مساحة للحكاية، ووقت لك← ظلي المتغطرس
الفصل 146: 146نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 146: 146

146

الفصل مائة وستة وأربعون 

كانت جدران القلعة تزدحم باللوحات؛ صورٌ لوالدتها، وأخرى لها، تملأ المكان من أقصاه إلى أقصاه ولم تكن بحاجة لأن تسمع من والدها كيف عاش بعد رحيل والدتها. 

فكل تلك اللوحات كانت تحكي وحدها مقدار الوحدة التي ابتلعته. 

في الأثناء، كان الخدم ينقلون أطباق الطعام تباعًا. 

أما الطهاة، الذين فقدوا في الآونة الأخيرة متعة الطهي بسبب سيد الإقليم الذي لم يعد يأكل شيئًا من فرط فقدانه للشهية، فقد بدوا اليوم في غاية الحماس بعدما أمر فينسنت بإعداد وليمة عامرة. 

ولما ناداها والدها إلى المائدة، اتسعت عينا يوريسييل دهشة وهي ترى الأطباق تملأ الطاولة حتى خُيّل إليها أنها ستنهار من ثقلها. 

قال فينسنت بهدوء: 

“كلي حتى تشبعي.” 

ثم صرف بصره إلى الأطباق حتى لا يحرجها. 

لكن انتباهه ظل منصبًا عليها طوال الوقت. 

أمسكت يوريسييل بالملعقة، وأخذت تتلفت قليلًا قبل أن تبدأ بالحساء،كان دافئًا، ناعمًا، تفوح منه رائحة عطرة حلوة. 

وبعد اللقمة الأولى بدأت تفرغ طبقًا بعد آخر. 

في الحقيقة، لم يكن من الممكن أن يضاهي هذا الطعام مطبخ آل بلانشيت، الذي يضم أمهر الطهاة ومع ذلك بدا لها كل شيء ألذ وأشهى فالطعام الذي لم تستطع ابتلاع لقمة واحدة منه وهي أمام ذلك الرجل استطاعت أخيرًا أن تتذوقه. 

أما والدها، فلم يسألها عن شيء. 

اكتفى بابتسامة باهتة وهز رأسه برضا، ثم بدأ يتناول حساءه. 

ساد الصمت ولم يكن يُسمع سوى رنين أدوات المائدة. 

لكن قلبها لم يعرف سلامًا كهذا منذ زمن بعيد. 

وبعد الفراغ من الطعام، خرجا يتمشيان معًا وطوال النزهة لم يتحدثا إلا عن أمور الحياة اليومية وبين تلك الأحاديث كانت هناك أكاذيب أيضًا. 

سألها فينسنت: 

“هل يعاملكِ الدوق كاسيان حقًا معاملة حسنة؟” 

ابتسمت. 

“بالطبع.” 

تردد قليلًا، ثم قال: 

“إن أغضبكِ يومًا أو أثقل عليكِ شيء…” 

قاطعته بابتسامة صغيرة: 

“ستقول لي أن أعود إلى هنا، أليس كذلك؟” 

ولما أكدت له مجددًا أنها بخير تنحنح بخفة ثم ضحك. 

“يبدو أنني أكرر الكلام نفسه. 

ثم أردف بجدية صادقة: 

“لكنني أعنيه بكل قلبي. تذكري دائمًا أن لك بيتًا تعودين إليه، مهما حدث.” 

***

في ليلة امتلأت بالنجوم كانت تسير مع والدها في الممرات المحاطة بالغابة والنافورة الجميلة وكانت السماء مكتظة بالنجوم حتى بدا وكأنها ستتساقط. 

نظر فينسنت إلى أجزاء الحديقة التي لم يكتمل تنسيقها بعد، وقال بأسف: 

“لو كنت أعلم أنكِ قادمة، لكنت أنهيت كل هذا مسبقًا.” 

ثم التفت إليها وسألها وكأنه يتحدث عرضًا: 

“ومتى ستعودين؟” 

ترددت قليلًا. 

“بعد… مدة. 

حين فكرت بالأمر أدركت أنها جاءت إلى هنا من دون موعد محدد للعودة فهي نفسها لا تعرف متى سيستدعيها ذلك الرجل مرة أخرى ومرّ في ذهنها وجهه، يوم بدا كأنه جُرح بشيء لا يُرى. 

وصوته الخافت وهو يقول: 

“أقيمي في لورفيا فترة من الزمن.” 

لكنها لم تستطع أن تخبر والدها بذلك. 

لم تكن تريد أن تزيد هموم رجلٍ لا يعيش إلا لأجلها. 

ابتسم فينسنت رغم غموض جوابها وقال برفق: 

“حسنًا، ابقي ما شئتِ بل يسعدني أن تطولي الإقامة.” 

