مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 135: 135نحو 10 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 135: 135

135

الفصل خمسة وثلاثون 

“…لماذا المشرف هنا؟” 

وسط ذهولها، وقع بصرها عليه. 

كان يقترب من غرفة المرضى بخطوات بطيئة، ووجهه شاحب كأن روحه قد غادرته. حتى يداه كانتا ترتجفان. 

بدت هيئته غريبة، لكنها لم تكن تملك رفاهية الالتفات إليه. 

فعيناها عادتا فورًا إلى والدتها. 

امتزجت همهمات الأطباء بأصوات الأجهزة الطبية، حتى تحول كل شيء في أذنيها إلى طنين متواصل. 

تدفقت الأصوات جميعها إلى عقلها دفعة واحدة، من دون أن تترك لها لحظة لالتقاط أنفاسها ومع كل قطرة دم تتناثر على المعاطف البيضاء للأطباء المسرعين، كان جسدها يرتجف بعنف. 

‘أرجوك…’ 

مسحت دموعها التي كانت تعود لتملأ عينيها، وراحت تكرر في نفسها بلا توقف: 

‘أمي ستعيش… ستتحمل… لا بد أن تتحمل.’ 

لكن بينما كانت صلواتها المفعمة بالرجاء تتحول شيئًا فشيئًا إلى توسل يائس، بدأت الحركة داخل الغرفة تهدأ وحين رأت التعب المرتسم على وجه الطبيب، شعرت وكأن قلبها قد توقف. 

لم تدرك متى انحدرت دموعها حتى ذقنها، وتركت في فمها ملوحة تشبه ماء البحر. 

“سـ… ستكون بخير، أليس كذلك؟” 

هل هذا هو الشعور حين يجف كل ما في الجسد من ماء بسبب التوتر؟ 

كانت أحشاؤها تحترق. 

قال الطبيب بتردد: 

“الأمر هو…” 

ثم طأطأ رأسه. 

“أعتذر… أظن أنه ينبغي أن تستعدي نفسيًا.” 

تجمد عقلها من وقع الصدمة. 

“ما… ماذا تعني؟” 

خانتها ساقاها، فسقطت جالسة على الأرض. 

‘أستعد نفسيًا؟’ 

هل سمعت حقًا ما قاله؟ 

بدت الكلمات بعيدة عن الواقع إلى درجة شعرت معها وكأن أحدهم ضرب مؤخرة رأسها بعنف. 

ولم يستغرق الأمر طويلًا حتى أدركت أن ما قاله حقيقة. 

وعندما التفتت إلى يمينها، رأت أستاذها وقد تجمد مكانه من الذهول. كان يقبض على يده بقوة حتى برزت العروق فوقها. 

تراجع الطبيب محاولًا المغادرة لكن شخصًا اعترض طريقه. 

كان فينسنت، قال بصوت متحشرج: 

“يجب أن تعيش هذه المرأة.” 

“…”

“سأدفع أي مبلغ تطلبونه.” 

“…”

“أرجوكم… فقط أنقذوها.” 

كان الرجاء المكبوت يثقل كل كلمة خرجت من فمه. 

لكن الطبيب لم يستطع إلا أن يكرر اعتذاره قبل أن يغادر. 

وانهمرت الدموع بلا توقف. 

طوال السنوات التي عاشتها مع أمها، لم تكن يومًا واثقة أن هذه اللحظة لن تأتي ومع ذلك لم يكن قلبها مستعدًا إطلاقًا لوداعها. 

حتى بعد أن تحطم الدواء أمام عينيها، في اللحظة التي كان يفترض بها أن تستسلم يبدو أنها لم تستسلم أبدًا. 

وإلا، لما سالت دموعها بهذه الصورة. 

ومن خلال عينيها الضبابيتين، رأت والدتها تكافح لالتقاط أنفاسها. 

وبينما كانت تقف عاجزة لا تعرف ماذا تفعل، تجاوزها مشرفها واتجه إلى جانب السرير، ثم جثا على ركبتيه. 

أمسك بيد والدتها بكل طبيعية. 

ولم يكد دهشها يهدأ حتى سمعته يهمس باسم لم تفهمه. 

