مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 147: 147نحو 7 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 147: 147

147

الفصل مائة وسبعة وأربعون 

توقفت العربة التي أقلّت كاسيان إلى أراضي لورفيا في ساحة هادئة على أطراف البلدة ولأنها مدينة صغيرة بعيدة عن العاصمة، فإما أن أخبار العاصمة لم تصل إليها بعد، أو أن سكانها لم يكترثوا بها أصلًا، لذلك لم يتعرف أحد إلى كاسيان. 

كان بعض المارة يرمقونه للحظة بسبب هيئته اللافتة، ثم يمضي في طريقه لا أكثر ولعلها كانت ساحة للتنزه، إذ كان معظم من فيها عائلات جاءت لقضاء وقت ممتع. 

كان زوجان يتبادلان الضحكات والحديث، ثم قال أحدهما إنه سيشتري حلوى القطن، فاتجها إلى البائع المقابل. 

وقف كاسيان في مكانه شاردًا يراقب ذلك المشهد. 

على الجانب الآخر، كان طفل رضيع يبتسم له ببراءة دون أن يعلم أي رجل يقف أمامه. 

لقد كانت هي أيضًا كذلك كانت تبتسم له كلما رأته. 

صحيح أن ابتسامتها لم تكن بصفاء ابتسامة ذلك الطفل البريئة، لكنها ظاهريًا كانت تشبهها. 

بعد قليل عاد الزوجان يحملان حلوى قطنية وردية تشبه الغيمة، ثم تبعا نظرات طفلهما حتى توقفت أعينهما عند كاسيان. 

قطّب الأب حاجبيه، وأدار عربة الطفل في الاتجاه المعاكس. 

“إنه رجل غريب.” 

“صحيح لا تنظري إليه حتى.” 

التقط تيوبه همساتهما، فأدار رأسه وكان سيده لا يزال واقفًا في مكانه، شارد الذهن وقد غدا شاحبًا إلى درجة بدا معها كأنه رسول موت خرج لتوه من عالم الأموات. 

فهم تيوبه الآن لماذا ابتعد الزوجان بطفلهما بتلك السرعة. 

ففي هذا المكان الجميل الذي يناسب النزهات، لم يكن هناك شخص يحمل تلك الهيئة الكئيبة والمخيفة سوى سيده لكن مع ذلك، كان كلامهما قاسيًا للغاية وسيده يعاني أصلًا بما فيه الكفاية. 

اقترب تيوبه وقال بحذر: 

“يقال إن الأطفال أفضل من يميز أصحاب الوجوه الجميلة يبدو أن الطفل ابتسم لك لهذا السبب.” 

لكن كلمات المواساة تلك لم تجد أي أثر. 

واصل كاسيان السير بلا وجهة. 

وفي الحقيقة لم تكن لتواسيه. 

ففي هذه الأيام، أدرك كاسيان أن الوسامة هي أكثر الأشياء عديمة الجدوى في هذا العالم، وكذلك الثروة والنسب الرفيع، كل تلك المزايا التي يتمنى الناس امتلاكها لم تستطع أن تصل إلى قلب تلك المرأة بل لم يكن بإمكانها ذلك أصلًا. 

طالما ظل هو كاسيان دي بلانشيت فلن يتغير شيء. 

وكان ذلك الواقع يثير في داخله حزنًا وغضبًا لا يوصفان. 

واصل السير بخطوات واسعة عبر وسط لورفيا وتبدلت المناظر مرارًا حتى وصل في النهاية إلى قلعة لورفيا. 

في الأصل، لم يكن ينوي المجيء إلى القلعة، لقد سار بلا هدف فوجد نفسه هنا كما أن القلعة لم تكن بعيدة عن مركز البلدة. 

أوقفه فارس حديث العهد بالخدمة على ما يبدو. 

“أرجو التحقق من هويتكم.” 

