الفصل 148: 148
148
الفصل مائة وثمانية وأربعون
وصل حتى هنا ثم رحل من دون أن يرى زوجته ولو مرة واحدة.
كان من الواضح أن خلافًا قد وقع بينهما. في الأيام الماضية كانت ابنته تؤكد أن كل شيء على ما يرام، لكن كلما جاء الحديث عن العاصمة، كانت ظلال ثقيلة تخيّم على وجهها.
لم يكن يعلم إن كان ما يجري بين الاثنين مجرد شجار بين عاشقين، أم أنه بداية طريق يؤدي إلى الفراق لكن ما كان يتمناه لم يتغير قط، أن تكون يوريسييل سعيدة.
كان بإمكانه أن يعيدها الآن، لكنه لم يشأ أن يرسلها مجددًا إلى رجل بدا حتى هو عاجزًا عن استجماع الشجاعة ليأخذها معه.
‘حين يحين الوقت سيأتي إليها بنفسه.’
ولمّا عاد إليها، لم يكن على وجهه سوى ابتسامة هادئة.
“يبدو أنكِ سمعتِ الأمر خطأ.”
وعادت الابتسامة لتزهر على وجه يوريسييل الذي كان يكسوه القلق قبل لحظات.
***
استفاق كاسيان بعد وقت طويل وحين فتح عينيه، كان أول من رآه تيوبه، كان وجه مساعده شاحبًا حدّ الذهول، ومن حوله اصطف أطباء بلانشيت جميعًا ولم يدرك كاسيان حقيقة ما حدث إلا عندما وقع بصره على سقف الغرفة المزخرف بشعار بلانشيت.
عندها قال بصوت جاف:
“كل هذا الهلع من أجل هذا؟”
لكن هواء الغرفة لم يكن كالمعتاد، ثقل غريب كان يخيم على المكان وحين شعر كاسيان بذلك أخيرًا، فتح تيوبه فمه وقال:
“يبدو أن توقفك عن تناول الدواء تسبب بمضاعفات خطيرة.”
“ثم؟”
كان صوته هادئًا إلى درجة يستحيل معها تصديق أن الحديث يدور عن حياته هو، ابتلع تيوبه غصته بصعوبة قبل أن يتابع:
“قال الأطباء إن استمر الوضع هكذا، فقد تصبح حياتك في خطر حقيقي.”
“تقصد أنني سأموت؟”
خرج السؤال بنبرة هادئة دافئة، كأنه يرحب بالموت بدل أن يخشاه.
قال تيوبه بصوت مرتجف:
“قالوا إن أهم ما تحتاجه الآن هو إرادتك في الحياة.”
نظر كاسيان شاردًا عبر النافذة، ثم سخر في داخله من كلمات الطبيب.
‘الإرادة…’
إذًا، إن فقدها فهل يستطيع أخيرًا أن يموت؟
هل يمكن لهذه الحياة العنيدة أن تنقطع أخيرًا؟
في تلك الأثناء لم يتوقف تيوبه عن محاولة إقناعه.
“أرجوك على الأقل من أجل أفراد أسرة بلانشيت…”
نظر كاسيان إلى وجه تيوبه الشاحب، ثم إلى كبير الأطباء المنحني رأسه وأدرك بغريزته أن ما يقولانه ليس مبالغة.
إذا استمر الأمر هكذا فربما لن يطول بقاؤه حيًا ومن الطبيعي أن يحدث ذلك فقد هجر الدواء، وتعامل مع الموت بازدراء وكأنه لا يعنيه وربما جاءه إله الموت الآن ليطالبه بثمن ذلك.
ومع هذا كان يعلم أن أطباء بلانشيت، بمهارتهم الخارقة، سيواصلون إنقاذه مرة بعد أخرى لكن حتى لذلك حدود.
ولم يعد ذلك يعنيه، كان يدرك أن وريث بلانشيت لا يحق له أن يتخلى عن مسؤوليته تجاه العائلة لكن كل شيء قد أُعد سلفًا.
حتى بعد موته ستستمر الأسرة في إدارة شؤونها لسنوات طويلة.
وبملامح رجل يستعد لنهايته، فتح ملفًا ظل محفوظًا سنوات ثم أمر بإحضار الختم الرسمي ورغم نظرات تيوبه المفعمة بالتشاؤم، ضغط الختم على الأوراق بلا تردد ثم قال:
“أرسل هذا إلى لورفيا.”
تسلّم تيوبه الملف بوجه مذهول.