“روز…” 

كانت نظرته موجهة إلى والدتها دون شك لكنها كانت نظرة يملؤها الشوق وكأنه يلتقي حبيبته التي افترق عنها منذ زمن بعيد. 

‘مستحيل…’ 

وفي اللحظة التي راودها فيها ذلك الحدس الغريب ارتفعت جفنا والدتها ببطء، لتظهر عينان زمرديتان صافيتان. 

وكأنها استجابت لذلك الاسم ثم خرج من شفتيها صوت خافت لكنه واضح. 

“فين…” 

كانت عيناها الزمرديتان لا تريان إلا فينسنت. 

آه… في تلك اللحظة، اكتملت كل قطع الأحجية. 

فينسنت سيرفيون، إذًا هو والدها. 

والمرأة التي ظل يبحث عنها طوال حياته كانت والدتها. 

كانت النظرات المتبادلة بينهما أصدق وأعمق من أي قصة حب في الحكايات وتذكرت فجأة ما قاله لها يومًا: 

“حتى لو أحبت رجلًا آخر أو تزوجت فلا يهم. كل ما أريده هو أن تكون سعيدة.” 

لكن النهاية لم تكن أيًا من هذين الخيارين بل كانت أسوأ بكثير. 

حتى تلك الأمنية الوحيدة لم يمنحها القدر له. 

الرجل الذي لم يره أحد يبكي قط انهارت دموعه أخيرًا أمامها. 

وظل ينادي بصوت متكسر: 

“روز…” 

وفوق صوته، جاء همسها الواهن. 

“لقد… اشتقت إليكِ.” 

في عيني فينسنت، ارتسمت ابتسامتها الباهتة. 

“شكرًا… لأنك جئت.” 

لم يستطع حتى أن يلمسها اكتفى بالنظر إليها. 

وانحدرت دموعه فوق وجنتيه، لتسقط على وجهها. 

ورغم شحوبها، بقيت ابتسامتها البيضاء الجميلة كما كانت في الماضي. 

تلك الابتسامة التي اشتاق إليها طوال تلك السنوات. 

كيف أمكن أن تعيش في العاصمة نفسها وعلى هذه المسافة القريبة منه من دون أن يعلم؟ بل ولم يعرف حتى أنها كانت تحتضر. 

شعر فينسنت أنه أحمق وكاد يجن. 

قال بصوت مبحوح: 

“لا تقولي ذلك لا تتحدثي وكأنها النهاية… اللعنة.” 

أما روز فشعرت وكأنها عادت سنوات طويلة إلى الوراء. 

ظنت أنها بعدما عاشت باسم “جين” كل تلك الأعوام، نسيت كل ما حدث في العاصمة لكنها لم تنسه فما إن سمعت فينسنت يناديها باسمها حتى عاد كل شيء كما كان. في البداية، حسبته مجرد وهم. 

لكنها الآن كانت تشعر بوجوده الحقيقي. 

لا يوجد أحد ينظر إليها بهذا القدر من الحنان والغضب في آنٍ واحد سوى فينسنت. الرجل الذي اشتاقت إليه عمرًا كاملًا 

كان يبكي لأنه اشتاق إليها أيضًا كطفل صغير. 

لقد رحلت بإرادتها لكن كيف عاش هو بعد رحيلها؟ 

كم اشتاق إليها؟ كم بقي في مكانه، ينتظر المرأة التي غادرت دون أن تشرح شيئًا من غير أن يلومها ولو مرة؟ 

شعرت روز أن لحظتها الأخيرة قد اقتربت وقالت بهدوء: 

“الآن أستطيع الرحيل مرتاحة.” 

شد فينسنت على يدها وكأنه يرفض أن يتركها. 

لكن أنفاسها المتقطعة كانت تخبره بوضوح أن وقتها قد انتهى. 

مسح دموعه برفق وربت عليها ثم نظر إليها للمرة الأخيرة. 

وكان يعرف جيدًا ما الذي يستطيع أن يقدمه لها الآن. 

أن يدعها ترحل بسلام. 

