الفصل 150: 150
150 -150
القصة جانبية الأولى
على الرغم من محاولات يوريسييل المتكررة لثنيه، أصرَّ كاسيان على إقامة حفل زفاف بالغ الفخامة. ولم يكن من المبالغة القول إن جميع نبلاء الإمبراطورية قد حضروا؛ إذ امتلأت قاعة الزفاف بالمدعوين حتى لم يعد فيها موطئ قدم.
ولم يقتصر الحضور على الإمبراطور والنبلاء الذين لم تكن يوريسييل تعرف أسماءهم، بل ضمَّ أيضًا العمة ماري، وصاحب المخبز الذي، رغم ضيق حاله، كان يمنحها دائمًا أجرًا إضافيًا كلما عملت لديه.
كان الحفل مهيبًا وباذخًا إلى درجةٍ يستحيل معها أن ينساه أيُّ شخص حضره فالزهور التي زيَّنت أرجاء القاعة كلها لم تكن طبيعية، بل أزهرتها واحدة من أعظم ساحرات القارة.
أما الثريا العملاقة التي أنارت قلب القاعة، فقد صنعها مئةُ حرفيٍّ مهرة يدويًا، واستغرق إنجازها شهرًا كاملًا من العمل المتواصل.
وأما فستان زفاف يوريسييل، فقد جُلب خصيصًا من «فريل بلو روز»، أشهر دار أزياء في القارة، والتي تمتد قائمة الانتظار لديها لسنوات.
وكان كل ذلك ثمرة الجهود التي بذلها كاسيان ليلًا ونهارًا.
وكان إخلاصه واضحًا لكل من له عينان يرى بهما.
ما إن دخل الضيوف إلى القاعة حتى أخذوا يتأملون الزهور السحرية بإعجاب، وتعالت أصوات الدهشة.
“لم أرَ في حياتي قاعة زفاف بهذا القدر من الرقي.”
“من يا ترى تولى تنظيم هذا الحفل؟ سأوكله حفل زفاف ابنتي بلا تردد.”
“سيظل هذا الزفاف عالقًا في ذاكرتي ما حييت.”
وامتزجت أحاديثهم المفعمة بالإعجاب بأنغام الأوركسترا العظيمة، التي انسابت في القاعة كجدول ماء رقراق.
وبينما كان الجميع يتبادلون الأحاديث بحماس، توقفت الموسيقى فجأة، وأعلن مقدّم الحفل دخول العريس.
فسكتت الأصوات جميعها، واتجهت الأنظار نحو الباب الذي سيدخل منه.
وفي اللحظة نفسها، انفتح الباب الضخم في وسط القاعة.
ودخل كاسيان، مرتديًا بذلة أنيقة لا تشوبها شائبة.
فانطلقت شهقات الإعجاب من كل جانب.
ولم يستطع أحد أن يشيح بنظره عنه طوال سيره في الممر.
وما إن وقف في مكانه المخصص، حتى دخل فينسنت ممسكًا بيد يوريسييل فارتفعت همسات الإعجاب مرة أخرى.
“إذًا لهذا السبب خاطر بحياته من أجل السيف المقدس… الآن فهمت.”
“ألم يقولوا إنه كان مستعدًا للموت إن لم توافق على الزواج منه؟”
“هل يعقل أنه بلغ به الأمر هذا الحد؟”
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي كاسيان وهو يسمع همساتهم، لكنه لم يمنحهم أي اهتمام، إذ لم يكن يرى سوى يوريسييل.
وتدفقت أشعة الشمس الصافية عبر نوافذ القاعة، فأضفت على هيئتها نورًا أخّاذًا، بدت وكأنها ملاك هبط من السماء.
وامتلأت عيناه الحمراوان بصورتها وحدها.
***
كانت يوريسييل تقترب منه ببطء، أما فستان الزفاف الذي جُلب بشق الأنفس، فقد أثبت أنه يستحق اسمه وثمنه معًا.
فقد أبرز قوامها الرقيق، بينما أضاف التاج الذي يزين رأسها والزخارف الدقيقة المنتشرة على الفستان مسحةً من الفخامة الهادئة. ومع كل خطوة تخطوها، كانت أطراف الفستان تتموج كأمواج البحر، وفي كل مرة، كان وجهها النقي يقترب أكثر فأكثر من ناظريه.
