الفصل 137: 137
137
الفصل مائة وسبعة وثلاثون
حتى صباح اليوم التالي، ظل واقفًا في مكانه، لا يتحرك قيد أنملة.
لم تعد يوريسييل قادرة على تخمين سبب مجيئه إلى هنا بعد كل ما حدث ثم إنها، منذ البداية، كانت تعلم أن محاولة فهم ذلك الرجل ضربٌ من العبث فبالنسبة إليه، لم يكن العبث بمشاعرها ثم انتزاع كل ما تملك منها سوى نوعٍ آخر من التسلية.
ولحسن الحظ، لم يلتقِ حتى الآن بوالدها وجهًا لوجه.
كان يقف هناك فقط، وكأن غايته الوحيدة أن يبقى عالقًا في ناظريها. أوقف عربته في مكانٍ ظاهر، ثم بقي داخلها دون أن يتحرك. لم تكن العربة تحمل الشعار المعتاد لعائلة بلانشيت، لكن يوريسييل لم تكن لتخطئ في معرفتها فكلما غادرت العاصمة معه إلى مكانٍ آخر، كان يستخدم هذه العربة دائمًا.
وكان طيفه المتمايل خلف نافذة العربة ينهش أعصابها بلا توقف.
‘هل ما زال يريد شيئًا مني؟’
تكدست الأسئلة في رأسها دون أن تجد إجابة وفوقها، أخذت صورته الأخيرة تتردد في ذهنها. وجهه الوقح، وكأنه لا يعلم شيئًا، شحوبه، وعيناه الحمراوان اللتان بدتا كأنهما جُرحتا.
لقد غادرت العاصمة، وجاءت إلى لورفيا كي تفرغ رأسها من التفكير فيه لكن كل ذلك ذهب سدى.
ومع هذا، لم يكن بوسعها فعل شيء كل ما تمنته أن يغادر قبل أن يراه والدها. فوالدها بدأ أخيرًا يستعيد نفسه، ولم تكن تريد أن تفتح له جرح وداعٍ آخر.
في البداية ظنت أنه سيرحل بعد قليل لكن مرّ يوم كامل ولم يختفِ وفي النهاية، تغلب عليها القلق، وأجبرها على الخروج.
إن كان ما يفعله نوعًا من التهديد فقد نجح تمامًا.
اغتنمت فرصة خروج والدها، واتجهت نحو العربة.
وكما توقعت ظهر كاسيان.
“يوريسييل.”
ذلك الصوت الوديع لم يعد يثير فيها سوى السخرية.
كانت عيناه الحمراوان ترتجفان وهما تحدقان فيها.
قالت ببرود:
“ألم تسمع ما قلته؟”
كم كانت تبغضه.
ذلك الرجل الذي بدا وكأنه على وشك الموت لكنه لا يموت.
لو أنه مات واختفى لما عاد للظهور أمامها مرة أخرى.
لماذا… لماذا يصر حتى اللحظة الأخيرة على تعذيبها؟
خرجت كلماتها ببرودة لا تقل عن برودة قلبها.
“قلت لك ارحل! لا أريد أن يرتبط اسمي بك مرة أخرى!”
ورغم لهجتها الحاسمة، اقترب منها بسرعة.
ذلك القرب المفاجئ كان أشبه بكارثة.
‘…آه.’
هكذا كان دائمًا، لم تعد تتفاجأ فهو لم يعتد يومًا أن يصغي إلى كلامها ومع ذلك كانت شفتاه المتشققتان، وهيئته المضطربة، تضفيان عليه جمالًا قاتمًا يوحي بالانهيار.
مرر يده في شعره بضيق، ثم زفر طويلًا، وثبت نظره عليها.
ومن مسافة لا تسمح لها بالهرب قال بصوتٍ أجش متشقق:
“أنتِ…”
انساب صوته الخشن إلى أذنيها.
“قلتِ إنكِ تتمنين موتي.”
