الفصل 134: 134
134
الفصل مائة وأربعة وثلاثون
انهمرت الدموع في مشهدٍ لا يليق بها، ولم يعد بالإمكان كبحها.
حاولت أن تهدأ، لكن قلبها ظل يخفق بجنون وكأنه لا يستجيب لإرادتها. قبضت على المنديل الذي ناولها إياه مشرفها بحذر، وظلت تبكي طويلًا. وحين انتهت من تجفيف دموعها، كان المنديل قد ابتل بالكامل، لكنها بقيت تشد عليه بقوة، وكأنها تخشى أن تفلت منه آخر ذرة من تماسكها.
وبعد وقتٍ طويل، بدأ الضباب الذي لفّ العالم ينقشع، وعادت الأشياء إلى وضوحها شيئًا فشيئًا.
كان مشرفها يراقبها بصمت لم يواسها بكلمات مبتذلة، ولم يحاول مقاطعة بكائها وذلك الصمت كان أكثر ما هدّأ قلبها.
كلما حاولت أن تنطق، خانها صوتها واختنق في حلقها، فشعرت بنظراته تستقر عليها.
قال بهدوء:
“هل… حالة والدتكِ ساءت كثيرًا؟”
“…نعم.”
ولأول مرة، رأت في عينيه قلقًا صريحًا، وهو الذي اعتاد ألا يُظهر مشاعره. أدار وجهه، وأطلق زفرة طويلة، ثم جلس إلى جوارها.
“لقد بذلتِ كل ما بوسعكِ، فلا تلومي نفسكِ أكثر.”
أفضل ما أستطيع… لقد فعلت المستحيل، ومع ذلك كانت النتيجة دائمًا سيئة.
ألم يكن كل ذلك “الأفضل” بلا قيمة منذ البداية؟
واصل حديثه ببطء:
“هذا يكفي. معظم الناس لا يستطيعون حتى أن يبذلوا ما بذلتِه.”
تسللت كلماته إلى قلبها مباشرة، حتى شعرت أن الدموع ستفيض من جديد، فعضّت شفتيها بقوة.
نظر إليها بعينين يغمرهما الأسى، ثم سأل بصوت خافت:
“هل يوجد شيء أستطيع فعله من أجلكِ؟”
لم يكن من الصعب أن ترسم ابتسامة متكلفة.
في يومٍ كهذا ما الذي قد يكون أكثر إثارة للسخرية من الاستمرار في البكاء؟
“لقد فعلتَ الكثير من أجلي بالفعل.”
“هذا المشروع نجح بفضلك أنتِ. لذا لا تترددي، أخبريني إن احتجتِ إلى أي شيء. أنا فقط أردّ لكِ ما قدمتِه.”
كانت ممتنة لأنه يحاول ألا يحملها أي عبء.
كادت تردد كلمة “شكرًا” كما اعتادت دائمًا، لكنها أطبقت شفتيها.
تذكرت أنه قال لها يومًا إن تلك الكلمة تخلق مسافة بينهما.
“…”
عادت إلى قسم الإدارة، واستجمعت ما بقي من قوتها، وسلمت التقرير الأخير لكنها ما إن وصلت حتى وجدت جميع الملفات التي تركتها على مكتبها قد نُقلت إلى مكتب مشرفها.
“سيدي… هذه الملفات لم تُنجز بعد…”
“اعتبارًا من اليوم، أنتِ في إجازة حتى يصلكِ مني اتصال.”
ارتجف قلبها وشعرت أنها تسببت له بالمزيد من المتاعب.
“أنا بخير.”
رمقها بنظرة خاطفة وقال بهدوء:
“على أي حال، سأذهب للبحث عن ذلك الشخص، ولن يكون لديكِ ما تفعلينه خلال هذه الفترة.”
كانت كذبة واضحة حتى وهو يبحث عنه، فلن تتوقف أعمال الإدارة.
“قد يستغرق الأمر شهرًا… أو أكثر. لذا استريحي حتى ذلك الحين.”
إن كان ذلك الشخص داخل الإمبراطورية، فربما يُعثر عليه خلال شهر أما إن كان خارجها فقد يستغرق الأمر وقتًا أطول بكثير.
وخلال تلك المدة، سيتحمل مشرفها وحده جميع الأعمال المتراكمة، وربما لن يعرف طعم النوم.
