الفصل 141: 141
141
الفصل مائة وواحد وأربعون
حدّق فينسنت في قبضة يوريسييل المضمومة، ثم قال بصوت هادئ:
“بصراحة… لا يهمني إطلاقًا ما إذا كان ذلك الوغد سيعيش أو سيموت.”
أطبقت يوريسييل شفتيها.
لم يبقَ مجال للإنكار بعد الآن لقد اكتشف كل شيء. ولم يملأ رأسها سوى هذا الإدراك المدوّي.
ثم واصل فينسنت، بنبرة لا تقبل الجدل:
“سواء مات أو بقي حيًا فهذا شأن لا يعنيني.”
قطّب حاجبيه وأردف:
“لكن ما يهمني هو ألا تعيشي بقية عمركِ أسيرة الندم.”
لم يعد يتمنى سوى أمر واحد أن تتأذى ابنته أقل ما يمكن.
فكل ما تحطم بينهما بلغ من الخراب حدًا يستحيل معه إصلاحه بالكامل، ومن المستحيل ألا تخرج منه مجروحة لكنه كان يتمنى، من أعماق قلبه، أن تكون جراحها أخف وأن تعرف السعادة أكثر، أن يكون ما تبقى من حياتها مختلفًا.
قال بصوت خافت:
“بعد أن فقدت روز عشت سنوات من الندم. فلا أحد يستطيع إعادة ميت إلى الحياة.”
“…”
“لا أريد لكِ أن تعيشي الندم الذي عشته أنا. لهذا افعلي ما يمليه عليك قلبكِ.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة.
“وأيًا كان القرار الذي ستتخذينه فسأقف إلى جانبكِ.”
حبست يوريسييل أنفاسها وهي تحدق إليه بذهول.
لم يكن هناك أحد يملك سببًا لكره آل بلانشيت أكثر من والدها.
ومع ذلك كان ينصحها بإخلاص، واضعًا سعادتها فوق كل شيء.
امتلأت عيناها بالدموع وبينما كانت تكافح لتبتلعها، توقفت العربة برفق عند وجهتها.
هبطت منها بصعوبة بعدما سيطرت على دموعها.
كان المكان الذي اصطحبها إليه والدها هو القلعة التي ستصبح منزلهما الجديد. كانت أعمال التوسعة قد شارفت على نهايتها، وأصبحت القلعة تكاد تكتمل.
كان البناء الأبيض الناصع، الممتد تحت السماء الزرقاء، يشبه زبد الأمواج الذي رأته قديمًا مع والدتها.
كان ذلك اليوم جميلًا إلى هذا الحد أيضًا عادت إلى ذهنها صورة والدتها وهي تضحك تحت نسيم البحر، ذلك المشهد، الذي بدا وكأنه حدث بالأمس، شق قلبها بألمٍ عذب.
‘لو أنها جاءت معنا أيضًا…’
وقف فينسنت إلى جانبها ينظر إلى المشهد نفسه.
كانت عيناه جافتين، لكن قلبه لا بد أنه غارق بالمطر.
كلما تذكر أن مأساة كهذه كان يمكن أن تتغير بحبة دواء واحدة فقط، التوى قلبه من جديد.
حاول مرارًا أن يعيد قلبه إلى موضعه لكن هل يستطيع قلب فقد بوصلته، كبوصلة معطلة، أن يهتدي يومًا إلى طريقه؟
وسط تلك الأفكار الضبابية، تمشيا قليلًا تحت النسيم، ثم عادا إلى العربة وفي طريق العودة، راحت يوريسييل ترتب أفكارها وهي تنظر إلى المناظر المتغيرة خارج النافذة وحين دخلت غرفتها أخيرًا أصبحت متيقنة من شيء واحد.
كما قال والدها لم تكن تتمنى موت ذلك الرجل.
‘يموت؟ ولمصلحة من؟’
الراحة الأبدية يجب أن تكون من نصيب الأشخاص الطيبين، مثل والدتها أما هو فلا.
ولهذا أمسكت بالقلم.
وسط صوت الريشة الهادئ وهي تخط على الورق، بدأت كلمات مشبعة بالعداء تُكتب حرفًا بعد حرف.
***
تناول كاسيان الرسالة، وظل يحدق فيها بصمت.
كانت الكتابة الرقيقة، التي تشبه صاحبتها، تحمل أناقة هادئة.
