الفصل 145: 145
145
الفصل مائة وخمسة وأربعون
ارتسمت صورة يوريسييل، وهي تقف على حافة الهاوية، كاملةً داخل عيني كاسيان الحمراوين.
وفي تلك العينين المتلاطمتين، سرعان ما اندلع غضبٌ عارم ثم اندفع نحوها بخطوات واسعة ثابتة، لا أثر فيها لأي تردد. أمسك بقطعة الزجاج الحادة، وقبض عليها بيده دون أن ينتزعها منها.
ارتجفت عينا يوريسييل بدهشة وهي تحدق فيه.
“اتركها.”
كانت نظرتها قد استعادت صلابتها بل إنها، في الحقيقة، كانت تبذل كل ما تملك من قوة كي تبدو حازمة ولم تمنح حتى نظرة واحدة إلى يد الرجل التي لا بد أن الشظية الحادة كانت تمزقها، والدم يقطر منها فمهما أصيب هذا الرجل فلن تكون جراحه، في نظرها، سوى خدوش تافهة لا تُقارن بما أصابها.
سواء مات أو عاش لم يعد ذلك يعني لها شيئًا.
وما هذه الإصابة الصغيرة إلا لا شيء.
كان عليها ألا ترمش حتى، كان عليها أن تظل كذلك.
وبعد أن كررت ذلك لنفسها مرارًا، خرج صوتها منخفضًا، فارغًا من الحياة.
“دعني أرحل.”
“…”
“أطلق سراحي الآن وإلا فلا أعلم حقًا ماذا قد أفعل.”
ازدادت نبرتها صلابة شيئًا فشيئًا لكن دموعها، على النقيض، ظلت تنهمر بلا توقف على وجنتيها أما كاسيان، فظل يقبض بيده النازفة على قطعة الزجاج، ثم أدخل يده الأخرى بين أصابعها حتى لا تتمكن من الإمساك بها مجددًا.
كان من المؤكد أن الزجاج سيغرز في كفه ويشقها.
ومع ذلك لم يتحرك في وجهه أي تعبير.
كل ما ارتسم عليه كان تلك الابتسامة الساخرة الواضحة.
وقال وهو يواجهها:
“يبدو أنك تحاولين تهديدي بالانتحار.”
“…”
“لكن أنتِ لا تستطيعين أن تموتي.”
انعكست في عيني يوريسييل نظرة كاسيان الجامدة، الباردة إلى حد الصقيع وانحنت عيناه القرمزيتان، القريبتان من لون الدم، في ابتسامة ماكرة.
“لن تكوني ممن يسبقون والدكِ، الكونت فينسنت لورفيا، إلى الموت… أليس كذلك؟”
“…”
“برأيكِ ماذا سيحدث لوالدكِ لو علم أنكِ فعلت هذا؟”
بدأت القوة تغادر يدها التي كان يمسكها واهتزت عيناها الزمرديتان بلا وجهة وهي تحدق فيه.
أمسك كاسيان بمعصمها، ثم رفع يده الأخرى ومسح بها وجهها المرتجف وانزلقت دموعها الغزيرة فوق كفه.
وقال ساخرًا:
“أنتِ لن تتركي والدكِ وترحلين.”
ثم تابع بابتسامة باردة:
“لذا… توقفي عن هذه الحماقات.”
كان صوته جافًا إلى أقصى حد لكن ملامحه كانت متصلبة على نحو غير مألوف.
عندها فقط ارتخت أصابع يوريسييل ببطء فاستقرت قطعة الزجاج بالكامل داخل كف كاسيان ومن دون أن يكترث للدم الذي يسيل من يده، حملها بين ذراعيه، ثم وضعها على السرير رغم مقاومتها ولم تمضِ سوى لحظات بعد أن جذب حبل الاستدعاء، حتى اندفع الطبيب الخاص إلى الداخل، وقد شحب وجهه من هول ما رأى، حاملاً أدوات العلاج.
