مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 138: 138نحو 9 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 138: 138

138

الفصل مائة وثمانية وثلاثون 

“أحرقتُه؟ ما الذي تتحدث عنه؟” 

في البداية، أنكرت إليز الأمر فعدد من كانوا يعلمون بحادثة إحراق المخزن داخل أسرة بلانشيت لم يتجاوز القلة. 

لكن ما انعكس في عيني كاسيان لم يكن شكًّا بل يقينًا قاطعًا. 

ولأول مرة في حياتها، رأت في نظرات ابنها نية قتلٍ صريحة. 

شدّت إليز قبضتيها بقوة، ثم قالت: 

“نعم… أنا من أحرقته.” 

كانت النيران تشتعل داخل صدرها. 

لقد شعرت وكأن التحفة التي أمضت عمرها كله في نحتها، تحطمت في اللحظة التي أوشكت فيها أن تكتمل. 

دوقةٌ مثالية، وأمٌّ مثالية لوريثٍ مثالي، وعلاقة أمومة لا تشوبها شائبة. كل ما حافظت عليه طوال حياتها انهار في هذه اللحظة دفعة واحدة. 

وكل ذلك بسبب يوريسييل، تلك الفتاة. 

في الحقيقة، كان إحراق الدواء المخصص لوالدة تلك الفتاة اندفاعًا لحظيًّا. فما إن تأكدت أن والدة يوريسييل هي روز حتى فقدت أعصابها تمامًا وبعد ذلك، عندما بلغها خبر وفاة روز، لم تشعر بأي تأثر يُذكر فالمرأة التي كان ينبغي لها أن تموت ماتت لا أكثر بل إنها اختصرت عليها سنواتٍ كانت ستقضيه اوهي تعذبها بالألم. 

بل بصراحة حين سمعت بموت روز، شعرت براحةٍ غامرة وحين رأت وجه زوجها وقد غزاه الانكسار، أحست وكأن صخرةً هائلة أزيحت عن صدرها. 

لقد ماتت تلك المرأة أما ابنتها التي كانت ستقود ابنها إلى الهلاك، فستختفي من تلقاء نفسها. أليس هذا أفضل سيناريو ممكن؟ 

هذا ما كانت تؤمن به إلى أن سمعت أن ابنها قد توجه إلى هارت. 

حتى بعدما عاد الجنرالات واحدًا تلو الآخر من ساحة الحرب، ظل ابنها وحده غائبًا، يحرق قلبها قلقًا. 

وعندما نشرت الصحف أخبارًا تتحدث عن موته وعندما التف رجال بلانشيت حول الكونت ألتن استعدادًا لوراثة كل شيء 

شعرت إليز يومها بأنها تتمنى الموت لكن طالما عاد، فهذا يكفي. 

قد عاد بعينين تبعثان الرعب لكن كل شيء سيعود إلى مكانه الصحيح، كانت تؤمن بذلك إيمانًا راسخًا. 

وذرفت الدموع وهي تقول بصوت مرتجف: 

“أما تظن أنني كنت أعاني حتى أفعل ذلك؟” 

أما كاسيان فلم يظهر في عينيه الباردتين أدنى اضطراب. 

ارتجف جسد إليز. 

كان هذا ابنها لكن في مثل هذه اللحظات، كان يبدو لها غريبًا تمامًا ومع ذلك كانت واثقة أن ما ستقوله الآن سيغيّر كل شيء. 

قالت: 

“المرأة التي عذبت قلبي سنوات طويلة اتضح أنها والدة تلك الفتاة. هل تتخيل مدى صدمتي؟” 

“…”

“بل إن تلك الفتاة جعلتك تلغي مشروع خطبتك من إحدى الأسر النبيلة المحترمة.” 

“…”

“كنت خائفة… خائفة أن تدمر تلك الفتاة كل شيء.” 

وأكملت بنبرة هادئة خالية من الانفعال: 

“أنت تعلم كم عانيت بسبب تلك المرأة طوال هذه السنوات. لم أستطع أن أتركك تسير في الطريق نفسه الذي سار فيه والدك.” 

قبض كاسيان يده بقوة. 

حتى برزت العروق فوق قبضته، وكأنها ستمزق جلده. 

اقتربت إليز وأمسكت يده برفق محاولة تهدئته. 

“أنا مستعدة لفعل أي شيء من أجل ابني… لذا عد من فضلك. عد كوريث بلانشيت الذي نفخر به.” 

كان كاسيان واقفًا بلا حراك ثم سحب يده من يدها ببطء ورفع إليها نظرة تقطر رعبًا. 

‘وريث بلانشيت الذي يُفتخر به…’ 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة. 

حتى الآن لا تزال تعتقد أنها قادرة على الحفاظ على ذلك؟ 

كم يشبهها هذا التفكير. 

نهض من مكانه أما إليز، فاكتفت بالنظر إليه بذهول لم تكن تعلم أن ما حدث حتى الآن لم يكن سوى البداية. 

***

ومنذ ذلك اليوم لم يرَ أحدٌ كاسيان في أي مكان داخل القصر. 