نظر إليه كاسيان بعينيه الهادئتين، ثم عاد إليه شيء من وعيه. 

آه… صحيح، هكذا هي الحقيقة. 

أما شهادة الزواج فلم تكن سوى غلاف جميل يعرفه الجميع. 

أما الحقيقة فلم يكن بينهما شيء. 

وقد جاء إلى هنا بدافع غريزي فقط ليرى يوريسييل لكن في تلك اللحظة، استعاد رشده أخيرًا. 

‘من أكون حتى أتي لرؤيتها؟’ 

هما زوجان بالاسم فقط، زوجان لا يجمع بينهما أي حقيقة. 

بحسب التقارير فهي تعيش هناك بخير. 

طبعًا، لم تكن التقارير سوى معلومات عن تحركاتها وسلامتها. 

ولم يأمر هو بالحصول على تفاصيل أكثر، كما أن تيوبه لم يكن يرفع تقارير تتجاوز ما طُلب منه أما الفرسان الذين كانوا يراقبونها سرًا فكانوا يمنعون أي شخص مريب من الاقتراب منها. 

حتى لو كان صحفيًا ولهذا السبب تحديدًا لم تظهر أي إشاعات أو أخبار مزعجة عنها حتى الآن. 

ومع ذلك لم يكن في ذهن كاسيان سوى فكرة واحدة. 

بعد أن تنال قسطًا كافيًا من الراحة ستعود إليه. 

‘لابد أن تعود.’ 

كل ما يستطيع الاحتفاظ به هو ظلها فحسب حتى هو نفسه كان يرى أن تعلقه بذلك الظل ضرب من الجنون ومع ذلك ربما يأتي يوم تشعر فيه أن البقاء إلى جواره هو أيضًا سعادة. 

فكما أن الشتاء القارس لا يدوم، ويعقبه الربيع المشرق فلعل يومًا كهذا يأتي. 

وبينما كان يسير بمحاذاة أسوار قلعة لورفيا وصل إلى سمعه صوت مألوف لم يحتج حتى إلى الالتفات ليعرف صاحبته. 

‘يوريسييل.’ 

سمع وقع خطوات خلف الأشجار، فتبع الصوت، لم يكن قد اتخذ قرارًا واعيًا لقد تحرك ثم أدرك أنه يسير خلفها. 

وكما توقع كانت هناك، كانت قد رفعت شعرها الأحمر وربطته إلى أعلى، وكانت تتحدث مع شخص ما أما محدثها فكان الكونت فينسنت لورفيا وقد عاد شعره إلى لونه الأحمر، وكأن اللون السابق لم يكن لونه الحقيقي أصلًا ولذلك بدا الاثنان أكثر شبهًا من ذي قبل كأنهما أب وابنته بل هما بالفعل أب وابنته. 

ورغم أنه يعرف هذه الحقيقة، فإن مجرد النظر إلى ظهريهما كان يمنحه هذا الإحساس بوضوح. 

وتذكر أيامًا لم يكن يعرف فيها تلك الحقيقة حتى آنذاك، كان يشعر بأن بينهما شبهًا غريبًا. 

تابعهما بصمت. 

اجتازا الغابة حتى وصلا إلى جدول ماء صغير قريب وكان شعرهما الأحمر يتمايل مع النسيم وفي مواجهة زرقة الماء والسماء بدا ذلك اللون أكثر إشراقًا في عينيه، وقف بعيدًا يراقب الأب وابنته. 

اقتربت يوريسييل ببطء من زهرة صغيرة، أغمضت عينيها واستنشقت عبيرها فأعاد ذلك المشهد إلى ذاكرته تلك الفتاة التي التقاها أول مرة في ألفونس لكنها الآن لم تعد فتاة صغيرة بل أصبحت امرأة ناضجة ومع ذلك ابتسمت ابتسامة بريئة كتلك التي رآها قديمًا بل كانت أكثر إشراقًا من يومها. 