وبعد انتهاء العلاج انتزع كاسيان الضماد من يد الطبيب، ولفه بنفسه حول يد يوريسييل أما هي فلم تعد تملك حتى القوة لتصرخ فاكتفت بتركه يفعل ما يشاء.
وفي أعماقها كانت المشاعر تثور بلا رحمة.
في السابق استغل دواء أمها والآن اتخذ من والدها رهينة.
كان يعرف مواطن ضعفها معرفةً مرعبة.
وشعورها بأنها محاصرة داخل ظلام لا يحمل ذرة أمل جعل روحها تجف أكثر فأكثر.
***
ظل كاسيان يراقب يوريسييل، التي لم تعد تتحرك أمامه، حتى دخل الطعام إلى الغرفة، فخرج بصمت وبقي واقفًا في الخارج وقتًا طويلًا وحين خرجت الصينية من جديد كان الطعام عليها كما هو تقريبًا.
لم ينقص منه إلا القليل وهذا وحده كان كافيًا ليفسر سبب ازدياد نحولها يومًا بعد يوم، كانت كما قال الأطبا لا تعيش، بل تُبقي نفسها على قيد الحياة بالكاد.
لم تكن تحيا بل كانت تتحمل الحياة قسرًا.
إذًا بالنسبة إليها، كانت حياته إلى جواره لا تعني أكثر من ذلك.
مضى كاسيان بلا وجهة.
وحين عاد تيوبه بعد إنهاء أعماله، لمح الدم القاني يتساقط من يد سيده، فتجمد في مكانه من الصدمة.
استدعى الطبيب على الفور وبإلحاح من تيوبه، عالج الطبيب جرحه ولف عليه الضمادات وقال بذهول:
“الجرح عميق جدًا كيف احتملت كل هذا؟”
ظل الطبيب يتحدث بلا انقطاع أثناء العلاج لكن كاسيان لم يسمع كلمة واحدة، كان يحدق في الفراغ بعينين خاليتين.
وكعادته رفع بصره نحو النافذة وفي الخارج كان يرى ظل يوريسييل، من بعيد لم تكن تبدو مختلفة لكن كلما واجهها وجهًا لوجه اكتشف كم تغيرت.
وجه شاحب، مرهق، ذابلة الحياة، نظرة فقدت نورها، وشفتان بلا لون وذلك الوجه الحازم حين وضعت الزجاج على عنقها.
كل تلك المشاهد كانت محفورة بوضوح داخل عقله وكل شيء كان حيًا في ذاكرته، تمامًا كدموعها التي لم تتوقف عن الانهمار.
آه… لم يعد أمامه سوى الاعتراف.
هي لن تستطيع أن تكون سعيدة إلى جواره بل إن كل لحظة تعيشها معه كانت جحيمًا.
وكان يظن أنه إن كان لا بد لها من السير في الجحيم، فلتسر فيه إلى جانبه ومع الزمن سيبهت الألم ويخفت لكن الآن فقط أدرك الحقيقة، وجودها معه هو شقاؤها بعينه بل إن مجرد التنفس أصبح عبئًا عليها، كانت تعيش لأنها عاجزة عن الموت
وستظل تحدق إليه بذلك الوجه الرمادي، كدمية قديمة فقدت روحها أما روحها فكانت تحتضر ببطء.
استدار كاسيان فجأة.
“سيدي! سيدي! إلى أين تذهب؟!”
تعالت صيحات تيوبه خلفه لكنه لم يجب واكتفى بالسير بخطوات واسعة عبر الممرات حتى توقف أمام غرفة يوريسييل ثم فتح الباب بقوة فارتجفت هي من صوت الباب العنيف.
لكنها سرعان ما عادت تنظر إليه بتلك العينين اليابستين.
قال باقتضاب:
“اذهبي.”
نظرت إليه في حيرة، غير مستوعبة قصده.
فكرر:
“قلت… اذهبي.”
“…”
“سأرسلك إلى إقليم لورفيا المكان الذي ترغبين بالعودة إليه.”
“…!”
***
لم تعرف يوريسييل ما الذي غيّر قلب ذلك الرجل لكن واقعها الآن كان يفرض عليها أن تتمسك حتى بهذا التغيير المفاجئ.