كانت تعلم أنه يفعل كل هذا من أجلها.
في الماضي، كانت سترفض عرضه لكنها الآن لم تكن تتمنى شيئًا أكثر من قضاء ما بقي من الوقت إلى جانب والدتها.
منذ أن أودعتها المصح، كانت كل مرة تتجه فيها إلى عملها تثقل قلبها بالرعب.
ماذا لو حدث شيء لوالدتها أثناء غيابها؟
كان هذا الخوف ينهشها في كل دقيقة بل في كل ثانية.
“…شكرًا لك.”
انهمرت دموعها من جديد وهي تنحني له.
***
واصلت رسائل يوريسييل التراكم. كانت تكتبها بعناية، ثم ترسلها، رغم أنها لم تعد تحمل أي أمل وأصبح ذلك التعذيب يتكرر كل يوم حتى لحظة تفقدها صندوق البريد، وهي تتشبث بأملٍ واهٍ، لم تعد تقل قسوة أما والدتها فقد أصبحت تنام لساعات أطول، ولم تعد تستيقظ إلا قليلًا وباتت نوبات السعال المصحوبة بالدم تتكرر، بل إنها كثيرًا ما دخلت في حالات احتضار حقيقية ومع استمرار انقطاع دواء ليبيرو، أخذت حالتها تتدهور بسرعة مرعبة.
ومع ذلك كلما فتحت عينيها أو رأت ابنتها، كانت تحاول الابتسام وكانت يوريسييل تشعر أن الدموع ستخونها كلما أجبرتها على تصديق آمالٍ تعلم أنها كاذبة.
في طريقها لشراء السمك الذي تحبه والدتها، أصبحت عادةً لا تترك أي عددٍ خاص من الصحف دون أن تقرأه.
كانت تظن أن ذلك الرجل سيعود مع الجيش المنتصر.
لكنه اختفى.
وكان ذلك وحده كافيًا ليجعل دموعها تنهمر مجددًا.
شعرت وكأنها فقدت حتى آخر فرصة كانت تستطيع فيها أن تركع أمامه وتتوسل إليه ثم قرأت خبرًا يقول إنه لم يحضر حتى احتفال النصر ومنذ تلك اللحظة، بدأ اليأس يلتهم عقلها.
وجاء في إحدى الصحف:
「إلى أين اختفى كاسيان دي بلانشيت؟ تتزايد التكهنات بأنه أصيب بجروح خطيرة. بل إن داخل أسرة بلانشيت بدأت تظهر مؤشرات على إعادة ترتيب موازين القوى.」
كان الأمر غريبًا.
في البداية، ظنت أنه ما زال يعقد صفقات مع المملكة، أو يجمع غنائم الحرب كما توقع بعض الفرسان.
ظنت أنها مسألة وقت ليس إلا، لكن ماذا لو كان قد مات هناك فعلًا؟
في الماضي، كان مجرد التفكير في موته يجعل قلبها يرتجف.
أما الآن فأول ما خطر ببالها كان الدواء.
منذ أن سمعت أنه أمر بعدم إعطائها المزيد من ليبيرو بل حتى قبل ذلك منذ كل مرة كانت تفتح فيها صندوق البريد الفارغ ومنذ كل رسالة كتبتها وهي تعلم أنها لن تتلقى ردًا عليها كان قلبها يبرد شيئًا فشيئًا كلما تذكرته.
ومع ذلك فالشخص الوحيد الذي بقيت تنتظره هو نفسه.
يا للسخرية، حتى الدموع جفت تمامًا واكتسى عقلها ببرودة قاسية.
نعم، ذلك الرجل الذي يبدو وكأنه لن ينزف قط، حتى لو غُرس فيه سيف لابد أنه سيعود حيًا حتى لو أُلقي به في الجحيم، فهو من النوع الذي سيجد طريقه إلى العودة.
كان عليه أن يعود لأنه إن لم يعد فلن يبقى لديها حتى شخص تحاسبه،كانت تملك الكثير لتقوله له.
هل حقًا أنت من أصدر ذلك الأمر؟ لماذا فعلت بي هذا؟
ما الذي ارتكبته بحقك؟
إن كانت كل هذه الفوضى المجنونة حقيقة فسوف أندم على كل شيء، على اللحظة التي حاولت فيها إنقاذك من ذلك السم، على اللحظة التي تمنيت فيها ألا تموت، وعلى كل مرة خفق فيها قلبي وأنا أنظر إليك.
