الفصل 149: 149 (النهاية)
149 – النهاية
الفصل مائة وتسعة وأربعون
لم تملك يوريسييل حتى فرصةً لتتفاجأ بقدوم والدها إليها في ذلك الوقت المتأخر فقد كانت غارقةً في بحرٍ من الأفكار، حتى فقدت الإحساس بمرور الزمن.
جلس فينسنت أمامها، وأخبرها بكل ما كان يعرفه وقضت يوريسييل الليل كله بعينين مفتوحتين وحين انقضى برد الفجر، وبدأت خيوط الصباح الأولى تشق السماء، استقلت العربة التي أعدها لها والدها.
كانت الحقائق التي عرفتها متأخرةً مؤلمةً إلى حدٍ أصاب عقلها بالذهول بل إن كلمة “لا أصدق” كانت أدق وصفٍ لما تشعر به.
طوال الطريق إلى العاصمة ثم عند عودتها إلى قصر بلانشيت وحتى هذه اللحظة، وهي تقف أمام الرجل الملقى على الفراش لم تستطع أن تصدق شيئًا.
إن كان قد ذهب إلى هارت، وإن كان قد خاطر بحياته من أجل إحضار دوائها فلِمَ لم يخبرها؟ ولماذا أخفى أمر إعطائها الدواء؟
ولماذا كذب، مدعيًا أنه هو من أمر بمنع الدواء عنها؟
من أول الأمر إلى آخره لم تستطع أن تفهم شيئًا.
ومع ذلك كان هناك بصيص أمل أخير، بصيصٌ تشبث بقلبها ولم يسمح لها بالإفلات.
وقبل أن تدخل الغرفة، كان الفارس المرافق لكاسيان قد فتح الباب وقال لها بصوت متوسل:
“أرجوكِ أنقذي سيدي، أتوسل إليكِ. منذ أن غادرتِ وهو يموت ببطء.”
عادت إلى ذهنها تلك الليلة حين قالت إنها كانت تتمنى لو ماتت.
‘أكان ذلك هو السبب؟’
لكن الكلمات التي قالها لها يومها كانت أشد قسوة، وأحدَّ من أي خنجر، كان يبدو وكأنه رجل لو طعنته بسكين، لما سالت منه قطرة دم فما الذي يطلبه منها الآن؟
أم أن الفارس، الذي لا يعرف الحقيقة، اختلق هذه الأكاذيب فقط لينقذ سيده؟
لكن من تكون هي أصلًا بالنسبة لهذا الرجل؟
لم تكن سوى شخصٍ عابر في حياته.
وفي اللحظة التي تلاطمت فيها الأفكار داخل رأسها فتح الرجل عينيه ببطء، ثبتت عيناه الحمراوان عليها لكن لم يكن فيهما أي بريق ومع ذلك ابتسم.
كانت تلك أول مرة ترى فيها تلك الابتسامة على وجهه حتى إنها نسيت كيف تتنفس، تمتم بصوت خافت:
“إذًا بدأت أرى الأوهام.”
ثم مد يده إليها برفق.
“يبدو أن وقت موتي قد حان حقًا.”
ولو كانت مجرد هذيانات لما عاد النور يتسلل إلى عينيه بتلك الصورة، كانت هي وحدها من يملأهما.
قال بصوتٍ بدا كأنه يهمس في حلم:
“اشتقت إليكِ.”
‘اشتقت إليكِ…’
هو… اشتاق إليها؟ كيف يمكن لذلك أن يكون حقيقيًا؟ كيف؟
جذبها الرجل الشاحب بقوة لا تناسب حالته فسقط جسدها فوقه بلا مقاومة ورفع عينيه إليها ببطء وهمس:
“أنتِ… حقيقية.”
وفي عينيه القرمزيتين بدأ شيء يشبه الدموع يتجمع.
وفي لحظة بدأت كل الأكاذيب التي بنتها في قلبها تتلاشى.
وتسلل إلى أعماقها إحساس غريب.
‘ربما… ربما كان صادقًا فعلًا.’
وأخيرًا… خرجت الكلمات التي ظلت عالقة في حلقها منذ عودتها من العاصمة.
“أخبرني.”
“…”
“لماذا ذهبت إلى هارت؟”
اكتفى بالنظر إليها بعينين صافيتين وكانت عيناه وحدهما تقولان كل شيء، كل ما عرفته كان كذبًا أما الحقيقة فكانت أمامها.
قال بهدوء:
“ذهبت… لأجلب ذلك الدواء.”
