الفصل 151: 151
151 – 151
القصة الجانبية الثانية
ما إن انتهى حفل الزفاف، حتى انتقل الجميع إلى قاعة الولائم الكبرى للاستمتاع بمأدبة الاحتفال.
كان كاسيان قد بدّل ثيابه سريعًا إلى بذلةٍ خاصة بحفل الاستقبال، ثم وقف في الرواق الرئيسي ينتظر يوريسييل.
كم من الأحداث رافقت اختيار هذا الفستان وحده…
ابتسم ابتسامة خافتة وهو يسترجع ما جرى خلال الأسابيع الماضية. فما إن نال موافقة الكونت فينسنت على الزواج، حتى خشي أن يتراجع حماه عن قراره، فسارع إلى الحصول على التصديق الإمبراطوري الرسمي لعقد الزواج، ثم انغمس مباشرة في التحضيرات. وكان أول ما اهتم به اختيار فستان زفاف يوريسييل.
ففي ذلك اليوم الذي تكون فيه العروس نجمة الحفل، أراد أن يهديها أجمل وأرقى فستان في الإمبراطورية.
كان بإمكانه استدعاء أشهر مصممي الأزياء إلى قصره، لكنه اتبع نصيحة الفرسان المتزوجين، الذين أكدوا أن الذهاب معها شخصيًا سيكون أكثر متعة.
إلا أن الزيارة لم تحقق ما كان يأمله.
فعندما دخلا أول متجر، كانت يوريسييل تتأمل الفساتين بعينين متلألئتين، وتطلق بين الحين والآخر صيحات إعجاب صغيرة.
لكن رغم أنها وصفت جميع الفساتين بأنها جميلة، فإن ابتسامتها بقيت باهتة، وكأن شيئًا لم يلامس قلبها.
‘هل يعقل أنها لم تعجب بأي منها؟’
خشية أن يكون الأمر كذلك، كان كاسيان قد حجز مسبقًا في جميع دور الأزياء الشهيرة في الشوارع المجاورة، ولهذا قضيا بقية النهار، حتى وقتٍ متأخر من المساء، يتنقلان من متجر إلى آخر، لكن تعبيرها لم يتغير ولم يجد الفستان الذي يخطف قلبها.
وفي صباح اليوم التالي، ساد النشاط أرجاء القصر منذ ساعات الفجر فقد أصدر كاسيان أمرًا بالبحث عن متاجر أخرى.
ورغم أن الفرسان كانوا قد جمعوا منذ البداية أسماء جميع دور الأزياء المشهورة في الإمبراطورية فإنهم وقفوا حائرين.
فماذا بقي أصلًا ليبحثوا عنه؟
وبينما كان الجميع عاجزين عن إيجاد حل، استدعى تيوبه أكثر فرسان آل بلانشيت خبرةً في شؤون الحب.
اصطف الرجال بوقفة عسكرية صارمة، وأنصتوا إلى تفاصيل المشكلة بوجوه جادة، ثم بدأ كل منهم يطرح رأيه.
“لعل سمو الدوق ارتكب خطأً كبيرًا في ذلك اليوم؟”
“ربما كانت مستاءة من أمرٍ آخر، ثم تراكم شعورها حتى انعكس على زيارة متجر الأزياء.”
“أو ربما تفضل المنتجات المستوردة من خارج الإمبراطورية؟”
توالت التخمينات بلا نهاية.
وفي تلك اللحظة، قال نائب قائد الفرسان، الذي كان يقف في المنتصف، بنبرة ذات مغزى:
“أعتقد أن الأمر مختلف.”
التفت إليه الجميع، فسأله كاسيان:
“وما رأيك؟”
أخذ الرجل نفسًا عميقًا قبل أن يتحدث بحذر.
“قد يكون من غير اللائق أن أقول هذا… لكن… ألا يحتمل أن تكون السيدة المستقبلية للدوق قد صُدمت من الأسعار؟”
تلقى كاسيان كلماته وكأنها ضربة على مؤخرة رأسه.
‘…الأسعار؟’
لم يخطر بباله يومًا أن يفكر في شيء كهذا.
قال بعبوس:
“لم نتحدث قط عن الأسعار.”
أجابه نائب القائد:
“لكن جميع الفساتين تحمل بطاقات أسعار.”
قطب كاسيان حاجبيه.
“ولِمَ يضعونها أصلًا؟”
“لأن أثمانها باهظة جدًا، ومعظم الناس يقررون الشراء بعد رؤية السعر.”
