الفصل 143: 143
143
الفصل مائة وثلاثة وأربعون
لم يبقَ في عيني المرأة التي تقف أمامه أدنى أثر للقوة.
اختفى الدفء منهما تمامًا، وخبت تلك العينان الزمرديتان حتى غلب عليهما لون أخضر داكن، فاقد للحياة.
ثبت كاسيان نظره فيها، كأنه يحاول أن ينفذ إلى أعماقها.
وظل يحدق بها طويلًا، ولم يجد فيها ذرة تردد، قبل أن ينطق بصوت بدا وكأنه يطحن الكلمات بين أسنانه.
“تطلبين الطلاق.”
ارتجفت المشاعر المتضاربة في عينيه الحمراوين.
أما يوريسييل، فاكتفت بزفرة خافتة، ثم قالت بوضوح وكأنها تدق آخر مسمار في الأمر.
“نعم، لأنني إذا بقيت هكذا، سأموت. هذا المكان بالنسبة لي جحيم. أنت تعرف ذلك. تعرف جيدًا إلى أي حد أرتعب كلما رأيت آل بلانشيت.”
“…”
“وبما أننا لا نرى بعضنا حتى ليوم واحد، فلا معنى لاستمرار هذه العلاقة الزوجية أصلًا.”
تأملها كاسيان بصمت، ثم مرر يده بين شعره وقال بهدوء:
“قولي لي… ما الذي أستطيع فعله من أجلكِ.”
رفعت نظرها إليه.
“يمكنك فعل شيء واحد، الطلاق.”
حدقت إليه بعينيها الزمرديتين بثبات.
“مجرد توقيع منك وسينتهي كل شيء.”
قطب كاسيان حاجبيه.
“أتظنين أن الطلاق بهذه البساطة؟”
“هذا الزواج لم يكن منطقيًا منذ البداية. وإذا اتفق الطرفان فسينتهي بسهولة.”
ارتسمت تجاعيد عميقة على وجهه المستقيم، كان وجهه متجهمًا ومشوَّهًا بالألم.
ومع ذلك لم ترَ فيه يوريسييل سوى ذلك الرجل الكامل كما كان دائمًا ولهذا كان منظرُه أكثر رعبًا بالنسبة إليها.
الرجل الذي ظل كاملًا وحده، والذي امتلك كل شيء وحده ثم سلبها كل شيء، لطالما كان هكذا.
لم يكن طلب الطلاق أمرًا سهلًا عليها فقد احتاج إلى شجاعة هائلة.
كانت تعرف كم سيُحطم والدها إذا علم بأمر الطلاق.
‘لقد وعدته بأنني سأصبح سعيدة عندما آتي إلى هنا…’
كم سيصاب بخيبة الأمل؟
كانت تلك أول فكرة راودتها لكن كلمات والدها ظلت تتردد في ذهنها.
“الأهم هو سعادتكِ.”
فكرت في والدها الذي بقي وحيدًا يحكم إقليم لورفيا.
وتساءلت كم يعاني الآن، وكم تمنت لو تغادر هذا المكان وتعود لتعيش معه في لورفيا وكانت واثقة أيضًا أن كاسيان سيوافق على الطلاق فمنذ أن جاءت إلى قصر بلانشيت، كانت تتجنبه باستمرار.
ومع ذلك لم يعد يجبرها على الظهور أمامه كما كان يفعل في الماضي لذلك ظنت أن انتقامه منها قد انتهى عند هذا الحد.
لكن ارتجفت عيناه الحمراوان فجأة، وبدت نظرته كأنها تغلي بالغضب ثم قال بصوت بارد:
“يبدو أنكِ مقتنعة حقًا بأنني سأطلقكِ.”
نظر إليها بعينين محتقنتين بالدم، وكأنه سمع أكثر الكلمات استحالة.
لماذا ينظر إليها بتلك الطريقة؟ لم تستطع أن تفهم.
ثم عادت لتسخر من نفسها.
‘وهل سبق أن فهمته أصلًا؟’
لم تعد ترغب حتى في محاولة فهمه.
قالت ببرود:
“إذا كنت تخشى على سمعتك، فلا بأس. اجعل شروط الطلاق كلها في صالحي أو حتى ضدي، لا يهم. لم يعد شيء يهمني بعد الآن.”
تلاطمت أمواج الغضب في عينيه لكن ارتفع طرف شفتيه بابتسامة ساخرة.