كانت زهرة عادية، لا تحمل أي سمة مميزة لكن الابتسامة التي رسمتها لها كانت جميلة على نحو مبالغ فيه. 

إلى حد جعله يكاد يغار من تلك الزهرة. 

فما أبعدها عن تلك المرأة التي كانت تحتضر كلما وقفت أمامه. 

ولذلك لم تستطع قدماه أن تتحركا، وعندما ناداها والدها استدارت نحوه بابتسامة مشرقة لم يرَ مثلها من قبل، ثم وقفت إلى جواره. 

جلست تنظر إلى مياه الجدول وتضحك ضحكات صافية متتالية. 

أدارَت وجهها قليلًا وكانت الحياة تفيض من ملامحها لكن تلك الابتسامة خمدت سريعًا، وكأنها تذكرت واقعها. 

ورغم أنها لم تستمر إلا لحظة إلا أنها انطبعت في ذاكرته بوضوح. 

‘إذن كانت تستطيع أن تبتسم هكذا أيضًا؟’ 

لا، لقد رآها مرة واحدة فقط تبتسم ابتسامة مشابهة. 

قديمًا… عندما كانت مع والدتها الحقيقية على شاطئ البحر. 

قبل أن ينتزع منها نور الحياة. 

ستظل هكذا كلما رأت وجهه، ستفقد بريقها. 

حينها عاد إلى ذهنه ما أخبره به تيوبه منذ أيام، لقد كانت والدة يوريسييل المرأة التي أحبها والده طوال حياته وعندها فقط اكتملت كل القطع الناقصة لكن الحقيقة التي انكشفت لم تمنحه راحة بل تركته في دوامة من الذهول وكأن صندوقًا لم يكن يرغب في فتحه قد انفتح أخيرًا. 

نعم، هكذا كانت الحقيقة. 

أدرك أخيرًا كم كان مخطئًا، وكم كان متغطرسًا طوال الأشهر الماضية. 

‘هذه المرأة لن تعود إلي أبدًا.’ 

ترسخت تلك الحقيقة أكثر فأكثر في ذهن كاسيان كلما اتسعت ابتسامتها التي لم يرها من قبل وكلما ازدادت جمالًا وإشراقًا. 

استدار أخيرًا وغادر، كان يسير بخطوات متعثرة. 

طنينٌ يملأ رأسه وأنفاسه تتسارع بعنف لكن تلك الأعراض لازمته منذ مدة، لذلك لم يعد يعدّها أمرًا يستحق الاهتمام. 

راقبه تيوبه، وما إن انعطف سيده خلف الزاوية حتى أسرع ليسنده. 

“سيدي هل أنت بخير؟” 

كان قلق تيوبه يتضاعف يومًا بعد يوم فسيده لم يرفض الدواء إلا منذ وقت قريب ومنذ أن غادرت السيدة إلى لورفيا لم يعد كما كان، وكان يظن أن الزواج سيمنحه بعض الاستقرار لكن العكس هو ما حدث. 

شعر تيوبه وكأنه يسير فوق جليد رقيق قد ينكسر في أي لحظة. 

ولم يكن حدسه مخطئًا. 

“سيدي!” 

ترنح جسد كاسيان ثم فقد توازنه وسقط أرضًا. 

***

رفعت يوريسييل نظرها عن السمكة التي قفزت خارج الماء وهي تُحدث رشة خفيفة، ثم أخذت تتلفت حولها. 

اقترب منها فينسنت وسألها بقلق: 

“ما الأمر؟” 

قالت وهي تحدق في الاتجاه البعيد: 

“أظن أنني سمعت صوتًا هناك.” 

ظن فينسنت في البداية أن الأمر لا يستحق القلق، لكنه سار نحو الجهة التي أشارت إليها ابنته احتياطًا وما إن وصل حتى وقعت عيناه على عربة آل بلانشيت وهي تبتعد فتجمد جسده في مكانه.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.