في تلك اللحظة أدرك كاسيان أنه أغفل جانبًا مهمًا من حياة يوريسييل. فالابتسامة التي اختفت من وجهها في متجر الأزياء بدأت تتلاشى منذ اللحظة التي رأت فيها بطاقات الأسعار المعلقة خلف الفساتين.
لقد عاشت عمرها كله وهي تعتني بأمها المريضة، كانت تحرم نفسها من كل شيء من أجل الآخرين، ومن المستحيل أن تتخلص من تلك العادة بين ليلة وضحاها.
ما إن غادر الفرسان القاعة، حتى أمر كاسيان تيوبه بالذهاب إلى أشهر خمس دور أزياء في الإمبراطورية، وإحضار أفضل فستان من كل منها.
وبعد ساعات وصلت إلى القصر خمسة فساتين زفاف تباعًا.
ومع كل صندوق يُفتح، كانت يوريسييل تفتح فمها دهشةً وتطلق صيحة إعجاب.
واصطفت الفساتين الخمسة جنبًا إلى جنب، يتباهى كل واحد منها بجمالٍ يليق باسم المصمم الذي صنعه.
لقد كان نائب قائد الفرسان محقًا، صحيح أن يوريسييل ذُهلت أولًا من شراء هذا العدد من الفساتين لكن سرعان ما أزهرت الابتسامة على وجهها وبعدها قالت إنها ستختار بنفسها فستان الزفاف الذي سترتديه في المراسم ثم اختفت إلى الداخل.
وقبل أن ترحل، قالت له بابتسامة:
“ستراه يوم الزفاف.”
لم تخبره أيَّ فستان وقع عليه اختيارها، كانت تعرف تمامًا كيف تدفعه إلى الجنون.
***
وبينما كان غارقًا في ذكرياته ظهرت يوريسييل من الطرف الآخر للرواق. كان فستان الاستقبال يكشف كتفيها برقّة، بينما امتدت تحته طبقات شفافة من القماش، زادت من جمال بشرتها البيضاء الصافية.
أما القماش الملتصق بجسدها، فقد رسم برقة خطوط قوامها الرشيق، فبدت كأنها بجعة تمشي فوق الماء.
نسي كاسيان حتى أن يتنفس واكتفى بالنظر إليها.
كانت أشعة الشمس تنساب فوق وجهها المشرق وهي تبتسم له.
ولو أن أحدًا أراد أن يصوغ معنى الجمال لما جاءت صورته إلا هكذا.
ولم ينتبه إلا عندما أصبحت أمامه مباشرة، رأت أنه لا يقول شيئًا، فسألته بخجل:
“ما رأيك بهذا الفستان؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
“فاتن إلى حد الجنون.”
ابتسمت براحة.
“الحمد لله، إذًا أعجبك الفستان.”
هز رأسه.
“أنا لا أتحدث عن الفستان.”
رفعت رأسها في حيرة.
“…ماذا؟”
نظر إليها طويلًا، ثم قال وهو يضغط على جبينه الساخن:
“أتحدث عنكِ، أنتِ جميلة إلى حد الجنون.”
مرة أخرى كانت تتصرف وكأنها لا تدرك شيئًا عن جمالها.
وتساءل في نفسه:
‘هل ستعرف يومًا ماذا أشعر كلما نظرت إليها؟’
على الأرجح لن تعرف أبدًا، ولا ينبغي لها أن تعرف.
رفعت إليه عينيها البريئتين وسألته بدهشة:
“أتعرف أيضًا كيف تقول كلامًا كهذا؟”
ابتسم بخفة.
كم مرة قال تلك الكلمات في قلبه وحده؟
همس لها:
“ستسمعينها كثيرًا من الآن فصاعدًا.”
اتسعت ابتسامتها إشراقًا، فأمسك يدها، وقال وهو يبتسم بمكر:
“هيا بنا لم يعد لدينا وقت.”
لكن الحقيقة لم يكن الوقت هو الذي ينفد بل كان صبر كاسيان.
كان يرغب في تجاوز كل تلك المراسم اللعينة، وحمل يوريسييل بين ذراعيه، والتوجه بها مباشرة إلى جناح العروسين.
