مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 15: 15نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 15: 15

15

الفصل الخامس عشر 

منذ فترة، كان كاسيان قد أصدر للخادم الكبير أمراً بالعثور على دواء لوالدة يوريسييل الحقيقية ومنذ ذلك الحين، أخذ الخادم يركض هنا وهناك بلا توقف لتنفيذ ذلك الأمر ولحسن الحظ، كان طبيب اللورد الخاص رجلاً واسع المعرفة جاء من العاصمة، وقد عُيّن أساساً لأن اللورد، المهووس بصحته والحالم بالخلود، لم يكن يقبل إلا بالأفضل. ومع ذلك، وبالمقارنة مع طبيب عائلة بلانشيت، كانت مهاراته متواضعة إلى حدّ يُرثى له، لكنه استطاع تقديم تشخيص بدا معقولاً إلى حدّ كبير. وبالطبع، لم يتمكن من ذلك إلا بعد مراقبة المريضة سراً على فترات منتظمة فالإنسان يصبح قوياً بشكل مذهل عندما يُدفع إلى الزاوية، وإلحاح الخادم اليائس أثمر نتائج ممتازة. 

“وفقاً للطبيب، فإن المرض الذي تعاني منه والدة الآنسة يُدعى «رايموك»، وهو مرض نادر.” 

رايموك، كان مرضاً سبق لكاسيان أن قرأ عنه في إحدى الصحف. 

“ويقول إنه إذا عولج في الوقت المناسب فستكون بخير، أما إذا تأخر العلاج فالتشخيص سيئ للغاية.” 

في ذلك الوقت، حصد المرض أرواحاً لا تُحصى لكن في المقابل، نجا منه عدد كبير من كبار النبلاء. وبمعنى آخر إذا امتلكت المال، فثمة دائماً طريق للنجاة. وحين وصلت أفكار كاسيان إلى هذه النقطة، أرخى جسده على المقعد بتكاسل. 

“ابحث عنه. العلاج.” 

خرج الأمر من بين شفتيه الجافتين بنبرة آمرة لا تقبل النقاش. 

كتم الخادم رغبته في الرد: 

‘وكيف يُفترض بي أن أجده؟’ 

واكتفى بخفض رأسه وحين كان يهم بالإسراع للخروج من الغرفة الخانقة، ألقى السيد الشاب أمراً آخر من خلفه أمراً لا يقل قسوة. 

“اطرد ذلك المحتال من هذه القرية أيضاً.” 

“عفواً؟” 

“ذلك الطبيب الدجال.” 

“وعلى أي أساس…؟” 

ارتبك الخادم للحظة أمام الأمر المفاجئ. 

أي ضغينة يمكن أن يحملها السيد الشاب تجاه ذلك الطبيب؟ 

ثم إن كون طبيب يعالج العامة دجالاً لم يكن أمراً مستغرباً أصلاً. 

ارتسمت ابتسامة محرجة على وجه الخادم حين أدرك أنه على وشك تحطيم مصدر رزق أحد سكان الإقطاعية وطرده من منزله لكن كاسيان أكمل، وكأنه يدق المسمار الأخير: 

“يجب أن يُعاقَب المجرمون. ألا توافق؟” 

كان أمراً واضحاً بطرده من أراضي الإقطاعية ومن الناحية التقنية، لم يكن الرجل بريئاً بالفعل فقد كان يستغل جهل الناس ويبيعهم أملاً زائفاً مقابل المال. وفوق ذلك، كان الأمر يتعلق بأرواح بشرية، لذا لم تكن جريمته بسيطة ومع ذلك فإن السيد الشاب، وهو يصدر ذلك الحكم بابتسامة ناصعة وبريئة تماماً، لم يبدُ شخصاً صالحاً على الإطلاق لكن الخادم بات يفهم الآن جيداً. 

هذا بالضبط ما يعنيه أن تكون من آل بلانشيت. لذلك غادر دون أن ينبس بكلمة أخرى وما إن خلا المكان الذي كان يقف فيه، حتى ظهرت فيه بسرعة صاحبة معظم فوضى هذا اليوم. 