ربما بدا مضحكًا أن يصف خط اليد بهذا الشكل لكن حتى حروفها كانت تشبهها. أصبحت تلك الكتابة محفورة في ذاكرته إلى الأبد وانزلقت الكلمات إلى وعيه.
【لقد زارتني الدوقة إليز. لا أعلم إن كانت قد جاءت بأمرك أم لا، لكن أتمنى ألا يتكرر هذا الأمر. قالت إنك تموت بسببي لكن يؤسفني أن أخبرك أن مثل هذا الكلام لم يعد يعني لي شيئًا. لقد أخبرتك من قبل، أليس كذلك؟ قلت إن السبب الوحيد الذي جعلني أبقى إلى جانبك هو ذلك الدواء لكنني فكرت في الأمر واكتشفت أن ذلك لم يكن كل شيء. نعم، كما قلت أنت، لقد أحببتك يومًا وهذه هي النتيجة.
لم أكن أنا من ترك يد الآخر بل أنت. حتى لو كان صحيحًا أن الدوقة هي من منعتني من الحصول على الدواء، فلن يتغير شيء
مجرد رؤية ظلك تؤلمني لذلك لا تظهر أمامي مرة أخرى. إن كان قد بقي في قلبك ولو قدر ضئيل من المشاعر نحوي، فهذا هو الصواب. لا تمت في مكان لا أراه. عش، عش إلى الأبد، وامضِ بقية حياتك تتجرع الندم وتسير في جحيمه فأنت لا تستحق راحة سهلة كهذه. أتمنى أن يكون الألم الذي يلازمك أعظم من الألم الذي أعيشه أنا وأن أبقى عالقة في قلبك بهذا القدر، وأن تعجز عن الهرب من الندم كلما تذكرتني. أظن أنني كتبت كل هذا فقط لأقول لك ذلك.】
كانت الكلمات المضغوطة بقوة تمزقه مرة بعد أخرى ورغم جمالها كانت حوافها أحدّ من أي نصل.
كلما أعاد قراءة الرسالة، لم يعتد عليها بل كانت تنبش جراحه من جديد، ثم تدفعه أعمق في الوحل.
إن كان هدفها أن تجرحه فقد نجحت تمامًا.
حين قالت إنها لم تحبه قط، استطاع أن يغضب وأن يخدع نفسه.
أما الآن فكل شيء انهار أمام جملة واحدة.
【لقد أحببتك.】
وليس…
〈”أُحِبُكَ.”〉
لقد أصبح الحب ماضيًا والسبب في ذلك كله هو نفسه.
كانت الرسالة مكتوبة بصدق بارد، لا يترك له مجالًا للهرب من الحقيقة وراحت تنهش داخله بجنون بل شعر للحظة أن سماعها تقول إنها لم تحبه كان أهون.
‘نعم، ليتكِ لم تحبيني قط، ليتكِ استعملتِني من أجل الدواء فقط دون أي شعور.’
قبل أن يقرأ الرسالة، كان يوشك على الجنون لأنه ظن أنها لم تحبه.
أما الآن فكلمة “أحببتك” وحدها جعلت قلبه ينتفض كالمجنون.
‘أيها الأحمق…’
اختفى آخر لون من وجه كاسيان.
كان تيوبه يراقب سيده، يدور حوله بقلق لا يعرف ماذا يفعل.
منذ أن تلقى تلك الرسالة المجهولة وهو على هذه الحال ولعل الأمر الوحيد الذي يمكن اعتباره خبرًا جيدًا أنه لم يعد يرفض العلاج.
وبالمقارنة مع الأيام التي كان ينتظر فيها الموت كان ذلك تحسنًا، ولو طفيفًا حتى الدوقة إليز استعادت رشدها قليلًا عندما علمت أن ابنها بدأ يتلقى العلاج لكن الأمر توقف عند هذا الحد.
كان يقبل فقط بالحد الأدنى من العلاج الذي يمنعه من الموت ولا شيء أكثر.
لم يسمح لأحد بالدخول، لم يرَ ضوء الشمس وكان يقتات على بضع ملاعق من الحساء البارد حتى وهو يأكل كان يبدو كمن يبتلع الطعام بصعوبة لأنه مضطر للبقاء حيًا.
صحيح أنه لم يعد راغبًا في الموت لكن تيوبه كان يراه أشبه بتمثال من الجص فقد كل حياة.
وفي كل ذلك لم تغادر الرسالة يده قط ومع كل قراءة كان وجه كاسيان يفقد مزيدًا من الحياة حتى بدا كالميت.
ورغم استمرار العلاج ظل وضعه مقلقًا.