“سمعة؟”
ضحك باستخفاف.
“لو كنت أهتم بالسمعة لما تزوجتكِ أصلًا.”
شعرت بالاختناق.
كانت يده الكبيرة قد أمسكت كتفيها ومع ذلك لم يكن قادرًا حتى على الإمساك بها بقوة، كانت يده ترتجف أما عيناه الحمراوان فكانتا تتقدان بحرارة تكاد تحرقها.
ثم قال كلمة كلمة، وكأنه يسحقها.
“لن يحدث ذلك.”
“…”
“لن أمنحكِ الطلاق.”
وغادر الغرفة.
طخ!
ارتطم الباب بقوة.
صرخت نحو الباب المغلق:
“كيف تستطيع فعل هذا؟!”
لكن لم يجبها أحد.
الغضب، كان من حقها هي فلماذا كان هو من يبدو بذلك الوجه الغاضب؟
كانت عيناه الحمراوان المشتعلتان بالغضب تبعثان على العبث.
وتراكمت المرارة في قلبها.
‘بأي حق…؟ أي حق تملكه أنت؟’
***
عاد كاسيان إلى مكتبه، ضغط بأصابعه على صدغيه ثم أشعل سيجارًا وسرعان ما امتلأت الغرفة بالدخان ورائحته النفاذة.
ومن بين خيوط الدخان ظهرت صورتها، وجهها الباهت.
عيناها الجافتان اللتان بدتا كأنهما استسلمتا لكل شيء.
والطريقة التي طلبت بها الطلاق.
كان قد سمع التقارير كلها وتوقع حالتها لكن الحقيقة كانت أسوأ بكثير، لقد بدا وجهها كظل فقد كل ضوء، رماديًا بالكامل.
وصوتها وهي تقول إن سمعتها لا تعني لها شيئًا كان جافًا بصورة مؤلمة وكأنه لا ينسجم إطلاقًا مع ضخامة الكلمات التي تنطق بها.
كانت مستعدة لفعل أي شيء فقط لتبتعد عنه.
‘نعم، كل هذا جنون.’
ما أغبى أن يتمسك بامرأة لا تقول له إلا:
“عش نادمًا طوال حياتك.”
وكما قال تيوبه ما دام سيحتجزها في هذا البيت ولا يراها أصلًا فما الذي يمنعه من إطلاق سراحها؟
سواء كانت في لورفيا البعيدة أو تحت السقف نفسه فهو لا يراها في الحالتين ومع ذلك مجرد معرفته بأنها تتنفس في المكان نفسه كان يمنحه القدرة على التنفس أما إن اختفت فإن تلك المشاعر الخانقة ستطبق على عنقه حتى الموت.
لهذا كان هذا الخيار أفضل لأنه إن لم تبقَ بجواره ولو بهذه الطريقة فلن يستطيع حتى أن يتنفس.
نظر إلى العالم الذي غشاه الدخان ثم رتب أفكاره.
‘لن تبتعد عني.’
ومنذ ذلك اليوم تكرر المشهد نفسه، كانت تقدم إليه أوراق الطلاق وهو يمزقها مرة بعد مرة حتى لم يعد يعرف كم مرة مزقها.
وكان يمزقها بعنف وبانفعال يزداد مع كل مرة.
***
في ذلك اليوم أيضًا كانت يوريسييل تكتب طلب الطلاق الذي تعرف مسبقًا أنه لن يلقى أي جواب.
ارتجفت يدها قليلًا وهي تمسك القلم.
ومع مرور الأيام بدأ غضبها الضائع يتحول إلى شك.
‘هل حقًا كانت الدوقة إليز هي من منعت الدواء؟’
لكن…
‘هل يعقل ذلك فعلًا؟’
إليز… امرأة اشتهرت بين النبلاء بأنها أرستقراطية حتى النخاع.
ولو تصرفت وفق طبيعتها لوجدت طريقة أنيقة لإبعادها، دون أن تلطخ يديها بقطرة دم.
كلما طالت وحدتها ازدادت الهواجس وتفرعت الأسئلة داخل رأسها بلا نهاية لكنها جميعًا كانت تنتهي عند نقطة واحدة.
‘هل يعقل أن تمنع الدوقة الدواء فقط من أجل التخلص من فتاة مثلي؟’
لو كانت مكانها لأعطتها الدواء ثم قالت لها:
“خذيه ولا تعودي أمام ابني مرة أخرى.”