فقد أغلق على نفسه في المكتبة السرية تحت الأرض، التي لا يصلها خيط واحد من ضوء الشمس ولم يخرج منها قط وكأنه اتخذ قرارًا بالموت هناك ولأنه أعلن بوضوح أنه لن يسمح لأحد بالدخول لم يجرؤ أحد على الاقتراب. 

حتى الدوقة إليز أو الدوق ديفيرون نفسه. 

أما الدوق ديفيرون، فقد سلّم الأمر كله إلى إليز، معتقدًا بسذاجة أن ابنه سيعود إلى سابق عهده عاجلًا أم آجلًا. 

لكن إليز لم تكن تستطيع سوى الوصول إلى باب المكتبة. 

وفي كل مرة، كانت تُقابل بالأمر البارد نفسه: 

“اخرجي.” 

فتعود أدراجها بلا جدوى أما الشخص الوحيد الذي بقي مسموحًا له بالدخول، فكان تيوبه بحجة إدخال الطعام إليه. 

وفي ذلك اليوم أيضًا تنهد تيوبه وهو ينظر إلى الطعام الذي بقي كما هو تقريبًا. 

“سيدي يجب أن تتلقى العلاج.” 

كانت الدوقة قد أرسلت إليه أشهر معالجي بلانشيت مرارًا لكنه تجاهلهم جميعًا وأعادهم من حيث أتوا. 

قال تيوبه بتردد: 

“إن كنت لا تريد المعالجين الذين أرسلتهم الدوقة فسأحضر لك معالجًا من الخارج.” 

أجابه كاسيان بصوت أجش متشقق: 

“لا حاجة لذلك.” 

كان قد عاد إلى هنا وهو مصاب بجراح بالغة ومع ذلك لم يسمح لأحد حتى بلمسها وكان شحوب وجهه قد بلغ حدًّا جعل ملامحه واضحة حتى وسط الظلام. 

أما الجروح التي لم تُعالج فلا تزال ممزقة كما هي. 

قال تيوبه بقلق: 

“لقد مر شهر كامل والمعالجون يقولون إن…” 

قاطعه كاسيان ببرود: 

“كف عن إزعاجي واتركني أموت.” 

بدت كلماته صادقة إلى حدٍّ مرعب. 

اتسعت عينا تيوبه. 

“سيدي!” 

لكن كاسيان لم يلتفت حتى إلى صرخته بل ظل يحدق في شيء بعيد بصمت. 

وخلال الشهر الماضي كان يعيش في تلك المكتبة كما لو أنه يعرف موعد موته لا يفعل إلا إنهاء الأعمال التي وضعها أمامه. 

ثم سأل فجأة: 

“والكونت ألتن؟” 

تنهد تيوبه قبل أن يجيب: 

“أُحيل إلى المحكمة. وقد اعتُمد أثر السهم الأخير دليلًا ضده، لذا يبدو أنه لن ينجو هذه المرة من حكم الإعدام.” 

هذه المرة لم يُبدِ كاسيان أي رحمة تجاه الكونت ألتن فبعد أن أفلت سابقًا بسبب تدخل والده الدوق ديفيرون في اللحظة الأخيرة حسم الأمر هذه المرة بلا تردد لكن الطريقة التي كان يتعامل بها مع كل شيء بسرعة محمومة كانت تبعث على الخوف. 

وخاصة بالنسبة لتيوبه الذي يراقبه عن قرب. 

كان يتصرف وكأنه يسابق الموت ويصر على إنهاء كل ما تبقى قبل أن يسبقه إليه ومع أن معظم الأمور انتهت كما أراد إلا أنه لم يُظهر أدنى رضا بل كان يزداد إنهاكًا يومًا بعد يوم. 

حتى بدا وكأن موته قد يحدث في أي لحظة. 

قال تيوبه: 

“الآنسة بيوشيل جاءت قبل أيام. يبدو أنها أرادت مناقشة رسوم العبور الخاصة بخطوط التجارة.” 

قبل فترة قصيرة فرض كاسيان رسومًا جمركية على جميع طرق التجارة التابعة لبلانشيت والمارة عبر بيريوت. وكان واضحًا أن الآنسة بيوشيل، التي استثمرت ثروتها كلها هناك، ستتلقى ضربة قاصمة لكن حتى بعد إصدار ذلك القرار لم يظهر على وجه سيده أي إحساس بالانتصار أو الرضا. 

وقف تيوبه صامتًا، ينتظر أوامره التالية بخوف ثم قال مترددًا: 

“أما الدوقة فهل ستتركها على حالها حقًا؟ لقد أصبحت طريحة الفراش، ولم تعد قادرة حتى على النهوض.” 

ضحك كاسيان بسخرية مريرة. 

بالنسبة لتلك المرأة التي ما زالت تردد حتى الآن عبارة “الوريث المثالي” فإن أسوأ كابوس يمكن أن يصيبها هو أن يتحطم هو نفسه. 

كم كان الأمر بسيطًا وواضحًا. 