كانت عيناه الحمراوان ترتجفان كأنهما ستتحطمان في أية لحظة.
وكأنه هو من تعرض للخيانة.
‘خيانة؟’
يا لها من كلمة مضحكة.
أليست الخيانة شعورًا لا يعرفه إلا من أحب؟
قالت بلا تردد:
“نعم.”
اهتزت عيناه وأضافت ببرود:
“يكفيني مجرد النظر إلى وجهك لأشعر بالاشمئزاز.”
لم تعد عيناه تشبهان شمسًا حمراء متوهجة بل غروبًا يحتضر في آخر النهار ولكلما ازداد حيرتها من تصرفاته ازدادت كلماتها قسوة.
“ارحل.”
ابتلعت غصتها.
“مجرد رؤيتك تجعلني على وشك الجنون.”
وفجأة خرجت من فمه كلمات لم تكن تتوقعها.
“لكنكِ قلتِ إنكِ تحبينني.”
‘الحب؟’
كم بدا سخيفًا، أحقًا يتحدث الآن عن الحب؟ وكأن هذا الشعور وجد فيه يومًا لو كان يحمل ذرةً منه لما فعل بها ما فعل.
‘هو لا يحبني.’
فلو أحبها لما عاملها بهذه الطريقة لكن لو كان يحمل في قلبه ولو قليلًا من المشاعر تجاهها فإنها أرادت أن تغرس فيه أعمق جرح ممكن فراحت تنتقي أكثر الكلمات قسوة ثم قالت:
“كم أنت ساذج لتصدق كلامًا كهذا.”
تناثرت نظرته كما يتناثر زبد الأمواج.
لقد ظنت يومًا أنه يحبها، فهل أصبح ذلك الحب الذي قال إنه “ليس إلى هذا الحد” أكبر الآن؟
تمنت أن يحبها حد الألم، أن يتعذب، أن يتألم أكثر فأكثر.
ولذلك ضغطت كل كلمة وهي تنطقها.
“أنت تعرف جيدًا… لماذا ارتبطت بك منذ البداية.”
لولا الدواء لما دخلت حياته أصلًا أما كل المشاعر التي ظنت يومًا أنها أحست بها فلم تكن سوى أوهام خلقها ذلك الدواء.
تجمد وجهه فورًا ولم تفهم سبب ذلك لكنها شعرت بشيء من الارتياح. سألها بصوت جاف يخالطه غضب مكتوم:
“إذن… لم تحبيني ولو مرة واحدة؟”
كانت هي من يحق له الغضب فلماذا يغضب هو؟
كان يكرر السؤال كأنه يتوسل تأكيدًا، وصار تنفسه يزداد اضطرابًا وفي تلك اللحظة أدركت الحقيقة أخيرًا.
إنه يحبها.
لم يعد يشبه ذلك اليوم الذي قال فيه إن مشاعره لا تتجاوز حدًا معينًا، كل شيء فيه، نظرته، وجهه، كان يصرخ بالحقيقة.
قلب هذا الرجل أصبح معلقًا بها.
ومع ذلك ازداد الأمر غموضًا، إن كان يحبها فعلًا فلماذا فعل بها كل ذلك؟
لكن لم يعد ذلك مهمًا كل ما أرادته أن تكون كلماتها جروحًا لا تندمل في قلبه فمهما تألم فلن يقترب ألمه من ألمها.
ولا من الألم الذي سيحمله والدها بقية حياته.
قالت أخيرًا:
“نعم.”
ثم استدارت.
“لذلك… أتمنى ألا أراك مرة أخرى.”
***
ظل كاسيان يراقب ظهر يوريسييل حتى اختفت تمامًا.
وبقي واقفًا في مكانه وقتًا طويلًا، حتى اقترب منه تيوبه، وعندها فقط صعد إلى العربة.
في ذهنه كانت صورتها تتكرر بلا توقف.
كانت هزيلة كغصن يابس، يكفي لمسه لينكسر.