وقبل أن يتراجع عن قراره هربت كما لو كانت تخشى أن يستيقظ من نزوة الرحمة تلك وصعدت مباشرة إلى العربة.
في البداية ساورها الظن بأنه يدبر لها إذلالًا جديدًا لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.
تحركت العربة بهدوء وانسيابية وما إن غادرت العاصمة حتى بدأت المناظر خارج النافذة تتبدل ببطء.
فتحت النافذة فداعب النسيم وجهها برفق.
كانت الأزهار المتفتحة تمتلئ بالحياة، وتغتسل بأشعة الشمس الذهبية وعندها فقط شعرت حقًا بأنها ابتعدت عن ذلك الرجل.
يا ترى بأي نية أرسلها إلى لورفيا؟
خطرت الفكرة ببالها لكنها دفعتها جانبًا.
اليوم أرادت أن تُفرغ رأسها من كل شيء.
فمجرد ابتعادها عنه كان يجعل صدرها يتنفس من جديد.
وسرعان ما تبدلت المناظر إلى الجداول الجميلة التي تشتهر بها لورفيا.
عندها بدأ القلق يتسلل إليها.
‘والدي… لا يعلم شيئًا…’
أصابها الخوف من الدخول إلى لورفيا خشية أن تقلقه بلا داعٍ لكن اشتياقها لرؤية والدها كان أقوى بكثير من خوفها.
وبينما كانت غارقة في أفكارها وصلت العربة إلى قلعة لورفيا.
كان والدها قد أخبرها سابقًا أنه انتقل من القصر القديم إلى القلعة الجديدة بعد اكتمال أعمال التوسعة وقد أصبحت الآن شامخة، مهيبة، وآسرة الجمال. وما إن وصل خبر وصول يوريسييل حتى ألقى فينسنت بكل ما كان بيده، وأسرع خارجًا حتى إنه خرج دون أن يرتدي معطفه جيدًا.
وحين وقعت عيناه على ابنته بعد طول غياب ابتلع دموعه بصعوبة.
في الحقيقة لم يكن قد مضى عام كامل على زواجها.
ولذلك قد يبدو وصف الأمر بـ”الغياب الطويل” مبالغًا فيه.
لكن بالنسبة إليه كان الزمن دونها طويلًا إلى حد لا يُحتمل.
ففينسنت لم يعتد بعد على الفراغ الذي تركته ابنته في حياته.
ما إن نزلت من العربة حتى ركضت نحوه وارتمت بين ذراعيه.
وظل الأب وابنته متعانقين طويلًا يهدئ كلٌ منهما الآخر.
واستمرا كذلك حتى مالت الشمس إلى المغيب، واكتست السماء بحمرة الغروب.
***
تأمل فينسنت ابنته التي لم يبق منها إلا خيط من الجسد، فعقد حاجبيه كان يظن أنها لم تعد تستطيع أن تفقد المزيد من وزنها.
لكنها بدت الآن أرق من أي وقت مضى وشحوب وجهها أثار قلقه أكثر فسأل بوجه متجهم:
“أذلك الوغد لم يطعمكِ حتى عصيدةً تسد رمقكِ؟”
ابتسمت يوريسييل ابتسامة متكلفة وهي تشعر بالذنب.
“كيف يمكن ذلك؟ إنه آل بلانشيت، في النهاية.”
ولم يهدأ قلب فينسنت إلا بعدما أكدت له مرارًا أنها سعيدة حقًا.
عندها فقط توجه إلى داخل القلعة وقال لها إن عليه أن يُعد بعض الأمور، وطلب منها أن تتجول قليلًا ريثما ينتهي، ثم مضى نحو القاعة الرئيسية وبقيت يوريسييل وحدها.
رفعت رأسها نحو الثريا الفخمة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة ثم بدأت تمشي ببطء حتى وصلت إلى ممر طويل.
وفجأة توقفت خطواتها في مكانها.
لقد استقرت عيناها على لوحة كبيرة كانت تملأ الجدار بأكمله.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.