لقد حان الوقت لتدرك أخيرًا أنه لم يعد في بلانشيت أي وريثٍ مثالي وأن هذه الأسرة لم تعد سوى برج «جينغا» منهار، لا يمكن إعادة بنائه. 

***

بعد خروج تيوبه بقي كاسيان وحده في المكان. 

استند بجسده الواهن إلى الجدار، حتى التنفس بات يرهقه. 

وسقط بصره على أداة تسجيل سحرية موضوعة بعناية. 

طَق… طَق… 

ومع كل لمسة من أصابعه كانت تصدر صوتًا ميكانيكيًا يتردد صداه في أرجاء الغرفة ثم غطى ذلك الصوت صوتُها. 

“أحبك… أحبك… أحبك…” 

تلك الكلمات التي لم تكن سوى أكاذيب من أولها إلى آخرها. 

كان التسجيل لا يحتوي إلا على عبارة واحدة لكن كل كلمات الحب التي قالتها له وكل المرات التي صدّق فيها أنها صادقة وكل اللحظات التي ظن فيها أنه جعل تلك الكلمات حقيقة 

وذلك الأحمق الذي كان يبتسم فرحًا وكل تلك الأوهام التي لم تكن تعني شيئًا… 

ارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية يختلط فيها طعم الدم بالمرارة. 

ضغط على الأداة مرة بعد أخرى حتى كادت تتحطم بين أصابعه ثم صدر منها صوت متقطع، وبدأ ضوؤها يخفت. 

ظل يحدق بها طويلًا وأخذت أصوات مشوشة غير مفهومة تتداخل وتتشابك، ربما ستنتهي كل هذه الذكريات بالطريقة نفسها. 

كتلك الأداة المعطلة مجرد أصوات وأشلاء لا يمكن تمييزها. 

تُرى بماذا كانت تفكر يوريسييل الآن؟ 

في ذلك اليوم حين قالت تلك الكلمات واليوم الذي أراد فيه أن يصدق أنها كانت تعنيها حقًا. 

في كل مرة كان يظن أنه امتلك كل شيء فيها. وأنه قادر على امتلاكها بالكامل لكن الحقيقة أنها هي من امتلكت كل ما لديه. 

أما هي فقد خسرت كل شيء ثمنًا لامتلاك شيء لم ترغب فيه أصلًا. 

كان ذلك الواقع الحقير يمزق أعماقه. 

قديمًا كان يتمنى أنه إن مات، فسوف تبكي عليه. 

أما الآن فذلك لن يحدث أبدًا. 

ربما لو أنه اختفى في ذلك اليوم ورحل دون أن يعود لما وقعت هذه المهزلة المجنونة كلها. 

لقد أصبحت هذه الفوضى البائسة حتى السخرية منها لم تعد ممكنة. 

ومع ذلك لم تكف صورة يوريسييل، وهي تصرخ في وجهه ببرود يشبه صقيع الشتاء: 

“ارحل.” 

عن مطاردته وكأنه فقد عقله. 

***

كانت الأمور، ظاهريًا، تعود إلى نصابها. 

أُحيل الكونت ألتون إلى المحكمة وعادت أسرة بلانشيت إلى الالتفاف حول كاسيان بعد عودته وكانت إليز راضية عن كل ما يجري. 

صحيح أن الإجراءات التي اتُّخذت بحق بيريوت بدت قاسية بعض الشيء لكنها لم تكن تهتم. فبعد فسخ الخطبة، كان ضعف نفوذهم يصب في مصلحة بلانشيت لكن المشكلة أن ابنها لم يغادر غرفته منذ شهر كامل وكان يرفض العلاج أيضًا. ولا شك أن حالته الجسدية كانت في غاية السوء ومع أنها لم تستطع حتى رؤيته طوال ذلك الشهر بدأ عقلها ينهار شيئًا فشيئًا. 

وعندها فقط أدركت الحقيقة لم تكن الأمور تعود إلى مكانها بل كانت تفيض خارج السيطرة حتى لم يعد بالإمكان احتواؤها. 

ما فعله ابنها بالكونت ألتن وما فعله بيوشيل كان سببه الوحيد 

تلك الفتاة. 

الكونت ألتن لأنه تسبب في تأخير الدواء وبيوشيل لأنها حطمت آخر جرعة منه إذن هل ستكون هي التالية؟ 

هي التي أحرقت الدواء كله؟ 

أطلقت إليز ضحكة خاوية. 

لكن ما كانت تخشاه الآن لم يعد انتقام ابنها منها. 

بل كانت تخشى موته هو ففي ذلك الصباح نقل إليها معالجو بلانشيت، بعد اطلاعهم على تقارير تيوبه عن حالته، خبرًا مرعبًا. 

“إن استمر الأمر على هذا النحو فقد يفقد السيد الشاب حياته.” 

كانت تعيش قلقًا لا يهدأ. 

وفي صباح اليوم الذي أكمل فيه شهرًا كاملًا اتخذت قرارها أخيرًا. 

ثم غادرت القصر وهي تقول: 

“سنتوجه إلى لورفيا.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.