مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 139: 139نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 139: 139

139

الفصل مائة وتسعة وثلاثون 

منذ أن وصلا إلى لورفيا، انغمس فينسنت في أكوام الوثائق، يقضي أيامه غارقًا في العمل. ولم يكن ذلك سوى محاولة يائسة للهروب من الحقيقة التي ما زالت تطارده كالكابوس. 

وكأي حاكم جديد لإقطاعية، كان عليه أن يتولى شؤون الضرائب، والإشراف على فرسان لورفيا، وسائر الأعمال الإدارية التي لم تترك له لحظة لالتقاط أنفاسه بل إن بعض المهام، كجولات تفقد الإقليم، لم تكن مستعجلة أصلًا، ومع ذلك كان يتعمد إرهاق نفسه بها أما يوريسييل، فقد أخذت على عاتقها جزءًا من مسؤوليات الإقطاع، تخفف العبء عن والدها. 

ولأنها اعتادت في القصر الإمبراطوري على معالجة هذا النوع من الأعمال، لم تجد في الأمر صعوبة تُذكر. 

حاول فينسنت مرارًا أن يمنعها، مصرًّا على أن ترتاح وأن ينجز كل شيء بمفرده، لكنها كانت ترد بهدوء: 

“الانشغال أهون من الفراغ.” 

ولذلك تركها تفعل ما تريد لكن شيئًا آخر كان يقلقه ابنته لم تعد تخرج من المنزل أبدًا ولهذا، قرر في ذلك اليوم أن يصطحبها معه. 

داخل العربة التي كانت تشق طريقها بهدوء، اتجه بصر يوريسييل إلى ما وراء النافذة. 

في البعيد، ظهر الزقاق الذي اعتاد ذلك الرجل الوقوف فيه. 

لكن لم يعد هناك أحد، منذ ذلك اليوم، اختفى بلا أثر. 

وحين استحضرت صورته الأخيرة، لم تجد في الأمر غرابة. 

وجهه الشاحب الذي اكتسى بلون الرماد، والعرق البارد الذي غمره، كان يبدو كرجل يلفظ أنفاسه الأخيرة. 

…لكن ماذا في ذلك؟ 

ذلك الرجل سيُعالج في أفخم القصور، وعلى أيدي أمهر الأطباء ولن يموت بسهولة. وعندما تذكرت أن والدتها ماتت فقط لأنها لم تجد الحبة الأخيرة من الدواء لم يبق في قلبها سوى الاشمئزاز. 

سواء عاش أو مات فلن يجتمع طريقاهما مرة أخرى بل يجب ألا يجتمعا. 

وحين غاب الزقاق عن ناظريها، أشاحت بوجهها وفي تلك اللحظة، هبت نسمة باردة جعلتها تسعل فسارع فينسنت إلى إخراج وشاح كان محفوظًا خلف مقعد العربة، كان وشاحًا صوفيًا مألوفًا. 

وشاح كانت روز تحيكه باستمرار. 

لابد أنه جاء مع أمتعتهما حين رتبا مقر إقامتهما في العاصمة. 

لفّه فينسنت برفق حول عنق ابنته وقال: 

“الجو بارد ارتديه على الأقل.” 

ما إن لامس دفء الوشاح عنقها حتى انفجرت دموعها. 

تذكرت والدتها وهي تقول دومًا: 

“هذا لكِ.” 

وتذكرت صباحات كانت تلف فيها ذلك الوشاح حول رقبتها بحنان. 

نظر إليها فينسنت في حيرة، ثم أدرك السبب. 

وقال بصوت اختلطت به الرطوبة: 

“إذن هذا من صنع روز.” 

ثم ربت على كتفها برفق. ولأول مرة لم تعد يوريسييل تعتذر كما اعتادت بل أدركت شيئًا واحدًا لو لم يكن والدها إلى جانبها لربما لم تكن لا تزال على قيد الحياة. 

فما الذي كان سيدفعها للاستمرار؟ 

ولم يكن فينسنت مختلفًا عنها. 

فالمرأة الوحيدة التي أحبها طوال حياته رحلت. 

وكان الفراغ الذي تركته يهاجمه بلا رحمة أما الآن فقد أصبحت يوريسييل الهدية الوحيدة التي تركتها له روز. 

وصارت هي سبب حياته كله. 

وهكذا بدأ كل شيء يلتئم، ببطء شديد. 

