مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 144: 144نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 144: 144

144

الفصل مائة وأربعة وأربعون 

منذ ذلك اليوم، لم تستطع يوريسييل أن تنهض من فراشها لفترة طويلة بل راودتها فكرة أن الموت قد يكون أرحم. 

‘لو اختفيت الآن هل سيعمّ السلام أخيرًا؟’ 

لم تكن تطمع حتى بالراحة الأبدية. 

كانت تتمنى فقط أن تتحرر من هذا العذاب الذي يشبه الجحيم لكن في نهاية كل كابوس، كان والدها يقف هناك ذلك الرجل الذي يمنعها من التخلي عن كل شيء. 

أما أطباء عائلة بلانشيت، أولئك الذين لا يُختار منهم إلا أصحاب المهارة الاستثنائية، فلم يتركوها وشأنها حتى اليوم. 

“لقد أصبحت بخير الآن.” 

لكنهم، حتى بعد تعافيها الجسدي، لم يغادروا جانبها قط. 

“نعتذر… هذه أوامر السيد الشاب.” 

وكانوا يؤدون واجبهم بوصفهم الأطباء الخاصين بعائلة بلانشيت بكل إخلاص، دون أدنى تقصير ولم يكن بوسعها أن تلوم أشخاصًا لا يفعلون سوى أداء عملهم. 

كل ما كانت تكرهه حتى الجنون هو ذلك الرجل الذي يحرك كل شيء من خلف الستار. 

كانت كلماته الأخيرة لا تزال تتردد في رأسها كصدى لا ينتهي. 

لقد قال بنفسه إنه هو من أمر بعدم إعطائها الدواء. 

وعندما قالها لم يتغير تعبير وجهه ولو قليلًا بل إن زاوية شفتيه ارتفعت في ابتسامة ساخرة وكأن ما فعله بها لم يكن يستحق الذكر. 

وكأنه ينظر إليها بازدراء، متسائلًا إن كانت قد ائتمنته أصلًا على ذلك الدواء. 

لم تستطع نسيان ذلك الوجه. 

كان يعلم تمامًا ماذا حدث لأمها بسبب غياب ذلك الدواء ومع ذلك تفوّه بتلك الكلمات. 

نعم، منذ البداية، كان هذا ما ينويه. 

ترددت في أذنها كلماته العبثية، حين قال إنه فعل كل ذلك ليبقيها إلى جانبه، هكذا كان الحب بالنسبة إليه. شيء مشوّه لا تعرف حتى إن كان يُسمّى حبًا أصلًا، ولا تريد أن تفهمه. 

ومع ذلك هو الرجل الذي أطاح بحاكم ألفونس، وأنقذ والدتها، وعلّق لوحاتها في قصره ولهذا ظنت، بغباء، أن ما يكنّه لها قد يكون حبًا لكن كل شيء كان مجرد وهم. 

“وبعد كل ما قاله كيف يستطيع…” 

لم تعد حتى قادرة على الضحك بسخرية. 

بالطبع، حتى لو أنكر أنه قال تلك الكلمات، لما صدقته لكن على الأقل لو كان إنسانًا بحق، لوقف أمامها وملامح الذنب تغطي وجهه بل كان من الأفضل لو اختبأ خلف الدوقة إليز فعلى الأقل لما بلغ بها الغضب والاحتقار هذا الحد أما أن يتشبث بإبقائها على قيد الحياة، فيحاصرها بالأطباء وكأن حياتها أهم من كل شيء فذلك كان مقززًا، لقد أجبرها على العلاج بل حتى الطعام الذي يُقدَّم لها كان كله معدًا وفقًا لما تفضله. 

وكان الطهاة يقفون بجانبها يراقبونها وهي تأكل وكلما تركت صنفًا واحدًا، بدا وكأنهم يحفظون ذلك في ذاكرتهم، إذ يتغير الطعام في اليوم التالي فورًا ليتوافق مع ذوقها. 

وكان هذا وحده كفيلًا بإشعارها بالاختناق وكلما تذكرت أن الجميع ينظر إليها بذلك التوتر بأوامر منه شعرت بالغثيان. 

حقًا كان يتصرف وكأنه يريد دمية حية لا أكثر. 

يحافظ فقط على خيط حياتها بعد أن التهم روحها بالكامل. 