ارتفع صوتها باختناق:
“إذًا لماذا لم تخبرني؟! لماذا؟!”
“…”
“ولماذا قلت تلك الكذبة اللعينة؟!”
وأخيرًا انهمرت الدموع من عيني الرجل الذي ظنت يومًا أن قلبه لا يعرف الرحمة.
قال بصوتٍ متحطم:
“آسف… أنا آسف على كل شيء…”
وكانت تلك أول مرة ترى دموعه فسقطت على قلبها كالمطر بعد جفاف طويل.
***
ظل كاسيان يحتضن يوريسييل وكأنه يخشى أن تختفي إن تركها.
كلما ضمها أكثر ازداد جشعه.
كان يعلم أنه السبب في كل ما حدث وكان ينبغي أن يتركها ترحل لكن حتى في هذه اللحظة ظل أنانيًا إلى أبعد حد.
لم يستطع أن يفلتها.
قال بصوت متقطع:
“ندمت… على أنني رحلت دون أن أعطيكِ الدواء كله.”
“…”
“وندِمت على كل لحظة احتجزتكِ فيها واستخدمت والدكِ رهينةً لأبقيكِ إلى جانبي.”
“…”
“حتى أصبحت أظن أن كل شيء آخر لم يعد مهمًا.”
ومع ذلك ظل يمسك بها وظل يضيف فوق ندمه ندمًا جديدًا.
“ندمت… على كل ليلة ارتكبت فيها خطأً لا يمكن إصلاحه.”
كانت ذراعاه اللتان تطوقانها ترتجفان.
ارتجافٌ لا يشبه الرجل الذي لم تهتز يداه حتى وهو يقتل أعداءه.
قال بصوت يختنق بالبكاء:
“ومع ذلك… لم أستطع أن أترككِ.”
نظرت إليه وقالت:
“إذًا… هل كنت تنوي الموت؟”
“…”
“هل كنت تريد أن تغرس مسمارًا آخر في قلبي بهذه الطريقة أيضًا؟”
لم يجب بل ظل يكرر كلمة واحدة…
“آسف…”
“آسف…”
قالت وهي تبكي:
“لو أنك قلت لي الحقيقة يومها… لما عشت كل ذلك العذاب.”
امتزجت أنفاسهما الساخنة وسرت حرارة جسديهما إلى بعضهما.
وظلا يبكيان طويلًا حتى هدآ أخيرًا.
ثم تبادلا النظر وابتسما، وكانت يوريسييل أول من ابتسم أما كاسيان فضمها بقوة حتى خُيّل إليها أن قلبه سينفجر.
***
وفي صباح اليوم التالي دخل الأطباء، فوجدوا الزوجين بعينين متورمتين كأنهما دبّان باندا فغرقوا في القلق.
فما يحتاجه الدوق كاسيان الآن هو راحة نفسية.
لكن مظهرهما أوحى وكأنهما قضيا الليل كله يتشاجران.
أما تيوبه فما إن رأى وجهيهما حتى أصابه الذهول. ولأول مرة ندم على أنه أخبر الكونت فينسنت بالحقيقة كاملة حتى إنه أخذ يضرب رأسه بالجدار مرارًا، ظن أنه هو من عجّل بموت سيده لكن جاءت النتيجة بعكس كل التوقعات.
فقد بدأ كاسيان يتعافى بسرعة مذهلة ولم يحدث أي مما خشيه الأطباء حتى المضاعفات الناتجة عن امتناعه عن الدواء اختفت بسرعة غير معقولة بل إن كبير الأطباء قال بدهشة:
“لم أرَ في حياتي شخصًا يملك هذه القدرة على التعافي.”
وقال بعضهم:
“إنها قوة دماء عائلة بلانشيت.”
بينما ابتسم آخرون قائلين:
“بل إنها معجزة الحب.”
ولم يكن ذلك مجرد كلام شاعري فكل أفراد أسرة بلانشيت كانوا يرون بأعينهم كيف كان الدوق ينظر إلى زوجته وكأن العسل يقطر من عينيه.
ذلك الرجل الذي عاش عمره كله بوجه جامد صار يملك عشرات التعابير وأصبح يبتسم كلما رآها.
قال الطبيب مبتسمًا:
“أيًّا كان السبب فالحمد لله.”
أما تيوبه فلم يستطع إلا أن يفكر:
‘حقًا… يقال إن شجار الزوجين كضرب الماء بالسيف ويبدو أن المثل صحيح.’
فبعد كل تلك الحروب عاد السلام.