لم يكن بحاجة إلى قراءته كان حدسه يخبره بما يحتويه أما كاسيان فقد بدا كمن تخلى عن كل شيء، كان ينظر عبر النافذة بعينين خاليتين من أي رغبة أو حياة.
وجه رجل فقد إرادته في العيش بل بدا أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
***
ولم يمض وقت طويل حتى وصل خبر كاسيان إلى يوريسييل.
“أ… أغمي عليه؟”
ارتجف صوتها وهي تنطق بالكلمات فناولها فينسنت الصحيفة الصباحية التي اشتراها بعد أن شق طريقه بين الجموع وقال:
“ورد الخبر في صحيفة اليوم… وانظري هنا.”
واكتفى بالإشارة إلى عنوان بارز، دون أن يضيف شيئًا.
كان العنوان يحتل الصفحة الأولى بخط عريض.
「الحالة الصحية للدوق كاسيان حرجة حتى إنه عجز عن حضور اجتماع ترأسه العائلة الإمبراطورية؟」
ورغم أن الخبر لم يكن سوى استنتاج فإن عدم حضوره اجتماعًا إمبراطوريًا بهذا المستوى لا بد أن يعني أن أمرًا خطيرًا قد حدث.
فبعد طلاق دوق ودوقة بلانشيت، تنازل ديفيرون بلانشيت عن لقب الدوق لكاسيان.
ورغم أن انتقال اللقب جاء مبكرًا، فإن أحدًا لم يعترض وعلى أي حال، لم يكن من مصلحة كاسيان، وقد أصبح دوقًا حديثًا، أن يظهر بمظهر المتصادم مع القصر الإمبراطوري.
أما بقية التقرير فكانت تؤكد أن شؤون بلانشيت تسير بسلاسة.
لقد كسبوا القضية وأُعدم الكونت ألتن كما اكتملت إجراءات انتقال لقب الدوق إلى كاسيان دون أي عقبات.
‘إذن… هل يعاني حقًا من مشكلة خطيرة؟’
كانت تقبض على الصحيفة بقوة، حين قال فينسنت بصوت منخفض:
“في الحقيقة رأيت الدوق كاسيان قبل فترة، عندما ذهبنا إلى الوادي.”
رفعت عينيها إليه وتابع:
“لم أرَ سوى عربة بلانشيت لكن لا أحد غيره يمكن أن يأتي بها إلى هنا.”
ثم خفض رأسه وقال:
“سامحيني لأنني كذبت عليكِ.”
اشتدت قبضتها على الصحيفة.
‘لماذا جاء إلى هنا؟’
لو كان كما تعرفه لأجبرها على العودة، أو على الأقل أصر على رؤيتها ذلك هو أسلوبه لكن مهما كان السبب فلم يعد لديها أي رغبة في معرفته.
قالت وهي تكتم دموعها:
“لا أنا التي يجب أن أعتذر. لأنني لم أستطع أن أكون صادقة معك.”
وانهمرت الدموع من عينيها لكنها لم تستطع أن تشرح شيئًا.
ربت فينسنت عليها بصوته الدافئ المعتاد.
“حين تصبحين مستعدة أخبريني، لا داعي للاستعجال.”
“…”
“إن احتجتِ إلى من يلعنه فسألعنه معكِ، وإن احتجتِ إلى من يشجعكِ فسأكون أول من يفعل.”
عندها انفجرت دموعها بلا توقف.
ويبدو أن مشاعرها تجاه ذلك الرجل لم تُحسم بعد كانت تظن أنها، خلال إقامتها هنا، رتبت أفكارها إلى حد بعيد لكنها أدركت الآن أنها كانت تخدع نفسها فكل المشاعر التي ظنت أنها دفنتها اندفعت دفعة واحدة وكان آخر ما أرادت أن يرى والدها ضعفها لكن بعد أن عرف كل شيء وقف بجانبها مرة أخرى، كما يفعل دائمًا وحين وجدت كتفًا تستند إليه لم تعد دموعها تعرف سبيلًا إلى التوقف.
***
وما إن انتهى الغداء، حتى هبّت عاصفة أخرى وصلت إليها رسالة تحمل ختم بلانشيت.
مزقت الظرف على عجل وفي داخله وجدت الأوراق ذاتها التي كانت ترسلها إليه مرارًا.
أوراق الطلاق لكن الختم الأحمر المطبوع عليها كان هذه المرة ختم بلانشيت الرسمي.
الرجل الذي رفض الطلاق مهما فعلت وافق عليه الآن.
