الفصل 140: 140
140
الفصل مائة وأربعون
“إنه خطئي… كل شيء خطئي أنا.”
ما إن سمعت يوريسييل كلمات إليز حتى أطبقت عينيها بقوة.
“كفى… أرجوكِ، توقفي!”
لكن فينسنت، وقد سمع الحقيقة كاملة، لم يعد قادرًا على التوقف.
نظر إلى إليز بعينين ترتجفان غضبًا وسأل بصوت مخنوق:
“أتقصدين… أنكِ تعمدتِ منع الدواء؟”
لقد وقع أخيرًا ما حاولت يوريسييل بكل ما أوتيت من قوة أن تمنعه، اعترفت إليز بكل شيء دون أن تخفي تفصيلًا واحدًا.
قالت إن كاسيان كان قد اعتاد إرسال الدواء باستمرار، وإنه قبل مغادرته إلى ساحة المعركة أمر أن يسلم ما تبقى منه.
لكنها هي التي أخفته وهي التي لم تسلمه كما أوصى ابنها.
ومع ذلك، لم تردد سوى جملة واحدة، وكأنها تتمسك بها لتمنع نفسها من الانهيار:
“كل الذنب ذنبي لذا أرجوكم أنقذوا ابني وحده…”
عندها، لم يعد فينسنت يحتمل وجودها لحظة أخرى فأمرها بمغادرة المنزل بصرامة لا تقبل النقاش وقادها بنفسه إلى الخارج، وكأنه يطردها من الدار ثم أغلق الباب خلفها بعنف.
دووووم!
ارتج صدى الاصطدام في أرجاء القاعة.
***
منذ اليوم الذي التقى فيه روز للمرة الأخيرة ثم ودعها إلى الأبد
كان فينسنت كثيرًا ما يغرق في الفراغ، محدقًا في اللاشيء بعينين خاليتين ورغم أنه بدأ، شيئًا فشيئًا، يستعيد توازنه إلا أن كل ما بناه في داخله انهار في تلك اللحظة.
في القاعة التي لم يبق فيها سوى الأب وابنته رأت يوريسييل وجهًا لم تره على فينسنت قط، لا عندما كان مشرفها، ولا بعدما أصبح والدها.
كانت قبضتاه ترتجفان بعنف، وعيناه المحتقنتان بالدم تعجان بالغضب والأسى وكان يحبس دموعه بكل ما يملك لكن الحزن في عينيه كان يثور كطوفان لا سبيل لإيقافه.
‘حبة دواء واحدة…’
مجرد حبة واحدة.
ذلك الافتراض وحده كان كافيًا ليقود الإنسان إلى الجنون.
ويوريسييل تعرف ذلك أكثر من أي أحد أما الآن فقد عرف والدها الحقيقة أيضًا ولن يعود قادرًا على العيش كما كان.
‘كنت أظن أنك ستبقى جاهلًا بهذه الحقيقة إلى الأبد يا أبي…’
ولو عاد الزمن إلى الوراء لما تغير شيء ولهذا كانت تتمنى ألا يعرفها أبدًا.
ظل فينسنت واقفًا مكانه، بلا حركة أما يوريسييل فاجتاحها خوف آخر.
ماذا لو انهار والدها هو أيضًا؟
بعد لحظات طويلة استدار نحوها ببطء.
كانت عيناه الحمراوان، المبللتان بالدموع، تحدقان فيها بصمت.
وتسللت أشعة الشمس عبر النافذة، لتنساب فوق شعره الأسود كاشفةً خصلات حمراء كانت مختبئة بين سواده.
لطالما صبغ شعره بالسواد ليمحو كل ما يذكره بروز لكن بعد رحيلها عاد شعره أخيرًا إلى لونه الحقيقي.
نظر إلى ابنته ذات الشعر نفسه والعينين نفسيهما فاحمرت عيناه أكثر.
‘كيف لم ألاحظ…؟ إنها تشبهها إلى هذا الحد؟ كم عانت ابنتي وحدها؟’
كلما أدرك ما مرت به ازداد قلبه نزفًا.
تدفقت الذكريات واحدة تلو الأخرى.