وضحك ضحكة دافئة. 

تابعا السير وهما يتبادلان الابتسامات ولم يشعرَا إلا وقد عادا إلى نقطة البداية. 

وحين دخلا الرواق سطع ضوء الثريات فوق لوحة والدتها وقفت يوريسييل تتأملها بصمت فوقف والدها إلى جوارها وقال بهدوء: 

“رأيت أمكِ في المنام الليلة الماضية. 

بدا وجهه الجانبي، وهو ينظر إلى اللوحة، موحشًا. 

ولم يكن بحاجة إلى الاعتراف فهو لم ينسها قط. 

كل ما في الأمر أنه كان يتظاهر بأنه بخير ورغم ذلك بدا أفضل بقليل مما كان عليه ولو بقدر ما يسمح به مرور الزمن فقط. 

قال: 

“سألتني إن كنتِ بخير، ثم اعتذرت لأنها رحلت قبلكِ. وقالت إنها سعيدة هناك. وكانت تبتسم كأن المكان الذي تعيش فيه جميل إلى حد يجعل الابتسام أمرًا طبيعيًا.” 

في تلك اللحظة انهمرت دموع يوريسييل دون أن تشعر. 

‘إنه مجرد حديث عن أمي… قال إنها بخير…’ 

وكأن والدتها كانت تقف أمامها الآن تلوح لها بيدها وهي تبتسم. 

لم تكن تريد أن تنهار أمام والدها بهذا الشكل فهو أكثر الناس ألمًا. 

وربما كانت والدتها تعلم أنها ستبكي هكذا إن ظهرت لها مباشرة. 

لذلك ظهرت في حلم والدها بدلًا منها. 

كلما تذكرت أمها لم يخطر ببالها سوى الندم. 

‘ليتني خرجت معها مرة أخيرة… ليتني أكلت معها وجبة أخيرة.’ 

ثم تتابعت في ذهنها الأيام التي عبث بها فيها ذلك الرجل. 

أيام امتلأت بالندم وعندها قال والدها بصوت هادئ يواسيها: 

“لقد فعلتِ كل ما بوسعكِ يا يوريسييل. فلا تلومي نفسكِ. أمكِ تتمنى، حتى وهي في السماء، أن تكوني أسعد الناس.” 

انهارت دموعها أكثر وربت فينسنت على ظهرها بلطف وكأنه يربت على جراح السنوات الماضية كلها. 

***

كان الزمن يمر ببطء يبعث على السأم. 

وقف كاسيان يتأمل الحديقة التي غمرتها الأزهار المتفتحة لكن عينيه كانتا فارغتين من كل اهتمام. 

كان العيش على الحد الفاصل بين الحياة والموت أشد قسوة من الموت نفسه. 

وفي رأسه استمر ذلك الطنين الغريب، كصفيرٍ لا ينقطع. 

وكان صوتها يمتزج به دائمًا. 

“كان الأجدر بي أن أموت يومها.” 

منذ ذلك اليوم لم يعد حتى يلتزم بتناول الدواء الذي كان يتناوله على مضض وازداد الألم يومًا بعد يوم. 

وكان يهاجمه أحيانًا بعنف يستحيل وصفه لكن صوتها وكلماتها الأخيرة كانت تطغى حتى على ذلك الألم. 

ومنذ توقفه عن تناول الدواء صارت ذكرياته تتقطع. 

كقطع أحجية متناثرة لا تكتمل لكنها جميعًا كانت ندمًا متعلقًا بها. 

‘لو أنني لم أخطئ… لو أنني تصرفت بطريقة مختلفة هل كنتِ ستتغيرين؟ وهل كان مصيرنا سيتغير؟’ 

كان يسأل نفسه ذلك مرارًا. 

وأحيانًا كان يتمنى ببساطة لو أن أحدًا يقتله في الخفاء، أن يفتح عينيه ذات صباح ليجد أنه لم يعد يتنفس. 

رغم أنه لم يكن هناك من يجرؤ على قتله ثم ابتسم بسخرية مرة. 

‘بل كان هناك، ذلك العم المجنون الذي حاول أن يسقيني السم. 

ربما كان الأفضل لو مت يومها، لو مت بالكأس التي قدمتها لي لكنتِ حصلتِ على الدواء من عمي ولنجت أمكِ وكان ذلك خيرًا من حياة معطوبة كهذه وعلى الأقل لكنْتُ بقيت في قلبك كذنبٍ لا يمحى ولربما ذرفتِ دمعة واحدة بسببي.’ 

استمرت تلك الأفكار العبثية تطارده بلا نهاية. 

وفي ليلة حالكة دخل تيوبه ليقدم تقريره. 