ولم يكتف بذلك بل تضمنت الوثيقة بندًا ينص على نقل جزء كبير من ثروة بلانشيت إلى كونت لورفيا وبندًا آخر ينص على أنه إذا أصابه مكروه، فإن جميع ممتلكاته ستؤول إلى لورفيا.
شروط لا تكاد تُصدق ولو لم تكن قد سمعت قبل قليل بخبر تدهور حالته لظنت أنها مجرد واحدة من تصرفاته المجنونة بل إنها حين انقطعت أخباره طوال الأيام الماضية توقعت ذلك في أعماقها، وربما تمنته أيضًا لكن…
‘لماذا الآن؟’
في الحقيقة لا ينبغي أن يهمها الأمر، أيًا كان السبب فقد تركها هنا وغادر، ثم انهار هناك.
ومن المفترض أن يكون ذلك أفضل لها بل كان ينبغي أن يكون كذلك لكن…
‘لماذا…؟’
كان قلبها يخفق بعنف، ويعيد صورته إلى ذهنها مرة بعد أخرى ويشعل أسئلة لا معنى لها.
رجل لا ينبغي أن تفكر فيه أصلًا، وما إن تتذكر كلماته الباردة الأخيرة حتى يعود الحقد ليملأ صدرها.
فلماذا…؟
***
ظل فينسنت يراقب ضوء غرفة ابنته الذي لم ينطفئ طوال الليل.
وقبيل الفجر خرج على عجل فمنذ أن قرأ أوراق الطلاق المرسلة إليها لم يعد قلبه مطمئنًا، كان يعلم أنه لا يحق له فتح الرسائل الموجهة لابنته لكن الظرف القادم من بلانشيت بدا غير اعتيادي.
ففتحه أولًا لأنه لم يكن يريد أن تتلقى ابنته صدمة جديدة.
وحين اكتشف أنه يحتوي على أوراق الطلاق ارتبك.
ثم أعاد إغلاقه بعناية، وتظاهر بأنه لا يعلم شيئًا وظل أيامًا مترددًا.
كيف سيكون وقع تلك الأوراق عليها؟
وما الذي يجب أن يفعله ليخفف عنها الألم؟
أسئلة كثيرة أحاطت به لكنه لم يكتفِ بالتفكير.
فقد أمر موظفيه بالتحقيق في التصرفات الغريبة التي صدرت عن الدوق كاسيان، بدأ تحقيقه منذ أن علم أن الرجل جاء إلى لورفيا
ثم غادر دون أن يرى زوجته.
كان يشعر أن ثمة أمرًا خاطئًا وربما أكثر مما يبدو.
ولولا أن الأمر يتعلق بابنته لما اهتم أصلًا لكن كلما تعمق التحقيق ازداد الغموض.
كانت تحركات كاسيان مريبة بحق فقد وصل متأخرًا إلى ساحة المعركة وقبلها مباشرة كان قد عبر حدود إمبراطورية هارت ولم تكن الأدلة قاطعة، لكن مروره بمصحة قريبة من الحدود أثار شكوكًا كثيرة.
‘هارت…’
ذلك المكان الذي يوجد فيه الدواء القادر على إنقاذ روز عندها أرسل فينسنت رسالة إلى السير تيوبه، نائب كاسيان، كانت بينهما معرفة سطحية لا تتجاوز بضع لقاءات، لذلك لم يتوقع ردًا.
لكن خلافًا لتوقعاته وصله الرد بالموافقة وحين التقيا كان تيوبه مستعدًا لفعل أي شيء، ما دام ذلك سينقذ سيده الذي بلغ حالًا يُرثى لها ولأول مرة كشف كل الحقيقة بدلًا عن كاسيان.
“يبدو أن هناك سوء فهم بينهما. حين كان سيدي في ساحة المعركة توجه إلى هارت حتى وهو على شفا الموت كان يحتفظ بذلك الدواء بين يديه. لكن لم يتمكن من إيصاله في النهاية.”
وبعد ذلك مباشرة نشرت الصحف خبرًا يفيد بأن حياة الدوق كاسيان أصبحت في خطر ثم وصلت أوراق الطلاق.
جمع فينسنت قطع الأحجية بهدوء ثم نهض من مكانه.
كان هناك أمر واحد فقط أصبح واثقًا منه، ذلك الرجل يحب ابنته حبًا يفوق الوصف وهو يموت.
أما الضوء الذي ظل مشتعلًا في غرفة ابنته حتى الآن فكان يخبره بحقيقة أخرى أنها لم تستطع نسيانه.
ولم يحتج فينسنت إلى وقت طويل ليحسم قراره.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.