لكن إن كان لا بد من خوض حروب كهذه حتى يصل الإنسان إلى السعادة الزوجية فقد أقسم تيوبه في نفسه مرة أخرى أنه لن يتزوج أبدًا.
وفي الوقت الذي كان فيه تيوبه يعلن عزوبيته الأبدية كانت يوريسييل تسير مع كاسيان على شاطئ البحر.
ومنذ أن تحسنت صحته أصبح يأخذها كل يوم إلى مكان جديد.
قائلًا:
“أريد أن أريكِ شيئًا جميلًا.”
وكعادته أصر على أن يرافقهم طهاة بلانشيت رغم احتجاجها.
حتى امتلأت العربات بالمكونات الفاخرة وأعدوا أمامهما مأدبة من الكركند الطازج المشوي، كانت المائدة، كما هي عادته، عامرةً وفاتنة وكل طبق فيها جميل إلى درجة يصعب معها البدء بالأكل.
وحين ترفع رأسها ترى البحر يلمع تحت أشعة الشمس وحين تلتفت إلى الجهة الأخرى تجده هو.
والنسيم العليل، والهدوء، ودرجة الحرارة المثالية كلها جعلت اللحظة أكثر جمالًا.
قالت بابتسامة:
“أشعر أن الأجواء اليوم أجمل من المعتاد.”
كان يقطع لها قطعة من الكركند قبل أن يتوقف فجأة ثم قال:
“لكن الأجواء كانت جميلة دائمًا.”
ضحكت.
“حقًا؟”
“لا أدري… أشعر فقط أن اليوم مختلف.”
ظل يتلعثم للحظة، ثم قال بخجل نادر:
“إذن… هذا جيد.”
نظرت حولها وقالت:
“ولا يوجد أحد هنا أيضًا.”
التفت بدوره، ثم قال بارتباك:
“حقًا؟”
وانتهيا من الطعام ثم سارا على الشاطئ وبنيا قلعة رملية جديدة ليدفنا بها الذكريات المؤلمة وكتبا اسميهما عليها من جديد.
قد تبدو تلك التصرفات طفولية في نظر الآخرين لكنها بالنسبة إليهما كانت تبني ذكريات جديدة أكثر إشراقًا.
ومع حلول الليل اشتد البرد قليلًا فارتجف جسدها.
فخلع معطفه ووضعه على كتفيها ثم عاد إلى العربة، وأحضر بطانية لفها بها حتى بدت كأنها شرنقة صغيرة.
قالت ضاحكة:
“لا داعي لكل هذا.”
واصلا السير حتى ظهرت أمامهما الطريق المؤدية إلى إحدى ضيافات بلانشيت وكانت للعائلة ضيافات في كل مكان تقريبًا.
وبعد قليل انطلقت الألعاب النارية في السماء وامتلأ الليل بالألوان.
وقفت تنظر إليها بإعجاب وفجأة اقترب منها وجثا على ركبة واحدة.
ثم أخرج علبة صغيرة وقال مبتسمًا بخجل لا يشبهه:
“أعرف إنها طريقة تقليدية جدًا.”
فتح العلبة وفي داخلها تلألأ خاتم.
كان خاتمًا مزدوجًا، يرمز إلى حب لا يتكرر إلا مرة واحدة.
وبينما كانت الألعاب النارية تضيء السماء خلفه بدا الرجل أمامها ساحرًا إلى حد الاختناق.
ابتسم وقال:
“أفضل مساعد لدي أخبرني أن الأشياء الكلاسيكية تبقى كلاسيكية لأنها تستحق ذلك.”
ثم نظر إليها بعينين امتلأتا حبًا وهمس:
“أُحبكِ بل… أُهيمُ بكِ.”
مدت يدها إليه بابتسامة مشرقة فوضع الخاتم في إصبعها وتلألأ الحجر الكريم تحت الألعاب النارية بألوان ساحرة ثم وضعت هي الخاتم المطابق في إصبعه.
كانت يوريسييل تبتسم ابتسامةً مشرقة لا تناسب هدوء الليل.
ولم يتردد كاسيان لحظة، اقترب منها وطبع قبلة على شفتيها.
وفي تلك الليلة حين امتزجت أنفاسهما بحلاوة صلّت يوريسييل في سرها:
‘ليت أيامنا القادمة لا تعرف الدموع بعد اليوم ولتمتلئ حياتنا بالنور وحده.’
أما كاسيان فأغمض عينيه وصلى:
‘ليسمح لي القدر أن أكون جزءًا من حياتكِ دائمًا ولأكن الظل الذي يحمل عنكِ كل ظلامكِ.’
— النهاية —
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.