***

منذ أن دخلت تلك المرأة هذا المنزل أخذ الزمن يمضي بسرعة غريبة رغم أنها لم تعد حتى تصادفه كانت كظلٍّ يغيّر مجرى الأيام 

حتى روتينه اليومي تبدّل بالكامل. 

يبدأ صباحه بإشعال السيجار ثم يحاول مراجعة الأوراق، لكنه لا يلبث أن يرفع رأسه، لتتبع عيناه، من بعيد، طيف تلك المرأة. 

وفي كل مرة كان تيوبه يدخل ليقدم تقريره. 

وجميع التقارير المتعلقة بها كانت سيئة. 

كم ازداد هزالها، وكم شحب وجهها أكثر. تقارير تُرفع إليه ساعة بعد ساعة وكان الصمت هو خاتمة كل تقرير. 

حين يفكر في الأمر… بل لا حاجة حتى للتفكير. 

هو بالفعل رجل مجنون وكان مجنونًا منذ البداية. 

لكن كل ما يتعلق بها كان يدفعه إلى جنون أشد. 

أن يحتجزها إلى جواره ثم يمزق جراحها بيديه كان تصرفًا حقيرًا حتى في نظره وكلما أعاد التفكير ارتسم وجهها الشاحب بوضوح أكبر ذلك الوجه الذي بدا وكأنه فقد العالم كله عندما قال لها إنه هو من منع إعطاء الدواء. 

كانت قد جاءت وهي مقتنعة أصلًا بأنه المذنب ومع ذلك، بدا عليها الذهول حين سمعت اعترافه وكأن الصدمة أصابتها من جديد. 

ولم يتغير شيء بعدها، قيل له إنها، منذ ذلك اليوم، لم تعد تتناول طعامها كما ينبغي. 

وفي النهاية وصله اليوم تقرير عاجل. 

“السيدة انهارت.” 

اندفع كاسيان عبر الرواق مسرعًا نحو الملحق الواقع في أقصى الجناح الغربي ودفع الباب بعنف. 

بانغ! 

ودخل بخطوات واسعة. 

ومن بين الأطباء الذين أحاطوا بالسرير رآها. 

رفع الأطباء تقريرهم إليه بينما كان يحدق بها بصمت. 

“ستستعيد وعيها لكن قواها منهكة للغاية.” 

رفع حاجبه قليلًا، وكأنه يقول لهم: أكملوا. 

فقال الطبيب: 

“إن بقيت على هذا الحال فقد يحدث ما لا تُحمد عقباه.” 

“والحل؟” 

خرج صوته خشنًا، أشبه باحتكاك الحديد. 

“المشكلة نفسية في المقام الأول…” 

لم يستطع أي طاهٍ أن يجبرها على الطعام والآن حتى الأطباء أنفسهم باتوا يقولون إنهم عاجزون عن شفائها. 

كانت مستلقية دون أن تسمع حديثهم وجهها هادئ لكنه شاحب كشخص مصنوع من الثلج وعندما رآها عن قرب بدت أضعف بكثير مما كانت عليه وهي مجرد ظل يراه من بعيد. 

كانت نحيلة منذ البداية، حتى ظن أنه لم يعد فيها ما يمكن أن يهزل 

لكنها أصبحت أرق من ذلك حتى خُيّل إليه أنه لو حملها على ظهره، فلن يشعر بوجودها أصلًا كغصن صفصاف رقيق. 

الجميع كانوا يقولون الشيء نفسه إن هذه المرأة لن تستطيع أن تكون سعيدة ما دامت إلى جانبه. 

كانت تصرخ بذلك بكل ما أوتيت من قوة. 

كل دقيقة، كل ثانية، كانت تتوق للهروب منه وكانت ترفض كل ما يقدمه لها وكأنها تنكر وجوده كله. 

‘وهل تظنين أنني سأطلق سراحكِ بهذه الطريقة؟’ 

لو كان ينوي ذلك لما حاول احتجازها منذ البداية. 

كان يعلم أن ما يفعله سخيف فلو أراد الاحتفاظ بها لما غرس تلك الجراح في قلبها. 

خصوصًا بعد أن أضاف إليها أكاذيب لم تكن موجودة أصلًا ثم راح يحتجزها بقلب مظلم متناقض لا ينسجم مع أفعاله إطلاقًا. 

غطى كاسيان وجهه بكفه الكبيرة، ومسح وجهه بإرهاق. 

وتوالت صورها في ذهنه. 