يوريسييل. 

وقفت هناك بوجه جاد، غير مدركة للمصير الذي ينتظرها فأطلق الخادم تنهيدة طويلة وسمح لها بالدخول. 

***

كالعادة، أعدّت يوريسييل الشاي ووضعته على طاولة السيد الشاب ثم جلست في المقعد المقابل له وبدأ كاسيان يرسم، بينما يحدق فيها بصمت. 

مرّ شهر كامل منذ أن بدأ هذا الأمر وتسللت إلى ذهن يوريسييل ذكرى الخجل الذي شعرت به في أول مرة جلست فيها في هذا المكان. كان ذلك يحدث في كل مرة تشغل هذا المقعد كانت تكره فكرة أن ملامحها تُحبس داخل تلك الرسومات. 

وتكره أكثر اضطرارها للجلوس هنا مطيعة، بينما تتولى تلك اليد تفسير وجهها كيفما تشاء. وبالطبع، لم يكن احتمال ذلك صعباً فمجرد التفكير بوالدتها كان كافياً لكن بينما كانت تجلس وعقلها فارغ، لم يكن يُسمع في الغرفة الخانقة سوى صوت احتكاك القلم بالورق. كانت تعلم جيداً أن الرسم يُعدّ من وسائل الترفيه الراقية لدى النبلاء إلا أن الرسامين الرسميين، وحتى الورثة النبلاء المعروفين بموهبتهم، كانوا عادة يرسمون المناظر الطبيعية أو الأشياء الجامدة أما رسم الأشخاص فكان فناً بالغ الصعوبة، ولم يكن يُنظر إليه غالباً بوصفه هواية راقية حقاً على الأقل في الإمبراطورية. وبالطبع، قد يوجد من يجد موهبته الحقيقية في رسم الوجوه ولو كان كاسيان أحد هؤلاء، لما كان لديها ما تقوله لكن بعد أن رأت رسوماته اكتشفت أن لديها الكثير لتقوله. 

كان يقضي اليوم بأكمله في إضافة الخطوط فوق الخطوط لكن النتيجة النهائية لم تكن سوى فوضى من الخربشات غير المفهومة. هذا كل ما كان يملأ دفاتره. 

والأسوأ من ذلك، أنه كان يضعها أمامها عمداً وكأنه يقول: 

“هذا رسمكِ.” 

حتى إنها لم تعد قادرة على تخمين نيته هل كان يحاول إهانتها؟ 

أم إذلالها؟ لكن شيئاً واحداً كان مؤكداً، مهما كان السبب هو لا يكترث إطلاقاً بمشاعرها فبالنسبة لهذا السيد الشاب لم تكن أكثر من موضوع لتسليته. 

كان في الغرفة مزهرية، وأزهار ملونة، وأكواب شاي مرتبة بعناية، وسجادة جدارية فاخرة تحمل شعار آل بلانشيت ومع ذلك، اختارها هي لسبب واحد فقط ليراقب ردود أفعالها كما لو كانت لعبة. ومع مرور الأيام، تحولت شكوكها إلى يقين. وبالطبع، كان بإمكانها تجاهل الأمر فهي لم تتوقع شيئاً أفضل حين وافقت على هذه الوظيفة وبالمقارنة مع غسل الأطباق حتى تتشقق يداها، أو القيام بأعمال شاقة لا يؤديها عادة إلا الرجال المسنون الأقوياء كان هذا أسهل بكثير. مجرد الجلوس كدمية أمام هذا السيد الشاب ومع ذلك بطريقة ما، كان هذا العمل «السهل» أصعب شيء في العالم بالنسبة ليوريسييل. كان يجرح كبرياءها بلا سبب مفهوم والمضحك أنها شعرت بذلك رغم أن هذا المقعد أكثر راحة من الأيام التي كانت تسمع فيها بلا نهاية عبارات مثل: 

“ابنة بلا أب.” 