ولولا وجود أمهر المعالجين، لكان قد عبر نهر الموت منذ زمن.
وكان جميع الأطباء يقولون الشيء نفسه:
إنهم لا يعالجونه بل يمددون حياته فحسب.
فالمشكلة نفسية، وما لم تتغير رغبته في الحياة فلن يستطيع أحد فعل المزيد ومع ذلك، وعلى مدى وقت طويل بدأ جسده يتعافى ببطء شديد.
قال تيوبه:
“أما آن لك أن تخرج من هنا؟ إلى متى ستبقى في هذا المكان؟”
كان يخشى أن يقدم سيده على أمر متهور.
وكأنه قرأ ما في ذهنه، قال كاسيان بصوت منخفض:
“لن أموت… فلا تقلق.”
رد تيوبه بعجز:
“وكيف لا أقلق وأنا أراك بهذه الهيئة؟”
ثم تنهد طويلًا وبدأ يقدم تقريره:
“يبدو أن الكونت ألتن سيُعدم قريبًا. لقد عدت للتو من المحكمة بعد الاطلاع على القرار المبدئي. أما الدوقة، فما زالت تصر على رؤيتك. واليوم أيضًا طلبت مني…”
قطب كاسيان حاجبيه بوضوح.
لم يكن يريد سماع أي شيء يتعلق بإليز.
غطى وجهه الشاحب ظل قاتم من القسوة.
فصمت تيوبه فورًا ثم غيّر الموضوع، لكنه لم يكن أقل سوءًا.
“وهناك أمر آخر اليوم طرح صاحب السمو الدوق على الدوقة مسألة الطلاق.”
خلافًا لما توقعه تيوبه لم يتحرك كاسيان قيد أنملة بل إنه سخر في داخله من كل ذلك.
لقد كانت هذه العائلة منهارة منذ زمن، برجًا كان لا بد أن يسقط وكل ما حدث أن انهياره أصبح مرئيًا أخيرًا.
أدار رأسه بهدوء.
في أحد أركان المكتبة السفلية كانت هناك نافذة صغيرة تكشف جزءًا من العالم الخارجي وكانت الأشجار قد اكتست بالخضرة.
وفوقها كانت أزهار وردية قد تفتحت، تتطاير منها بتلات مع الريح، دخلت إحدى تلك البتلات إلى الداخل، واستقرت برقة فوق كفه، قبض عليها بقوة فتفتت البتلة تحت أصابعه.
كما تحطم كل شيء ولم يبقَ سبيل للعودة.
ولم يتردد في ذهنه سوى حقيقة واحدة، واضحة لا لبس فيها.
‘لم يعد هناك أي طريق لرؤية يوريسييل مرة أخرى.’
إلا إذا مات لكن حتى الموت لم يعد مسموحًا له.
خرج نفسه مختنقًا من صدره.
كان قلبه يضرب بجنون حتى عجز عن السيطرة عليه.
بدأ جسده يميل ببطء ثم سقط بقوة على الأرض الحجرية الباردة.
ومن زاوية نظره المائلة ظهرت أداة التسجيل السحرية التي ما زال يحتفظ بها، وصوتها.
نعم، ها أنا أتلقى العقاب الذي أردتِه لي.
لا أموت ولا أعيش، عالِقٌ بين الاثنين.
‘هل سيرضيكِ أن تريني هكذا؟’
تراءى له وجهها وهي تبتسم.
‘هل أصبحتِ عاجزة عن الابتسام الآن؟’
اشتاق إليها، اشتاق إليها بجنون.
كان ذلك الاشتياق يبتلع كل شيء ويطغى حتى على عقله.
***
وفي النهاية وقف أمام الإمبراطور. ذلك الرجل الذي لم يحضر حتى مأدبة تكريم المشاركين في الحرب ظهر فجأة في القصر.
تعالت الهمسات من كل صوب.
وكان يحمل السيف المقدس حتى الإمبراطور شعر بشيء من الهيبة.
فمن يُمنح السيف المقدس، جرت العادة أن يستجاب له طلب واحد مهما كان ومع ما ازدادت به قوة آل بلانشيت بعد هذه الحرب لم يستطع أحد تخمين حجم النفوذ الذي سيملكونه.
لكن الكلمات التي خرجت من فم كاسيان، بوجه شاحب كالموت كانت شيئًا لم يتوقعه أحد.
تجمد الجميع في أماكنهم من شدة الصدمة حتى الإمبراطور نفسه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.