الفصل 136: 136
136
الفصل مائة وستة وثلاثون
مرّت عدة أيام منذ أن رتّبت يوريسييل مقتنياتها القليلة، وحملت أمتعتها البسيطة، وانتقلت إلى لورفيا.
كانت لورفيا تتباهى بسماء صافية لا تشوبها غيمة، ومناخ معتدل يبعث على الراحة. أما القصر الذي أعدّه فينسنت على عجل، فلم يكن فخماً أو واسعاً، لكنه كان دافئاً ومريحاً، مناسباً تماماً ليعيش فيه شخصان ومع اقتراب الربيع، اكتست الأرض بالزهور المتفتحة.
لكن، وعلى النقيض من سكينة الطبيعة في الخارج، لم يكن قلباهما قد استعادا سلامهما بعد.
وكما اعتادت في الآونة الأخيرة، استيقظت يوريسييل بعد ليلة مضطربة، واقتطعت لقمة من كعكة البيغل التي حضّرها فينسنت، ثم خرجت إلى الخارج. منذ وصولهما إلى هنا، لم يترك يوماً واحداً يمر دون أن يجهّز لها طعامها أما هو، فكان يزعم دائماً أنه فقد شهيته، فلا يمد يده إلى شيء.
وأثناء خروجها وهي تحمل قطعة البيغل، وقع بصرها على ظهره وهو يقف متجهاً نحو البحيرة.
قالت وهي تمد الطبق إليه:
“تناول هذه على الأقل.”
كلما رأته، كانت كلمة “أبي” تقف عند شفتيها لكنها لم تستطع بعد أن تنطق بها.
نظر إليها فينسنت وهي تتردد، ثم أخذ الطبق منها.
“سآكل لاحقاً، اعتني بنفسكِ أولاً.”
“لكن… أنت لا تأكل أصلاً.”
ابتسم ابتسامة خجولة، ثم أخذ قضمة صغيرة من البيغل.
عندما وصلا إلى لورفيا لأول مرة، راود يوريسييل خاطر واحد.
‘هل يلومني؟’
ألن يكرهني لأنني كنت السبب الأكبر في رحيل أمي عنه؟
لكن ذلك الظن تحطم سريعاً فهو، بوجه شاحب لا يختلف عن وجهها، كان كلما رآها يحاول أن يبتسم.
ولم يترك لها ذلك مجالاً حتى للتفكير في مثل هذه الأمور.
قال وهو يحدق في سطح البحيرة المتلألئ:
“كانت روز تحب مثل هذه البحيرات كثيراً.”
ارتسمت على وجهه مسحة مرارة فقالت بهدوء:
“ليتها جاءت معنا.”
ابتسم ابتسامة باهتة.
“لكنها على الأرجح تشاهدنا من هناك. ربما لا تهتم بي لكنها كانت تحبكِ كثيراً.”
كانت صورة أمها تخفت ببطء مع الأيام لكنها ما زالت حية في قلبها، كأنها تقف إلى جوارها.
وبعد أن مضى بعض الوقت، نهض والدها قائلاً إنه سيخرج قليلاً لتدبير أمر توظيف العاملين في المقاطعة.
ظلت تراقبه حتى اختفى عن ناظريها، ثم استدارت عائدة إلى القصر عندها سمعت صوتاً مألوفاً يناديها من الخلف.
“يوريسييل.”
تجمد جسدها كله.
‘…لا يمكن.’
ذلك الصوت كان بالتأكيد صوته لكن هذا مستحيل.
حتى هذا الصباح، كانت الصحف كلها لا تزال تتحدث عن اختفاء ذلك الرجل بل إن بعضها أعلن موته صراحة.
‘…لابد أنني توهمت.’
وفي تلك اللحظة عاد الصوت مرة أخرى.
“يوريسييل.”
هذه المرة، كان يناديها بثبات، كأنه لا يترك لها مهرباً.
استدارت ببطء وهناك وقف حقاً.
كاسيان دي بلانشيت.
الرجل الذي توسلت إلى السماء أن تراه ولو مرة واحدة لم يظهر أبداً حين كانت ترجوه أما الآن فقد وقف أمامها.
كانت الصدمة أكبر من أن تسمح لها بالكلام.
شعرت وكأن الدم يغلي في حلقها.