هي التي تأتي كل يوم بأوراق الطلاق لتلقيها أمامه. 

وهي التي لا تفكر إلا في الرحيل. 

وهي التي تموت ببطء كلما وقفت أمامه. 

أنزل يده فامتلأت عيناه الحمراوان بيوريسييل. 

هي التي استلقت الآن هكذا، وكأنها تحتج حتى على أن تترك له ظلها. 

وهكذا مرت أيام عدة وبفضل مهارة أطباء بلانشيت، عاد نبضها وتنفسها إلى حالتهما الطبيعية مرة أخرى. 

حتى بالنسبة لهم كان إنقاذ مريضة قررت الامتناع عن الطعام والشراب وكأنها مصممة على الموت، أمرًا يستنزفهم لكن أحدًا لم يكن يجرؤ على التهاون فكاسيان لم يغادر جانبها لحظة واحدة. 

كان الطبيب الخاص ينظر إليهما باستغراب. 

‘كيف يمكن لامرأة تعيش مع زوج يملك كل شيء، ويعاملها بكل هذا الاهتمام أن ترغب في الموت بهذا الشكل؟’ 

لكنه ابتلع هذا التساؤل أمام ملامح كاسيان القاسية. 

ولم يكن يعرف السبب لذلك لم يفعل سوى تنفيذ أوامر سيده، وبذل كل ما يستطيع لإبقاء تلك المرأة على قيد الحياة. 

***

استعادت يوريسييل وعيها في وقت متأخر من بعد الظهر وكعادته، فحصها الطبيب الخاص، ثم انسحب لكن شيئًا واحدًا تغيّر. 

فما إن فتحت عينيها حتى رأته. 

كاسيان دي بلانشيت. 

‘أن يكون أول ما أراه بعد استيقاظي هو هذا الرجل لا يوجد جحيم أسوأ من هذا.’ 

حتى وهي تحدق في السقف دون أن تمنحه نظرة واحدة بدا واضحًا أنه لا ينوي المغادرة وكأن تعذيبها هو غايته. 

بقي حتى عمّ الليل دون أن يترك مكانه. 

وكان الطبيب قد أخبرها أنه ظل إلى جوار سريرها طوال الأيام التي كانت فيها فاقدة للوعي. 

‘حقًا… يا له من رجل يبعث على السأم.’ 

حتى راودها سؤال لم يعد له أي معنى. 

“لماذا تفعل بي هذا؟” 

خرج صوتها مبحوحًا ومتقطعًا ولذلك عقد حاجبيه بوضوح. 

اقترب منها ومد يده ليلمس جبينها، كأنه يقيس حرارتها. 

حاولت أن تبتعد لكنه أمسك بها في لحظة. 

تنهد بهدوء وحين تأكد من أنها لا تعاني من الحمى أعاد الغطاء عليها بعناية غريبة. 

قالت ببرود: 

“يبدو أنك لا تسمع ما أقوله.” 

فأجاب: 

“ألم تسمعي ما قاله الطبيب؟ عليكِ أن ترتاحي.” 

أزاحت الغطاء الذي وضعه، وجلست فأطلق زفرة طويلة. 

“لقد سألتك لماذا تفعل هذا؟” 

تردد صوته. 

“ما قلته في ذلك اليوم…” 

ورأى أمامه يوريسييل وقد امتلأت عيناها بالدموع. 

واختنقت الكلمات في حلقه. 

‘حتى لو قلت إن الأمر لم يكن كذلك ماذا سيتغير؟’ 

كان لا يزال يسمع صراخها. 

“لو أعطيتني الدواء مسبقًا… لما ماتت أمي!” 

لن يتغير شيء. 

في نظرها هو المجرم في كل ما حدث لذلك قال بهدوء: 

“اعتني بنفسكِ، إن لم تكوني تريدين رؤية وجهي مرة أخرى.” 

ثم استدار وغادر دون أن يجيبها وفي اللحظة التالية… 

بانغ! 

دوّى صوت ارتطام عنيف خلفه. 

استدار كاسيان فاتسعت عيناه. 

كانت يوريسييل تمسك بزجاجة محطمة وتناثرت الشظايا الحادة عند قدميها ثم رفعت قطعة زجاج مسننة ووضعتها على عنقها. 

وانهمرت الدموع من عينيها الزمرديتين وقالت بصوت يائس: 

“إذن… سأموت، فالموت أهون من أن أعيش هكذا.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.