بل حتى هي نفسها كانت ستفعل ذلك.
وهذا يعني أن من قطع عنها كل المساعدة كان كاسيان.
وأن زيارة الدوقة لم تكن إلا محاولة لترميم ما أفسده.
بدأت قطع الأحجية تتجمع في مكانها وكانت النتيجة كل مرة
تصدمها من جديد.
وبلا وعي قادتها خطواتها إلى مكتب كاسيان.
فتح لها الفارس الباب بعد تردد ودخلت.
رفع كاسيان رأسه عن الأوراق.
“ما الأمر؟”
وضعت أوراق الطلاق على الطاولة فقال بلا مبالاة:
“كفي عن هذا العبث.”
ابتسمت بسخرية.
“عبث؟”
ارتجف صوتها البارد.
“فكرت كثيرًا، هل حقًا فعلت الدوقة إليز ذلك؟ هل حقًا منعت عني الدواء؟”
“…”
“لو كانت هي لأعطتني الدواء ثم طلبت مني الرحيل.”
“…”
“أليست زيارتها لي مجرد محاولة لإصلاح ما فعلته أنت؟ إذا كانت قد كذبت فقط كي تنقذك…”
بدأ نفسها يضطرب وأصبح صوت أنفاسها المرتجفة يصل إليه بوضوح ثم صاحت.
“أنت من أمر بعدم إعطائي الدواء!”
اخترق صوتها المكان كصرخة.
مسحت دموعها دون وعي ثم سخرت منه بمرارة.
“وبعد كل هذا… تقول إنك لن تطلقني؟!”
“…”
“أنت… مجنون فعلًا.”
قطب كاسيان حاجبيه وهو ينظر إليها تبكي وتموجت المشاعر سريعًا في عينيه الحمراوين.
منذ أشهر وهي لا تفعل سوى إرسال أوراق الطلاق والهرب منه.
وفي النهاية وصلت إلى هذا الشك بل لم يعد شكًا.
لقد أصبحت مقتنعة بأنه هو من منع الدواء.
‘ولو قلت لها إنني لم أفعل هل ستصدقني؟’
لا، منذ البداية كانت قد قررت الرحيل وربما حتى اعترافها بأنها أحبته يومًا لم يكن إلا كذبة.
ومع كل يوم يقضيه معها ازداد يقينه.
لقد جاءت إلى هنا وفي ذهنها جواب واحد مسبق.
كانت تبحث فقط عن سبب يغادرها من أجله ولتقول له مجددًا إن وجودها بجواره جحيم ثم تقدم إليه أوراق الطلاق مرة أخرى.
غلت المشاعر داخله لكنها لم تكن غضبًا بل خوفًا.
الخوف من أن ترحل.
تكثف ذلك الخوف حتى تحول إلى غضب.
ظل صامتًا طويلًا ثم رفع عينيه إليها ببرود وقال:
“نعم، أنا من قلت ألا يعطوكِ الدواء.”
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيه.
وفي اللحظة التالية ترنحت يوريسييل من شدة الصدمة. أمسكها قبل أن تسقط وجذبها إليه بقوة حتى أصبحت بين ذراعيه بالكامل.
كانت ترتجف حتى إن أنفاسها اصطدمت بأنفاسه.
واجه نظرة احتقارها ثم همس بصوت عذب يحمل أقسى الكلمات.
“لماذا أعطي الدواء لامرأة أعرف أنها ستختفي بمجرد أن تحصل عليه؟”
“…”
“أنت تعرفين، آل بلانشيت لا يفرطون أبدًا فيما يريدونه.”
حاولت الإفلات منه بكل قوتها لكنها لم تستطع مقاومة قوة رجل بالغ ناهيك عن قوة كاسيان فبقيت حبيسة ذراعيه تستمع إلى كلماته.
“لو كان ذلك الدواء بين يدي لكنتِ ستأتين إليَّ بنفسكِ. وكل ما كان يدور في رأسكِ هو الهرب. كنت ستأخذين الدواء ثم ترحلين.”
“…”
اقترب منها أكثر وقال بابتسامة باردة:
“أظننتني ساذجًا؟ إلى الحد الذي أصدق فيه بسهولة أنك أحببتني؟”
ارتجفت عيناها فجأة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.