ابتسامتها الخجولة، وعيناها الزمرديتان المتلألئتان كالجواهر، وشعرها الأحمر القاني، ثم ابتسامتها البيضاء الناصعة، كأنها صُنعت من زبد البحر. كان كاسيان يعشق كل شيء فيها.
وهي تمشي فوق السجاد الفاخر ببطء ورشاقة، لم يكن في العالم عروس تضاهيها جمالًا.
أما فينسنت، فقد ظل يبتسم وهو يراقب ابنته طوال سيرها في ممر الزفاف، لكن حين حانت لحظة تسليمها إلى كاسيان، لم يستطع منع عينيه من الاحمرار.
وعندما رأت يوريسييل ذلك، اغرورقت عيناها بالدموع.
ربت فينسنت برفق على ظهر ابنته التي أوشكت دموعها أن تنهمر، ثم التفت إلى كاسيان وحين التقت عيناهما، عدّل كاسيان ملامحه، وحدق إليه بنظرة جادة وثابتة، كانت نظرة مختلفة تمامًا عن تلك التي كان يرمق بها يوريسييل قبل قليل.
قال فينسنت بصوت هادئ:
“أستودعك يوريسييل.”
كان كلامه مهذبًا، لكن نبرته حملت تحذيرًا صارمًا وكأنها تقول بوضوح: 〘إن جعلتها تبكي يومًا، فلن يبقى منك حتى العظم.〙
ابتسم كاسيان في داخله وهو يتذكر اليوم الذي طلب فيه الإذن بالزواج، كان فينسنت يعرف جيدًا كل الخطايا التي اقترفها في الماضي ولذلك لم يكن ينوي منحه موافقته بسهولة.
ولهذا، وعلى غير عادته، أخذ يضيّق عليه عمدًا.
〈”قم بألف تمرين ضغط.”
“اشرب هذا الخمر دفعةً واحدة، ثم سر بخط مستقيم حتى ابنتي.”
“اربط هذه الكتلة الحديدية حول خصرك، واصمد نصف يوم.”〉
وكان لكل اختبار سببه، ليتأكد من صحته، ومن أنه لا يفقد رشده إذا شرب، ومن أنه قادر على إسعاد ابنته وغير ذلك.
وقد نفذ كاسيان كل ما طلبه منه. صحيح أنه عاد بعدها إلى قصر بلانشيت، وظل أسبوعًا كاملًا عاجزًا عن مغادرة فراشه لكنه كان مستعدًا لتحمل ما هو أقسى من ذلك.
تذكر تلك الأيام، ثم أمسك بسرعة بيد يوريسييل التي سلّمها إليه فينسنت.
بعدها أعلن المأذون زواجهما، واستمرت المراسم بسلاسة.
وتألقت خاتما الزواج، رمزا الخلود، فوق إصبعيهما في آنٍ واحد.
وفي أجواء القاعة الهادئة والجميلة، دوّى صوت مقدم الحفل، تيوبه.
“ومن الآن، فليُثبت العريس عهده لعروسه بقبلة.”
أدار كاسيان رأسه نحو تيوبه، وكانت نظراته تقول:
〘أخيرًا قمت بشيءٍ مفيد.〙
ثم التفت إلى يوريسييل.
كانت قد احمر وجهها، وأطرقت بعينيها خجلًا.
اقترب منها بخطوة واسعة، وهمست بصوت خافت:
“مهما يكن… ليس هنا.”
“ولِمَ لا؟ لقد أصبحنا زوجًا وزوجة.”
“يمكننا فعل ذلك عندما نكون وحدنا، الجميع ينظر، انظر إلى الضيوف.”
“ماذا؟”
“تلك النظرات، إنها مليئة بالحسد.”
تنهدت.
“بل مليئة بالاستنكار.”
ضحك بخبث.
“فليستنكروا كما يشاؤون. أليست حفلات الزفاف هي المكان الوحيد الذي يُنظر فيه إلى التصرفات المحرجة على أنها دليل على شدة المحبة؟”
انعقد لسانها ثم قالت بتذمر:
“دائمًا تجد جوابًا لكل شيء.”
“إذا قلتِ لا، فلن أفعل.”
“…هاه.”
“هذا وجه شخص لا يصدقني.”