يا لسخرية القدر بعد أكثر من عشر سنوات من البحث عنها حين التقيا أخيرًا لم يبق له إلا أن يودعها. 

خرجت كلمات الوداع التي كان يكره قولها من شفتيه. 

“آسف… لأنني تأخرت.” 

ابتسمت روز بعينين دامعتين ثم أدارت نظرها بصعوبة. 

كانت يوريسييل تقف عند رأس السرير المقابل، تحاول أن تبتسم رغم امتلاء عينيها بالدموع فنظرت إليها روز طويلًا وبدأت تحكي لها الحقيقة التي أخفتها سنوات. 

كيف أحبت وريث أسرة سيرفيون. 

كيف أجبرها رب الأسرة على الرحيل لأنها مجرد فتاة من عامة الشعب. 

وكيف غادرت لتحمي يوريسييل. 

وكيف بقي فينسنت يودعها دون أن يعرف شيئًا. 

انهارت المشاعر القديمة المتراكمة داخل يوريسييل، كقلعة من الرمل جرفها الموج وحين غمرت أشعة الشمس الدافئة السرير، ابتسمت يوريسييل ابتسامة ناصعة. 

تأملتها روز بصمت. 

كانت تبتسم لكن عينيها كانتا تبكيان وعندما رأت ابنتها تحاول إخفاء دموعها، ابنتها التي عاشت حياتها كلها بسببها تجمعت الدموع في عينيها هي الأخرى. 

هناك كانت تقف أغلى كنز حاولت حمايته يوم غادرت قصر آل سيرفيون. لطالما اعتقدت أنها اتخذت القرار الصحيح لكن هل كان كذلك بالنسبة إلى ابنتها أيضًا؟ 

هل كانت الحياة نعمة بالنسبة إلى “إيل”؟ 

‘لو أنك فقط يا فينسنت… كنت رجلًا من عامة الشعب أو لو أنني كنت حقًا ابنة إحدى الأسر النبيلة كم كنا سنكون سعداء.’ 

ورغم أن ذلك لم يكن ممكنًا في حياتها فقد صلت أن تمتلئ حياة هذين الاثنين بالبركة بعد رحيلها. 

شعرت بالفطرة أن أنفاسها الأخيرة قد حانت. 

فنظرت إلى فينسنت بصعوبة، وهمست: 

“أرجوك… اعتنِ بإيل.” 

ابتسم فينسنت رغم الدموع. 

كان يعرف جيدًا لماذا اضطرت إلى الهرب وهي تحمل طفلتهما. 

ويعرف أيضًا أن هذا الوعد هو آخر ما يستطيع أن يقدمه لها. 

لذلك أومأ برأسه. 

وفي تلك اللحظة ارتخت يد روز التي كانت تمسك بيده وأغلقت عينيها ببطء واستقرت على شفتيها ابتسامة هادئة كأنها أخيرًا وجدت السلام. 

ضم فينسنت وإيل جسدها الذي لم يفقد دفئه بعد، وبكيا طويلًا وكأنهما يحاولان تأخير لحظة برودته. 

وكان ذلك في ظهيرة مشرقة يغمرها ضوء الشمس. 

***

بعد أيام في مقبرة تغمرها أشعة الشمس، انتصب شاهد قبر نُقش عليه اسم روز وكان نعشها أفخم وأجمل من أي نعش آخر. 

نعش مرصع بالجواهر النفيسة صنعه فينسنت، لأنه أراد أن يقدم لها، ولو للمرة الأخيرة، أفضل ما يستطيع. 

قال حراس المقبرة وهم يقدمون تعازيهم البسيطة: 

“يبدو أن الطريق الذي سلكته دافئ ومشرق لا بد أنها كانت إنسانة طيبة.” 

أما على شاهد القبر فقد كُتبت العبارة التي أوصت بها بنفسها: 

«رحلت وأنا لم أعرف سوى الحب.» 

وقف فينسنت أمام القبر صامتًا، من دون أن تذرف عيناه دمعة واحدة لكن عندما عاد إلى المصح يرتب مقتنياتها وجد الحجر الذي كانت تحتفظ به دائمًا. 