ولم يعد في عينيها الحازمتين أي بريق للحياة أما العينان الزمرديتان اللتان كانتا تنظران إليه فقد فقدتا كل لون.
وتردد صوتها في رأسه.
“كل شيء كان كذبًا حتى كلمات أحبك.”
قبض كاسيان يده بقوة حتى انتفخت العروق فوق ساعده.
في الحقيقة كان يتوقع هذا.
فهي امرأة تستطيع أن تفعل أي شيء من أجل والدتها.
وكان يعلم ذلك ومع ذلك، تظاهر بالجهل، وأبقاها إلى جواره، مستمرًا في لعبته المجنونة.
لو أعطاها الدواء كله منذ البداية لانتهى كل شيء منذ زمن.
لكنه أجّل الأمر مرارًا.
يا له من تصرف أحمق وعديم الكفاءة إلى أبعد حد.
وكانت هذه هي النتيجة.
أسند رأسه إلى المقعد وأغمض عينيه وانغرست بين حاجبيه تجاعيد عميقة. اقترب تيوبه من نافذة العربة وسأله بحذر:
“لماذا لم تخبرها بأمر الدواء؟ بعد أن ذهبت بنفسك إلى هارت لتحضره.”
أطلق كاسيان ضحكة قصيرة خالية من الفرح.
ما أكثر سخرية أن يقدم ذلك الدواء بعد أن ماتت والدتها بالفعل.
نعم، ربما لو أخرجه أمامها، لخف غضبها قليلًا.
لكن هذا كل ما في الأمر ففي نظرها لم يكن سوى رجل يستطيع توفير دواء نادر لا أكثر ولا أقل.
امرأة تنظر إليه بعينين مليئتين بالازدراء، وتؤكد أنها لم تحبه يومًا
ما الفائدة من أن يريها ذلك الدواء؟
لقد انتهى كل شيء كما كان مقدرًا له أن ينتهي.
رفع ذراعه بصمت، وأسندها فوق عينيه فغمر الظلام بصره.
لكن كلماتها ظلت تتردد في رأسه، كطنين لا ينقطع.
“ندمت على كل لحظة تمنيت فيها أن تبقى حيًا.”
***
حين عاد إلى القصر كانت أول من استقبله دوقة إليز.
ما إن رأت ابنها يعود دون أن يرسل أي خبر، حتى كادت تُغمى عليها من شدة الصدمة.
“بني… كم أقلقتني! وأخيرًا عدت…”
لكن ما أفزعها أكثر كان منظره.
“أأ… أنت بخير؟”
كان جسده مغطى بالدماء، كأنه لم يتلقَّ علاجًا قط.
وجهه شاحب بصورة مخيفة.
لم تستطع أن تصدق أن ابنها عاد بهذه الهيئة.
وبعدما قرأت في الصحف إشاعات موته، وعاشت أيامًا من القلق لم تعد قدماها تحملانها فسقطت جالسة على الأرض.
لكن الصدمة لم تنتهِ عند هذا الحد.
فكاسيان، الذي اعتادت أن تراه دائمًا مهذبًا، أنيقًا، مستقيم القامة كلوحة مرسومة كان الآن في حالة يرثى لها والهالة التي تحيط به كانت مرعبة.
رغم وجهه الشاحب الذي بدا وكأنه قد يسقط في أية لحظة
كانت عيناه الحمراوان حادتين كسيف مسنون.
اختفى تمامًا ذلك الوريث اللطيف الهادئ لعائلة بلانشيت.
ولم يبقَ أمامها إلا مفترس مستعد للانقضاض عندها فتح فمه ببطء.
“إذن…”
ابتسامة شبيهة بالدموع ارتسمت على شفتيه.
“…أنتِ من أحرقتِ المستودع.”
كانت تلك الابتسامة أشد رعبًا من أي غضب.
حتى إن الدوقة إليز لم تستطع إلا أن تبتلع ريقها بصعوبة.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.