اليوم الذي شرب فيه نبيذ روز، ولم يدرك شيئًا. والفتاة الصغيرة التي قالت بثقة في مقابلة العمل إنها تستطيع فعل أي شيء.
التي كانت، بعد انتهاء عملها الإداري، تسرع دائمًا إلى مكان آخر.
والتي، رغم ذلك كله كانت تبقى حتى النهاية، تؤدي واجباتها بابتسامة شجاعة.
كل تلك الذكريات التي دفنها في أعماقه تحولت الآن إلى ندم لا يُحتمل، كل مرة كانت روز تتألم لم يكن إلى جوارها.
وابنته، حملت ذلك الألم وحدها طوال حياتها.
‘لو عرفت الحقيقة أبكر بقليل… لو فقط…’
بعد شهر كامل من دفن نفسه في مقبرة الندم التي صنعها بيديه.
تقدم نحو يوريسييل ببطء وأمسك كتفيها المرتجفين بكلتا يديه.
ثم قال بصوت اختنق بالعاطفة:
“لابد أنكِ تحملتِ الكثير…”
عندها فقط انهمرت دموع يوريسييل التي ظلت تكبتها حتى الآن.
وظل الأب وابنته متعانقين وجسداهما يرتجفان بلا توقف.
***
مرت الأيام بعد ذلك كما كانت دائمًا لكن أصبحت يوريسييل تمضي وقتًا أطول داخل المنزل.
لم تعد تخرج وانغمست في العمل بلا انقطاع.
وكان ذلك طريقتها في الهرب.
‘لم أظن أن الأمر سيؤثر بي إلى هذا الحد…’
منذ زيارة الدوقة إليز كلما هدأت من حولها الضوضاء كان عقلها يذهب إليه، إلى ذلك الرجل.
بل إن أفكارها كانت تزداد اضطرابًا كلما بقيت بلا عمل حتى عندما تقع عيناها على الزقاق الذي كان يقف فيه تعود صورته لتطاردها وكلمات إليز…
” كاسيان يمر بوقت عصيب، وسيموت بسببكِ.”
كانت تتردد في أذنيها كأنها هلوسة.
ولهذا منذ ذلك اليوم لم تعد تغادر القصر إلا نادرًا.
وفي الحقيقة كانت تغضب من نفسها.
لماذا ما زالت تفكر فيه أصلًا؟
سواء مات أو عاش فما شأنها؟ ألم تكن تتمنى موته؟
بل إنها كانت ترى، في وقت من الأوقات، أن موته سيكون عزاءً لوفاة أمها أما الآن فكان يفترض ألا يهمها أمره مطلقًا.
لكن القلب لم يكن يطيع العقل بهذه السهولة.
كلما حاولت طرده ظهرت أمامها صورته الأخيرة.
ذلك الوجه الذي بدا كأنه على وشك الموت حقًا.
وكانت تلك الصورة ترفض أن تغادر ذهنها.
لكن ذلك لم يكن يعني أنها تتمنى نجاته ولا أنها تقلق عليه.
أما الشعور بالذنب فلم يكن من حقها أن تحمله بل كان هو من يجب أن يشعر به تجاهها.
كل ما في الأمر أن مشاعر مجهولة اختلطت داخلها وصنعت بحرًا عكرًا لا تستطيع فهمه.
“سيموت بسببكِ.”
يا لها من سخافة، كاسيان لا يموت.
كانت تكرر هذه الجملة لنفسها مرارًا وتواصل السير إلى الأمام.
وطوال ذلك كانت تخفي كل شيء بعناية.
لم تكن تريد أن تضيف جرحًا جديدًا إلى قلب والدها الذي لم يبق لها في هذه الدنيا سواه.
كانت تعرف أن مجرد علمه بأنها ما زالت تفكر في كاسيان سيؤلمه كثيرًا ولهذا واصلت إخفاء الأمر. وفي خضم العمل المتراكم لم تكن تحتاج أحيانًا إلى بذل جهد كبير لإخفائه.
وكانت تعتقد أنها نجحت لكن ذلك لم يكن سوى غرور.
فعلى الرغم من أن عيني فينسنت كانتا منشغلتين بالوثائق إلا أن أذنيه، وحواسه كلها كانت متجهة نحو ابنته.