حينها فقط انفجر باكيًا بعيدًا عن أنظار الجميع. 

راقبته يوريسييل بصمت ثم استدارت تكمل ترتيب أغراض والدتها. كان اكتشاف أن أستاذها هو والدها صدمة كبيرة لكنها تقبلت الحقيقة سريعًا فحين فكرت بالأمر وجدت أنه كان يشبهها في أشياء كثيرة على نحو غريب. 

وبينما كانا يرتبان الأمتعة وصل مبعوث من القصر الإمبراطوري. 

إذ إن الإمبراطور، بعدما علم أن فينسنت وجد زوجته المفقودة وأقام لها مراسم الدفن، راعى ظروفه، فأمر بتبسيط جميع الإجراءات، وأرسل إليه وسام التكريم والمكافأة مباشرة. 

وقد مُنح إقطاعية لورفيا، وهي أرض ثمينة يتنافس عليها النبلاء، إلى جانب وثيقة منحه لقب كونت. 

وبالنسبة لرجل عاش سنوات طويلة مجردًا من لقبه النبيل، كان ذلك مكافأة تستحق الاحتفال لكن لم تظهر على وجهه أي علامة فرح كل ما فعله أنه أعاد النظر مرة أخرى في الوثائق التي تثبت علاقته بها وبابنته. 

وبعد أن انتهيا من ترتيب كل شيء جلس منهكًا. ظل يحدق في السقف مطولًا وكأن ثقل العالم كله قد استقر فوق كتفيه. 

ثم، بعد برهة، جلس إلى جوارها وقال بصوت خافت: 

“ما رأيكِ أن نذهب إلى لورفيا؟” 

‘نذهب نحن.’ 

مجرد تلك الكلمة جعلتها تشعر لأول مرة أنهما عائلة حقًا. 

وأضاف: 

“إذا كنتِ موافقة، بالطبع.” 

لم يكن بينهما أي كلام مواساة. 

لكن مجرد وجود والدها بجانبها كان عزاءً كافيًا. 

كم كان اعتقادها طوال حياتها بأنها لا تحتاج إلى أب، وأنها عاشت بخير من دونه، اعتقادًا ساذجًا. وربما لأن الرجل الجالس أمامها كان أفضل بكثير من كل صورة رسمتها يومًا للأب. 

لقد أمضى حياته كلها يبحث عن المرأة التي أحبها. 

ورغم أنه كان يلوم نفسه لأنه لم يفعل ما يكفي إلا أنه، في الحقيقة، فعل كل ما استطاع أما والدتها فقد اختارت الهرب لتحميها ولم يكرهها والدها على ذلك بل حمل اللوم كله على نفسه وعاش به طوال عمره. 

كانت الرسائل التي أخفتها الأم تحكي قصة حب ملتهبة، حتى إنها بدت بعيدة كل البعد عن الصورة التي رسمها المرض في ذهنها عبر السنين حتى لو لم تسمع تلك القصة فإن كل ما رأته بعينيها كان كافيًا لتتقبل وجود والدها الذي غاب عنها عقودًا. 

ولهذا شعرت أن الرحيل معه ليس فكرة سيئة. 

لم تناده يومًا بـ”أبي”. 

لكنها أرادت أن تبدأ معه صفحة جديدة ولم يعد لديها سبب للبقاء في العاصمة. 

حلمها بأن تصبح موظفة في الإدارة الإمبراطورية وكل ما ربطها بذلك الرجل كان من أجل والدتها أما الآن فقد اختفى ذلك السبب ولم يبق في هذا المكان إلا الألم. 

فوالدتها، التي يكفي مجرد تذكرها لتغرق في الدموع، كانت حاضرة في كل زاوية من العاصمة. 

أما ذلك الرجل فكان حضوره يطاردها أينما ذهبت ولن تستطيع الإفلات من ذكرياته ما دامت هنا بل ربما لن تستطيع نسيانه حتى لو رحلت ومع ذلك كانت تريد الهرب ولو كان هربًا يائسًا. 

رفعت رأسها أخيرًا، وقالت بهدوء: 

“سأذهب… إلى لورفيا.”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.