***
وما إن دخل الاثنان قاعة الاحتفال حتى اتجهت إليهما جميع الأنظار. وكان الإمبراطور، الجالس في صدر القاعة، أول من استقبلهما، فقد منحهما كأسًا من نبيذ التهنئة الخاص بالقصر الإمبراطوري وكان ذلك الكأس قد نال بركة قديسة المعبد الأعظم، ولا يُمنح إلا لعددٍ قليل للغاية من الناس. وكانت الأسطورة تقول إن من يشرب منه يعيش سعيدًا حتى آخر يوم في حياته، ولأن البركة الإلهية قد أُودعت فيه فعلًا فلم تكن مجرد خرافة.
أخذ كاسيان الكأس وشربه دفعة واحدة دون أن يغير ملامحه.
كل ما كان يفكر فيه هو إنهاء المراسم بأسرع وقت.
كانت يوريسييل جميلة إلى درجة يصعب احتمالها.
راقبها وهي ترفع الكأس وتشرب.
تجعد وجهها الأبيض قليلًا من طعم الشراب ثم عاد إلى هدوئه المعتاد، لكن كأسًا واحدة كانت كافية لتورد خديها بلونٍ لطيف.
كم كانت لطيفة.
ولولا أنه يقف أمام الإمبراطور لحملها على كتفيه وأخذها مباشرة إلى جناحهما.
بعد أن أدت يوريسييل انحناءة احترام رقيقة، انحنى كاسيان بدوره بأدب أما الإمبراطور، غير مدرك للنيران المشتعلة في قلبه، فقال مازحًا:
“عندما رأيتك يومًا تتمنى تلك الأمنية بالسيف المقدس، ظننت أنك فقدت صوابك…”
ثم التفت إلى يوريسييل.
“أما الآن فقد فهمت السبب.”
ساد الصمت، ثم ابتسم الإمبراطور.
“مبارك لكما.”
وبتلك التهنئة، أوشكت المراسم الرسمية على الانتهاء، فأمسك كاسيان بيد يوريسييل واتجه نحو الخارج لكن الطريق كان مكتظًا بالنبلاء وتوقفا مرارًا لتبادل التحيات.
ووفقًا لتقاليد الإمبراطورية، كان كل نبيل يهنئ العروس، ثم يقدم لها كأسًا من الشراب. ولم تمضِ سوى بضع كؤوس حتى بدأت نظرات يوريسييل تصبح شاردة واحمر وجهها بالكامل، وانخفض طرفا عينيها قليلًا، فبدت مختلفة عن المعتاد.
‘لا تقل لي… هل ثملت بالفعل؟’
لم تشرب سوى بضع كؤوس تهنئة ومع ذلك وصلت إلى هذه الحال.
ضحك كاسيان بخفة.
وعندما قُدم إليها الكأس التالي أخذه منها ثم شربه بنفسه.
الكأس الأول ثم الثاني ثم الثالث.
كل كأس كان يُقدم ليوريسييل كان ينتهي في يد كاسيان.
وكانت عيناه الحمراوان تزدادان توهجًا، كأن النار اشتعلت فيهما.
راقب تيوبه سيده طويلًا، ثم قال محاولًا إيقافه:
“إنها ليلة زفافكما الأولى… وإذا واصلت الشرب هكذا، فقد ينتهي بك الأمر مطلقًا.”
أجاب كاسيان بثقة:
“لا تقلق، مهما شربت الليلة، سأتمالك نفسي بقوة إرادتي.”
نظر إليه تيوبه طويلًا ثم تمتم:
“أظن أنك ثملت بالفعل.”
ابتسم كاسيان بازدراء.
“أأبدو لك ضعيفًا إلى هذا الحد؟ لن أهزم بسبب شيء تافه كالكحول.”
لكن الحقيقة كانت مختلفة، فكلما شرب أكثر ازداد وعيه حدة.
وكأن أحدًا يصفعه على وجنتيه ليوقظه.
هل السبب أنه أخيرًا أصبح زوج يوريسييل؟
أم لأنه كلما نظر إليها ازداد اضطراب قلبه؟
أما هي فلم تكن تملك أدنى فكرة عما يدور في داخله.
ولهذا كانت تمسك يده بهدوء، وتبتسم وكأن شيئًا لا يحدث.
واستمرت مراسم مأدبة الزفاف بلا نهاية وكان كاسيان يشعر أن صدره يكاد ينفجر.
‘كم عدد هذه الطقوس اللعينة؟’
لو استطاع الإمساك بمن وضع هذا البروتوكول لقطع عنقه في الحال، لكن في الظاهر، ظل أكثر الحاضرين تهذيبًا واتزانًا.
فمن بعيد كان فينسنت يراقبه بعينين حادتين، لا تغفلان عنه لحظة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.