نفخت خدها قليلًا ورفعت رأسها، فوجدت أمامها وجه كاسيان الوسيم، بملامحه المثالية. كانت تعلم دائمًا أنه جميل لكنها شعرت اليوم وكأنه تمثال منحوت بإتقان.
هل يمكن لبدلة أن تلائم شخصًا إلى هذا الحد؟
وظلت تحدق فيه لحظة، قبل أن تنتبه فجأة إلى كل الأنظار الموجهة نحوهما. وفي الأرجاء، تعالت التصفيقات والهتافات التي تطالبهما بالقبلة وفي النهاية وقفت على أطراف قدميها، وقبّلته.
وأحاط خصرها بذراع قوية وثابتة، أسندتها برفق.
وحين همّت بالابتعاد شدها كاسيان إليه بقوة.
فاشتعلت القاعة بالتصفيق والهتافات، احتفاءً بقبلة العروسين.
وارتسمت على وجوه الجميع ابتسامات صادقة، وهم يباركون لهما من أعماق قلوبهم. وانطلقت الألعاب الاحتفالية فوق ممر الزفاف، بينما صدحت في القاعة أغنية التهنئة العذبة. وفي الأجواء التي غمرتها الموسيقى، لم تتوقف عبارات الإعجاب من الضيوف.
وفي مكان بعيد قليلًا عن القاعة وقف رجل يضع قبعة تخفي ملامحه، يراقب الزفاف بصمتٍ مرير.
كان هايل.
صاحب الشعر الفضي والعينين الزرقاوين.
ثبت نظره على يوريسييل طويلًا.
كانت تبتسم بسعادة مشرقة، سعادة لم يرها على وجهها قط.
واختفى من ملامحها كل أثرٍ للحزن.
ذلك الوجه لم ترسمه أمامه يومًا.
وبجوارها وقف الدوق كاسيان، الرجل الذي كان يومًا سيده الذي يحترمه ثم أصبح الشخص الذي يغار منه ثم مصدر غضبه وخوفه.
ذلك الرجل البارد والمتعالي كان الآن قد خلع كل أقنعته أمام يوريسييل وعلى وجه الدوق ارتسمت ابتسامة مشرقة، حتى بدا الأمر أشبه بالمعجزة، الرجل الذي لم يكن يعرف كيف يبتسم صار يضيء المكان بابتسامته.
وحين نظر إليه هايل، عادت إليه ذكرى قديمة.
ليلة كان لا يزال فيها فارسًا لدى آل بيريوت.
كانت الأمطار تهطل بغزارة ورأى شخصًا يعبث بعجلة عربة.
وبعد أن اختفى، ذهب ليتفقدها فاكتشف أن صواميل العجلة قد أُرخيت عمدًا فانطلق يطارد الفاعل.
وكان الرجل الذي صعد إلى العربة فارسًا من آل بلانشيت.
لكن هايل لم يفعل شيئًا.
وفي اليوم التالي لقيت الآنسة بيوشيل حتفها في حادث العربة.
ولم يعلم أحد أن اددوق كاسيان كان العقل المدبر وراء ذلك الحادث.
كان يشك في الأمر، لكنه سمع لاحقًا بخبر زواج يوريسييل.
وفي طريقه إلى هنا، راودته فكرة ساذجة.
‘هل هذا الزواج حقًا بإرادة يوريسييل؟ وإن لم يكن…’
ولو أنكر أنه تخيل للحظة أن يختطف العروس من أمام العريس لكان كاذبًا، لكن عندما رآها تبتسم تحت ضوء الشمس، بسعادة تفوق أي وقت مضى تبددت كل تلك الأوهام.
وكل ذلك التعلق الأحمق تلاشى كفقاعة ماء.
حقًا يا لها من راحة.
‘إيل… أنا سعيد لأنك وجدتِ سعادتكِ.’
ظل هايل ينظر إليها حتى اللحظة الأخيرة ثم استدار وغادر قاعة الزفاف وكانت ترتسم على شفتيه ابتسامة خفيفة.
ربما لن يكون الأمر سهلًا لكن عليه الآن أن ينساها.
ومع ذلك كان ممتنًا لأنه استطاع أن يشهد نهايتها السعيدة.
وشعر أخيرًا بأن شيئًا من الثقل قد انزاح عن قلبه.
‘لذا عيشي بسعادة، يا يوريسييل. وداعًا، يا أول حبٍ عرفه قلبي.’
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.