطء، حتى زهرة برية صغيرة على جانب الطريق كانت تكفي لتنتزع منها عبارة إعجاب. 

وجهها الصافي، وابتسامتها البيضاء النقية، وانحناءة عينيها، وتجعد أنفها اللطيف حين تنبهر كل شيء فيها كان يفيض بالحياة. 

وكان من المفترض أن يمنحه ذلك السلام. 

لكن كان قلبه يغلي كأنه أُلقي في أتونٍ مشتعل. 

‘أيها المجنون، حتى وأنت ترى هذا الوجه البريء لا يدور في رأسك سوى تلك الأفكار.’ 

شعر بحرارة تتصاعد إلى مؤخرة عنقه. 

لو كانت يوريسييل قد خُلقت من أنقى نورٍ أبيض فربما كان هو قد صُنع من أكثر الظلال رماديةً وظلمة، حتى إنه بدأ يشك أن عقله قد تشبع بأفكارٍ منحرفة لا علاج لها. 

ثم ابتسم في نفسه. 

‘ولكن أليس من الطبيعي أن يفكر الزوج في زوجته بهذه الطريقة؟’ 

وفي النهاية لم يتمنَّ كاسيان في ذلك اليوم سوى أمنية واحدة. 

‘أن تبقى يوريسييل مستيقظة هذه الليلة وألا تغفو مجددًا.’

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.