أو: 

“فتاة سوقية عديمة الفائدة.” 

فهذا الرجل لم يقل لها شيئاً من هذا القبيل قط إلا إذا كان السبب ببساطة أنه لا يعرف أنها ليست الليدي فيلورد الحقيقية. وهكذا، تحول هذا المقعد إلى عقوبة بالنسبة لها. وفي كل مرة كانت تجلس فيه، كانت بقايا كبريائها تنغرز فيها كشوك حادة. 

ومع تراكم هذا الانزعاج الصامت، اتسعت المسافة بينها وبين السيد الشاب أكثر فأكثر. كلما ارتفعت عيناه عن دفتر الرسم واتجهتا نحوها كانت تدير وجهها غريزياً تماماً كما فعلت الآن. 

اليوم بدا تحديقه أكثر صراحة من المعتاد ولهذا حاولت الهرب بكل ما أوتيت من قوة. 

الهرب من ذلك النظر الجميل والمتعالي، المشابه للشمس لكن محاولتها الواضحة لم تفلت من انتباه كاسيان ولا مرة واحدة. 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة خافتة. بدا كصياد لمح للتو فريسة مثيرة للاهتمام. 

“إلى أين تنظرين؟” 

عندها فقط أعادت وجهها الشفاف نحوه ببطء وكانت شفتاها المطبقتان احتجاجاً ورديتين وناعمتين على نحو لافت أما ارتجافهما الخفيف وهي تكبح غضبها، فكان منظراً يستحق المشاهدة. 

وفي النهاية، استجمعت الفتاة جرأة غير معقولة مرة أخرى وتكلمت بتهور: 

“إلى متى يجب أن أبقى هكذا؟” 

“ماذا؟ هل أصبح مجرد الجلوس مرهقاً بالنسبة لكِ الآن؟” 

كانت سخريته تقول بوضوح: 

〘تتقاضين أجراً ضخماً، ومع ذلك لا تستطيعين حتى الجلوس ساكنة؟〙 

فتفجرت داخل يوريسييل كل المشاعر التي كانت تكبتها. 

“أنت لا ترسمني أصلاً.” 

“إذن ما الذي تعتقدين أنني أرسمه؟” 

“هذا شيء لا يعرفه إلا أنت.” 

شعرت يوريسييل وكأن شخصاً آخر يتحكم بها فالكلمات التي لم تكن لتجرؤ على قولها في الظروف العادية خرجت من فمها دون وعي. الأشياء التي لم تلاحظها وهي تركض خلف الدواء ظهرت الآن بوضوح أمام عينيها. 

انحناءة شفتيه الساخرة، نظرته الحادة، عيناه الممتلئتان بالمرح المستفز. في الحقيقة، كانت تتجاهل كل ذلك عمداً لكنها لم تعد قادرة على التظاهر ومع ذلك أغمضت عينيها بقوة لم يكن أمامها خيار آخر كلما تذكرت والدتها وهي تسعل دماً حتى هذا اليوم. 

عندما أعطاها هايل ذلك الدواء، تمسكت بأمل أنه سيشفي أمها 

لكن ذلك الأمل كان يتلاشى يوماً بعد يوم. بدا وكأن الدواء لا يجدي نفعاً معها وربما كان يخفف الألم قليلاً فقط. 

فوالدتها كانت تقول إنها بخير، وإن الألم خفّ لكن في كل مرة تسعل فيها، كان الدم القاني لا يزال يخرج من فم جين. 

ربما سيكون اليوم مختلفاً، ربما ستبدأ بالتعافي. 

كانت تتشبث بهذه الفكرة كل يوم كي تواصل السير على الأقل حتى تسدد الدين الذي عليها لهايل فهو قال إن السداد غير ضروري لكنها لم تستطع السماح لنفسها بأن تبقى مدينة لأحد وإلا أصبحت حقاً تلك الطفيلية الماصة للدماء التي كانت والدتها تتحدث عنها في قصص الماضي ولكي تنفي ذلك، صبرت شهراً كاملاً توازن بين ما يؤذي كبرياءها أكثر. 