***

بعد أن نزلا من العربة، تجولا معًا لبعض الوقت، يتبادلان أحاديث عابرة، ثم عادا أدراجهما. 

وفي طريق العودة، اتفقا على أن يخرجا معًا كثيرًا بعد اليوم. 

فحتى لو لم يتحدثا فإن نسيم الهواء، ودفء الشمس كانا عزاءً بحد ذاته. 

وعندما عادا كانت يوريسييل تحمل بين يديها كومة من الحلوى. 

ابتسمت بحرج فوالدها ما زال يعاملها كطفلة، ويصر على شراء الحلويات لها لكنها كانت تعرف ما يخفيه قلبه. 

كان يحاول أن يمنحها شيئًا صغيرًا يعوضها عن كل ما فقدته. 

وببطء كانت الحياة تستعيد توازنها لكن ما إن توقفت العربة أمام القصر حتى انزلقت قطعة خبز بالكريمة من يدها وسقطت على الأرض فقد وقعت عيناها، عبر نافذة العربة، على هيئة مألوفة. 

رغم أنها كانت تراها من الخلف عرفتها فورًا. 

كانت… إليز دي بلانشيت، دوقة بلانشيت. 

المرأة التي سبق أن رأتها في ألفونس، ثم مرة أخرى في ماريوت. 

قالت يوريسييل بصوت جامد: 

“ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟” 

في الحقيقة لم يكن صوتها قاسيًا بقدر ما كان منهكًا. 

قبل أيام جاء ذلك الرجل واليوم جاءت والدته. 

وصراحة كانت تكره رؤية كل من ينتمي إلى آل بلانشيت. 

عرض فينسنت أن يطردها إن كانت لا ترغب في مقابلتها لكن يوريسييل رفضت فمهما يكن لا يليق بكونت أن يطرد دوقة بلانشيت من أمام بابه وفي الوقت نفسه لم تكن تريد أن يلتقي والدها بها. كانت تتمنى أن يعيش بقية حياته دون أن يعرف الحقيقة كاملة فلو علم أن والدتها كان يمكن إنقاذها بحبة دواء واحدة فقط، ولو علم أن رجلًا من آل بلانشيت رفض إعطاءها ذلك الدواء، ولو علم كيف لعب ذلك الرجل بمشاعرها طوال تلك المدة لما كان هناك ما هو أقسى من ذلك. 

وهكذا أُغلق باب الصالون، ولم يبق في الداخل سوى امرأتين. 

إليز ويوريسييل. 

ظلت إليز تداعب فنجان القهوة الذي بدأ يبرد، مترددة، وكأن الكلمات تثقل لسانها ثم قالت: 

“كاسيان يمر بوقت عصيب، وسيموت.” 

ورفعت بصرها نحو يوريسييل. 

“بسببكِ.” 

حدقت يوريسييل فيها بوجه خالٍ من أي تعبير وللحظة، تسلل الرعب إلى قلب إليز. 

هل هل تعرف أن من أحرق المستودع كان أنا؟ 

لكن ذلك مستحيل. 

فعقدت حاجبيها وأكملت: 

“لديّ عرض.” 

وضعت الفنجان على الطاولة ثم قالت بهدوء: 

“إن وافقتِ على الزواج من ابني فسأجعلكِ سيدة آل بلانشيت.” 

كان عرضًا يهز أركان أي عائلة نبيلة لكن يوريسييل لم تتحرك حتى قيد أنملة فشعرت إليز بالقلق. 

كانت تعلم أن الفتاة تعتقد أن ابنها هو سبب وفاة والدتها لكن وما أهمية ذلك؟ 

لولا ابنها لماتت تلك المرأة منذ زمن، هو الذي أطال عمرها. 

وما زالت تغلي كلما تذكرت أنه خاطر بحياته وسافر حتى هارت من أجل ذلك الدواء. 

كانت مقتنعة بأن يوريسييل لا يمكنها رفض هذا العرض فمهما فقدت صوابها لا بد أنها تدرك قيمة أن تصبح دوقة بلانشيت. 

فحتى بعد أن أصبح والدها كونتًا يبقى الفارق بين العائلتين شاسعًا. 

وكان هذا الزواج أشبه بميزان مختل تمامًا ولولا أن ابنها يحتضر بعد رفضه العلاج لما جاءت بنفسها إلى هنا. 