قالت ببرود:
“لماذا جئت إلى هنا؟”
كانت تود أن تصرخ:
‘هل ما زلت تعتبر نفسك إنساناً؟ كيف تجرؤ على المجيء إلى هذا المكان؟’
لكنها اكتفت بتوجيه الأسئلة إليه تباعاً أما هو فاكتفى بالنظر إليها بصمت. كانت عيناه الحمراوان غارقتين في ظلام كثيف، حتى بدا لونهما أقرب إلى السواد وعندها فقط انتبهت إلى هيئته.
قطرات العرق على جبينه، وجه شاحب حتى كاد يصبح شفافاً، عينان ترتجفان، أنفاس متقطعة.
كان يبدو مريضاً بل كمن يقف على حافة الموت.
‘…وماذا في ذلك؟’
لم يردد عقلها سوى حقيقة واحدة باردة.
‘هذا الرجل هو من قتل أمي.’
بل تمنت لو أنه مات.
هل كانت تلك الغصة التي تخنق صدرها ستخف لو مات أمامها؟
قالت بحدة:
“بأي حق تأتي إلى هنا؟”
فتح فمه.
“أنا…”
فقاطعته فوراً.
“لا تقل شيئاً. لا أريد أن أسمع أعذارك التافهة.”
رفعت إليه عينيها المحتقنتين بالدموع فوجدته ينظر إليها بوجه مصدوم وكأن كلمة “أنت” التي استخدمتها بدلاً من مخاطبته باحترام كانت طعنة أصابته.
يا للسخرية، وكأن طريقة مخاطبته أهم من موت أمها.
تقدم نحوها ببطء، ووجهه متجهم. حاول أن يحتضنها.
فدفعته بكل ما أوتيت من قوة فتراجع إلى الخلف دون مقاومة.
كان تعبيره المذهول كأنه هو الضحية. وزاد ذلك من غضبها.
حتى في ضعفه، بقيت عيناه الحمراوان تحملان بريقاً غامضاً.
وكانتا تمتلئان بها وحدها حتى ذلك كان مقززاً بالنسبة إليها.
كادت دموعها تنهمر مجدداً لكنها لم تعد تريد أن تبكي أمامه.
عضّت شفتيها بقوة ثم قالت:
“بسببك ماتت أمي.”
ظل صامتاً.
“كيف استطعت أن تأمر بألا يعطوني الدواء بعد الآن؟! وأنت تعرف ماذا كانت أمي بالنسبة إلي! تعرف أنها كانت عالمي كله!”
لم يجب.
“أنت… قاتل!”
في تلك اللحظة، لم يخطر ببالها أنه وريث آل بلانشيت. ولم تفكر أن ما تفعله قد يعد جنوناً كل ما أرادته أن تؤذيه كما آذاها.
“لابد أنك اعتبرت الأمر مجرد لعبة أخرى بالنسبة إليك.”
صمت.
“أعرف… أعرف أنني لا أملك الحق في المطالبة بذلك الدواء.”
صمت.
“لكن إن كنت ستفعل هذا منذ البداية…”
ارتجف صوتها.
“…فما كان عليك أن تتظاهر بأنك تعرفني.”
ثم همست:
“…وما كان عليك أن تتصرف وكأنك ستمنحني كل شيء.”
‘…وما كان عليك أن تكون لطيفاً معي.’
لابد أنه كان يضحك عليها في داخله. امرأة يمكن شراؤها بحبة دواء وحين تنتهي فائدتها يمكن التخلص منها.
شد كاسيان ملامحه، وقال وكأنه يحاول تفسير الأمر:
“يبدو أن هناك سوء فهم…”
قهقهت بسخرية.
“سوء فهم؟ أي سوء فهم؟”
كان منظره وهو يحاول الاقتراب منها مرة أخرى يثير اشمئزازها.
قالت بمرارة:
“لو كنت قد أعطيتني ذلك الدواء قبل أن تذهب إلى ساحة الحرب… لما ماتت أمي.”
تذكرت كيف ترجته ذات يوم وكيف أجابها ببرود:
“لم يحن الوقت بعد.”
كل الذكريات كانت من ذلك النوع.
ثم غطت صورة جسد أمها البارد كل شيء.
قالت وهي تستدير:
“لا تظهر أمامي مرة أخرى.”
‘أنا… من أنقذت حياتك’
أنقذت هذا الرجل، هذا الرجل البشع.
الذي يقف الآن وينظر إلي كأنه هو المجروح.
همست بصوت مرتجف:
“لقد ندمت.”
ارتجف كاسيان.
“ندمت على كل لحظة تمنيت فيها أن تبقى حياً.”
تجمد في مكانه، وقد شحب وجهه تماماً أما هي فاستدارت وغادرت مسرعة، كأنها تهرب.