“الآنسة بيوشيل توفيت في حادث عربة.” 

ووضع أمامه صحيفة تحمل عنوانًا: 

「طبعة خاصة عاجلة.」 

كانت الصفحات ممتلئة بأخبار صادمة لكن كاسيان لم يتغير وجهه قيد أنملة، لم يظهر عليه سوى ذلك الفراغ البارد. 

***

ولم تمضِ فترة طويلة حتى امتلأت أكشاك الصحف في لورفيا بالخبر نفسه. 

كانت يوريسييل تراقب ازدحام الناس لكنها ما إن سمعت اسم بيوشيلليبيرو حتى شقت طريقها بين الجموع. 

وتصدّر الصفحة عنوان عريض: 

「مصائب متتالية تضرب أسرة بيريوت. 

بعد تجريد رب أسرة بيريوت، ويسترنرود، من لقبه، تأكدت وفاة الابنة الثانية للأسرة، الآنسة بيوشيل بيريوت إثر حادث عربة 

وتنتشر بين الناس شائعات تقول إن ذلك جاء عقابًا على تورط الأسرة في مؤامرة لاغتيال الدوق كاسيان. 

…(بقية الخبر)…」 

تجمدت يوريسييل في مكانها وأعادت قراءة الخبر مرة ثم مرة أخرى وجميع الصحف كانت تقول الشيء نفسه، ماتت بيوشيل في حادث عربة وسقوط أسرة بيريوت ارتبط باسم كاسيان. 

عادت إلى ذهنها صورة بيوشيل وهي تدوس دواء والدتها بقدمها، وصورتها هي وهي تتوسل من أجل الجرعة الأخيرة، وضحكة بيوشيل الساخرة وهي تشاهدها. 

‘لقد ماتت…’ 

شعرت بشيء من الارتياح لكنها لم تستطع أن تشعر بالراحة كاملة. 

كان هناك فراغ غريب أيضًا. 

اشترت صحيفة وأخذت نفسًا عميقًا ثم بدأت تقرأها بتمعن وامتلأ رأسها بالأسئلة. 

‘لقد حاول دوق بيريوت قتل كاسيان؟ لكن لماذا يصل الأمر إلى هذا الحد؟’ 

هل كان السبب أنه فسخ خطبته من بيوشيل ليتزوجها؟ 

لكن مثل هذه الأمور ليست نادرة بين النبلاء أما أن يصل الأمر إلى محاولة قتل فذلك بدا غير منطقي ثم تذكرت. 

‘قيل أيضًا إن الكونت ألتن أُعدم لأنه حاول اغتيال كاسيان. 

فهل هناك صلة بين أسرة بيريوت وحادث العربة؟’ 

كانت تعرف كاسيان، ذلك الرجل لا يرحم من يؤذي نفسه أو من ينتمي إليه. 

‘إذن هل يمكن أن يكون ما أصاب بيوشيل…’ 

توقفت أفكارها ثم هزت رأسها. 

لا، لابد أنه مجرد صراع آخر بين الأسر الأرستقراطية أو ربما كان عقابًا إلهيًا حقًا. 

وفي النهاية اختارت أن تفسر كل شيء بأنه قضاء من السماء. 

فقد كان قلبها المضطرب أثقل من أن يحتمل التفكير حتى في موت بيوشيل. 

***

أما كاسيان فقد محا الزمن من ذاكرته ولم يعد يميز الأيام. 

كل ما كان يراه هو الفصول وهي تتغير خارج النافذة. 

ثم أدار رأسه فوقعت عيناه على صورة يوريسييل المعلقة. 

كانت لوحة قديمة رسمت لها في أيام ألفونس. وحين رآها ازداد يقينًا أن تلك المرأة فقدت نورها وحيويتها وهي إلى جواره. 

أما آخر مرة رآها فيها فقد كانت تحمل في عينيها ضوء المحتضر. 

‘هل أنتِ سعيدة هناك؟ هل استعادت عيناكِ بريقهما لأنني لم أعد أمامكِ؟’ 

‘حتى في ذلك الزمن لم تكوني سعيدة تمامًا لكن إلى جواري حتى ذلك القدر الضئيل من الضوء كان يختفي.’ 

اللعنة كل تلك الذكريات لم تكن تفارقه، سواء أغمض عينيه أو فتحهما، كانت تنهش قلبه بلا رحمة. 

نهض من مكانه وسار بلا هدف ثم صعد إلى العربة. 

وقال باقتضاب: 

“إلى لورفيا.” 

حاول تيوبه أن يثنيه عن قراره أكثر من مرة لكن كاسيان، الذي لم يعد يحتفظ إلا ببقايا من اتزانه لم يسمع شيئًا.

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.