ثم تابعت: 

“لكن بالمقابل عليكِ أن تجعلي ابني يوافق على تلقي العلاج.” 

ضحكت يوريسييل بسخرية. 

“والآن… تطلبين مني الزواج منه؟ من الرجل الذي قتل أمي؟” 

هل تظنني امرأة يغريني لقب دوقة؟ أم أنك لا تعرفين شيئًا؟ 

ثم سألتها فجأة: 

“هل أرسلكِ هو أيضًا؟” 

قطبت إليز حاجبها. 

“هو أيضًا؟” 

إذن هل سبق أن جاء كاسيان إلى هنا؟ 

تنهدت يوريسييل وقالت: 

“لقد أخبرته بكل شيء ويبدو أنه لم يخبركِ.” 

ثم نهضت. 

“عودي من حيث أتيتِ فأنا لن أعود إليه أبدًا.” 

عندها فقط شعرت إليز أن هناك شيئًا خرج عن السيطرة. 

“ماذا تقصدين؟ 

قالت يوريسييل ببرود: 

“كما سمعتِ لا أريد أن يكون لي أي علاقة به ولا بأي فرد من آل بلانشيت.” 

كانت تبدو منهكة خالصة من أي إحساس أما إليز فبدأ عقلها يعمل بجنون وهناك سبب واحد فقط يدفعها إلى هذا الموقف. 

إنها تعتقد أن كاسيان هو من تسبب في وفاة أمها. 

وحين همّت يوريسييل بالمغادرة، نهضت إليز على عجل. 

لا، لا يمكنها أن تدع ابنها يموت. 

فصاحت: 

“لقد أسأتِ الفهم!” 

توقفت خطوات يوريسييل. 

“من منع الدواء لم يكن كاسيان بل أنا.” 

تجمدت يوريسييل في مكانها ثم همست بصوت مرتجف: 

“…ماذا قلتِ؟” 

قالت إليز: 

“أعرف أنكِ جئتِ إلى قصر بلانشيت مرات عديدة بعد ذهاب كاسيان إلى الحرب.” 

“…”

“ورأيت أن قلبه بدأ يميل إليكِ.” 

ارتجفت يد يوريسييل بلا إرادة وتاهت عيناها الزمرديتان. 

أكملت إليز: 

“لقد كرست حياتي كلها لأجعله الوريث المثالي لآل بلانشيت.” 

“…”

“ولهذا تظاهرت بأن القرار صدر عنه ومنعت وصول الدواء إليكِ.” 

أخذ لون وجه يوريسييل ينسحب شيئًا فشيئًا حتى صار شفافًا. 

وفي لحظة اتضحت كل الحقيقة. بينما كانت تجهل كل شيء كان ذلك الصراع يدور داخل قصر بلانشيت. 

ولأنها لم تعرف فقدت الدواء، وفقدت أمها. 

همست بصوت مبحوح: 

“كانت… حبة واحدة فقط لو حصلت عليها لما ماتت أمي…” 

قالت إليز بانكسار: 

“أنا المخطئة.” 

احمرت عينا يوريسييل من شدة الاحتقان وانغرست أظافرها في راحة يدها أما شفتيها فقد مزقتهما بأسنانها حتى ملأ فمها طعم الدم وانهمرت الدموع أخيرًا على وجهها الشاحب لكن إليز تابعت: 

“كاسيان لا يعلم شيئًا. لذلك أرجوكِ أنقذي ابني.” 

كانت يوريسييل تحدق بها بعينين خاليتين من الحياة. 

كأنها شبح عاد من الموت. وشعرت إليز بالخوف مرة أخرى. 

ربما لن تعود هذه الفتاة إلى جانب ابنها أبدًا أما فكرة فقدان كاسيان فكانت أكثر ما يرعبها في العالم. 

وفي النهاية هوت إليز على ركبتيها أمام يوريسييل. 

“أرجوكِ أنقذي ابني… مرة واحدة فقط.” 

وفي تلك اللحظة انفتح الباب المغلق بعنف. 

باااام! 

ارتطم الطبق بالأرض، وتناثر صوته في أنحاء القاعة. 

ودخل رجل، غير آبه بالماء الذي بلل قدميه. 

كان… 

فينسنت لورفيا، وقد تصلبت ملامحه وهو يسأل بصوت منخفض مهيب، كأنه على وشك ابتلاع من أمامه: 

“أنتِ ماذا قلتِ للتو؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.