لم تكن تعرف متى سيعود والدها ولم تكن تريد له أن يرى هذا المشهد المهين. شعرت بنظرات كاسيان تلاحقها من الخلف بإصرار لكنها لم تلتفت.
دخلت غرفتها، وألقت نظرة قلقة من النافذة فرأت ظله لا يزال واقفاً هناك وأغلقت الستائر بعنف فغمرت الظلمة الغرفة.
عندها فقط انهارت وانفجرت بالبكاء.
كانت تظن أن إخراج كل ذلك سيخفف عنها لكن العقدة في صدرها لم تزد إلا تعقيداً، كخيط تشابكت عقده أكثر فأكثر.
***
قال تيوبه بقلق وهو يغيّر الضمادات الملطخة بالدم:
“سيدي… سيحدث أمر خطير حقاً إن استمر الأمر هكذا.”
اتسعت عيناه ذهولاً فالجرح الذي انفتح من جديد كان ينزف دماً قاتماً بغزارة وليس ذلك بغريب.
فما إن استعاد كاسيان وعيه، حتى اندفع إلى هنا مباشرة دون أن يتلقى علاجاً حقيقياً، رغم إصاباته البالغة بل إنه ذهب أولاً إلى هارت بحثاً عن ذلك الدواء الذي احترق ثم جاء إلى هنا.
ضغط تيوبه على الجرح بقطعة قطن، وأطلق زفرة طويلة.
كان الألم لا بد أن يكون لا يطاق ومع ذلك لم يتغير تعبير كاسيان قيد أنملة كأنه نسي معنى الألم أصلاً.
كان تيوبه قد شاهد المواجهة التي حدثت قبل قليل من بعيد، فهز رأسه بيأس.
“لماذا لا تعود لتلقي العلاج أولاً؟”
لم يجب كاسيان فقط أغلق عينيه بصمت وتوالت في ذهنه صورها.
المرأة التي حاول تجاهلها، المرأة التي ما إن رأته حتى تجمد وجهها، المرأة التي أمطرته بكلمات باردة كالجليد.
‘…كنت أعلم.’
كان يعلم أن والدتها قد ماتت ويعلم أنه وصل متأخراً فبعد أن رأى وجهها الشاحب وهي تحتضر كيف له ألا يدرك ذلك؟
لم تكن مخطئة، فلقد أُحرقت الأدوية على يد والدته.
هو من أنقذ والدتها وهو أيضاً من تسبب في موتها.
ولو لم تتورط معه لما مرت بكل هذا.
كانت الفتاة التي بدت هشة منذ البداية قد أصبحت الآن أشبه بظل إنسان وكانت تحدق فيه بكراهية عارمة.
في عينيها الزمرديتين برد قاسٍ يشبه صقيع منتصف الشتاء.
كأنها تقول له:
‘لم أعد بحاجة إليك.’
وكأنه لم يكن سوى أداة لإنقاذ أمها، وللحصول على ذلك الدواء.
قالت إنها ندمت، ندمت لأنها تمنت له النجاة.
وفي تلك اللحظة تحطم زجاجة الدواء في قبضته وتناثرت الشظايا وسالت الدماء السوداء من يده المجروحة أصلاً.
شهق تيوبه وهو يرى القارورة التي احمرّت بالدم، وأخذ يزيل عنها الشظايا مرتبكاً لكن أكثر ما صدمه أنه أدرك أخيراً أن ما كان سيده يتمسك به بكل تلك القوة لم يكن سوى الدواء.
‘…إذن، هذا هو الشيء الذي لم يتركه أبداً؟’
إذن لماذا لم يخبرها؟ ولماذا تعامل معها بتلك الطريقة؟
ازدحمت الأسئلة في صدر تيوبه ومضى الانتظار طويلاً.
وبضيق شديد، رفع تيوبه تقريره قائلاً:
“الكونت ألتن يعيد تشكيل التنظيم الجديد، وداخل آل بلانشيت تعم الفوضى. حتى الصحف تناولت الأمر مراراً.”
كان ذلك يعني أن أوضاع العائلة وصلت إلى مرحلة خطيرة.
لكن كاسيان لم يتحرك، لم يبدُ راغباً في العلاج، ولا في حل مشاكل عائلته. ظل واقفاً في مكانه بعينين فارغتين لا تنظران إلا إلى باب مغلق وكأنه يعتقد أن يوريسييل ستفتحه له في أية لحظة.
فقد بقي لديه أمر أخير، أمر واحد فقط لا بد أن يتأكد منه.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.