وأخيراً إذا قبضت أجر اليوم، فستتمكن من سداد دين هايل بالكامل وماذا بعد ذلك؟ 

في الحقيقة، لم يكن هناك ما يستحق التفكير. 

حتى لو كانت هذه الوظيفة مؤلمة، فمن الصعب العثور على عمل مماثل وبهذا المال يمكنها شراء جرعة أخرى من الدواء لوالدتها. 

وحتى لو لم يكن سوى أمل زائف مؤلم فإن عائلات المرضى لا تملك سوى المحاولة حتى النهاية لذلك أرادت أن تتحمل قليلاً بعد. 

وبينما كانت تثبت عزيمتها من جديد، كان كاسيان يراقبها بصمت باهتمام متزايد وبالكاد تمكنت يوريسييل من تهدئة نفسها قبل أن تتحدث بأكثر نبرة تهذيب استطاعت إخراجها: 

“هناك أشياء كثيرة في هذه الغرفة تصلح للرسم غيري.” 

راقبها كاسيان بصمت، كانت تتصرف وكأن مجرد التنفس في حضوره أمر بغيض وكان ذلك مثيراً للسخرية فهي تبتسم لذلك الشاب ذو الشعر الفضي بسهولة بالغة أما معه فتتراجع باستمرار. 

وفي الواقعة هي وهو لا يناسبان بعضهما أبداً. 

وكما قالت بنفسها، كانت الغرفة مليئة بأشياء نبيلة تليق به أكثر منها. 

أشياء تناسب اسم بلانشيت ومع ذلك لماذا يصر على الاحتفاظ بهذه الفتاة التي تكرهه بوضوح؟ هل يستحق الأمر كل هذا العناء؟ 

نعم، يستحق. 

فهي اختارت هذه الوظيفة من أجل المال، والآن تحاول التراجع أليس ذلك مضحكاً؟ ثم إنها خدعته عندما ادعت أنها الليدي فيلورد لذلك ينبغي عليها أن تتحمل هذا القدر على الأقل. 

“هناك الكثير من الأشياء الأخرى لكن أياً منها ليس حياً، أليس كذلك؟” 

“توجد أشياء حية، الزهور والطيور.” 

“مملة، ونبيلة أكثر من اللازم.” 

فلا شيء مصطنع أو زائف يمكن أن يوجد في المكان الذي يجلس فيه أحد آل بلانشيت. 

كان اللورد، الساعي يائساً لإرضاء عائلة بلانشيت، يعتني بالحديقة والإقطاعية بأكملها يومياً وكذلك فعل كل من خدمه قبله ولم يقف بجواره شيء غير مصقول أو غير مثالي قط ولا مرة واحدة باستثناء هذه الفتاة. 

“ألا تشعر بالملل من رؤية الأشياء النبيلة كل يوم؟ مثل التنفس تماماً؟” 

“…”

“البشر ينجذبون بطبيعتهم إلى الأشياء التي لم يروها من قبل.” 

التوت عيناه الحمراوان وانعكس طيفها داخلهما بخفة وعندما رآها هناك اجتاح كاسيان شعور لا يستطيع وصفه كجنون رجل أصابه الهوس بشيء جديد تماماً وكأنه مسحور. نهض من مقعده فجأة واتجه نحو يوريسييل. 

شهقت بفزع من حركته المفاجئة ومع تقلص المسافة بينهما، مرّت رائحة خشبية باردة قرب أنفها. 

توقف السيد الشاب أمامها، مجبراً إياها على رفع رأسها للنظر إليه 

ثم مدّ يده خلفها وما إن حاولت الابتعاد غريزياً حتى أمسك بها. 

في لحظة، ابيضّ عقلها تماماً. 

“لِمَ… لِمَ تفعل هذا؟!”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.