يوريسييل، التي كانت تتصرف دائمًا بنضج يفوق عمرها كي لا تقلقه لم تكن تبدو فتاة في مثل سنها ولذلك كان من الصعب ملاحظة تغيراتها لكن ليس على فينسنت فهو كان يراقبها طوال الوقت حتى أدق تغير في تعابيرها لم يكن يفوته.
وفي النهاية أخذها معه إلى الخارج.
لم تجد مفرًا من الموافقة فجلست في العربة وما إن لامس النسيم وجهها حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامة خافتة.
ابتسامة لم تستطع أن تخفي الحزن الذي ما زال يكسو ملامحها.
لاحظ فينسنت أن بصرها يتجه إلى زقاق هادئ فتذكر ذلك الشاب النبيل الذي كان يقف هناك.
وريث آل بلانشيت الذي موّل مشروعه في الماضي، والذي ترك في قلب ابنته جرحًا بسبب الدواء.
وفي الحقيقة لم يكن من الإنصاف أن يحمل كاسيان وحده المسؤولية فقد اعترفت إليز أن ما حدث كان من صنعها.
ومع ذلك ظل فينسنت يعارض علاقته بابنته وليس فقط لأنه يكره آل بلانشيت بل لأن ذلك الشاب كان مرتبطًا بخطبة مع أسرة نبيلة أخرى ورغم ذلك ظل يلتقي بابنته.
وكان فينسنت يكره الرجال الذين تحيط بهم الشبهات.
لكن حين تذكر ما رآه قبل أيام راوده شعور غريب.
ربما كان يتمنى لو أن الأمر اقتصر على ذلك فقط.
استعاد صورة كاسيان في الزقاق.
وجه شاحب يحتضر ورغم ذلك جاء إلى هنا أولًا.
وذلك الأحمق كان يحب ابنته.
لم يكن يملك دليلًا لكنه رأى ذلك في عينيه ولوهلة بدت له صورته شبيهة بصورة نفسه قديمًا عندما كان يحب روز.
فعاد إلى ذاكرته ذلك اليوم البعيد حين اضطر إلى مفارقتها دون أن يفهم السبب.
فراق صنعته معارضة العائلتين وسوء الفهم. ورغم مرور أكثر من عشر سنوات ما زال ذلك اليوم حيًا في ذاكرته.
وحتى الآن ما زالت روز تزوره في أحلامه وتترك قلبه يعتصر ألمًا.
ولعل ذلك سيستمر ما دام حيًا.
فالأحلام هي المكان الوحيد الذي يستطيع فيه الإنسان لقاء موتاه.
ابتسم فينسنت ابتسامة مرة متقبلًا قدره.
ولهذا بالذات كان يتمنى ألا تعيش ابنته المصير نفسه.
نظر إليها، كانت تحدق في الفراغ بنظرة خالية من الحياة.
تمامًا كما كان ينظر هو قديمًا باحثًا عن روز التي اختفت.
تأملها طويلًا ثم قال بصوت منخفض:
“هل أنتِ بخير؟”
ابتسمت يوريسييل ابتسامة مصطنعة وقالت:
“بالطبع. ولماذا لا أكون بخير؟ يكفيني أن يكون أبي بجانبي.”
كانت تمزح لكن الحياة التي كانت تملأ وجهها قد اختفت منذ زمن ورؤية تلك الابتسامة المتكلفة كانت تمزق قلب فينسنت كل مرة.
تنهد في داخله ثم قال بصوت ثقيل:
“بما أنكِ تمازحينني بهذا الشكل فيبدو أنكِ قلقة على كاسيان.”
بمجرد سماع اسم كاسيان ارتجف جسد يوريسييل بوضوح لكنها سرعان ما تمالكت نفسها، ورفعت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة.
“أقلق عليه؟ أنت تعرف أننا لسنا على تلك الدرجة من العلاقة.”
قال فينسنت بهدوء:
“لا داعي لأن تتظاهري.”
عند كلماته استدارت نحوه ببطء وكانت عيناها الزمرديتان، اللتان حاولتا عبثًا إخفاء اضطرابهما ترتجفان بصمت وهي تنظر إليه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.