“…”
لا، في الحقيقة لقد بدأت أندم بالفعل ولهذا كنت أتشبث بأي فرصة لأتأكد لكن كلمات فارس آل بلانشيت كانت لا تزال محفورة في ذاكرتها بوضوح لا يُمحى.
تعثر خطاها، لكنها واصلت السير بلا وعي حتى وصلت إلى المصح وأسرعت نحو غرفة والدتها وقبل أن تبلغ منتصف الردهة، أوقفتها إحدى الموظفات وقدمت إليها سلة.
كانت قد استلمت سلة مشابهة الأسبوع الماضي أيضًا.
وكالعادة كانت مليئة بأنواع مختلفة من الفاكهة.
أما المرسل فكان، كما توقعت، مشرفها فينسنت.
لم يُكتب سوى كلمة واحدة بخط سريع:
“فين.”
لكنها كانت ترى توقيعه على الوثائق كل يوم، فاستحال أن تخطئه.
دخلت الغرفة وهي تحمل السلة. كانت والدتها نائمة.
ومن بين الثمار كانت هناك فاكهة استوائية نادرة لا تكاد توجد داخل الإمبراطورية وهي الفاكهة المفضلة لدى والدتها، لكنها باهظة الثمن وصعبة المنال.
‘هل سافر المشرف إلى دولة أخرى الآن؟’
خطرت لها الفكرة وهي تقشر الثمار واحدة تلو الأخرى.
حاولت أن تقلد الطريقة التي كان نبلاء الإمبراطورية يقدمون بها الفاكهة، حتى خرجت بشكل جميل إلى حد معقول.
وما إن وضعتها في الطبق حتى استيقظت والدتها.
ساعدتها على الجلوس، وأسندت ظهرها بالوسائد حتى ترتاح.
كان وجهها شاحبًا إلى حد يمزق القلب ومع ذلك، ابتسمت لها يوريسييل وأخذت تطعمها قطعة بعد أخرى.
ابتسمت والدتها بخجل وقالت:
“أستطيع أن آكل وحدي لستُ مريضة إلى هذا الحد.”
“بل أنتِ مريضة. ولهذا عليكِ أن تجلسي بهدوء.”
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة.
“حسنًا ومتى سأحظى بمثل هذا الدلال مرة أخرى؟”
تناولت لقمة، ثم سألت وهي تمضغها:
“وهذه أيضًا أرسلها لكِ ذلك المشرف؟”
“نعم. فأنا بارعة جدًا في عملي، أليس كذلك؟”
بدت والدتها فخورة بالسلة.
وربما كانت سعيدة لأن ابنتها تحظى بتقدير مشرفها.
وتبادلتا بعض المزاح وللحظات قصيرة نسيتا كل شيء.
نسيتا المرض، ونسيتا الموت، ونسيتا أن النهاية ربما باتت قريبة.
وبينما كانت والدتها تبتسم وهي تأكل تلك الفاكهة اللذيذة، بدا وكأن قليلًا من الحياة عاد إلى وجهها رغم ثياب المرضى.
أحبّت يوريسييل ذلك المشهد كثيرًا ولذلك بالغت في المزاح، وهو أمر لا تفعله عادة. رفعت السلة وقالت ضاحكة:
“انظري إليها! أليست ضخمة؟”
“…”
“لا يمنحون مثل هذه السلال لأي شخص. إنها تُهدى فقط للعباقرة المميزين مثلي.”
انحنت عينا والدتها كالهلال، وارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها.
وظلت تحدق في السلة بإعجاب لكن ما إن انزلقت عيناها ببطء إلى الشريط المربوط حولها حتى تجمدت ملامحها.
وفي اللحظة التالية استقرت نظراتها على كلمة واحدة.
“فين.”
شعرت يوريسييل بأن شيئًا غير طبيعي يحدث، فالتفتت بسرعة.
لكن بالفعل لم يكن هناك شيء آخر تنظر إليه والدتها سوى تلك الكلمة.
“آه… هذا مجرد توقيع مشرفي…”
ولم تكمل جملتها.
احمر وجه والدتها فجأة ثم انفجرت في سعال عنيف.
“كح… كح…”
ارتجف جسدها كله بعنف، وكأنها أصيبت بنوبة حادة.
ثم هوَت إلى الخلف فاقدة الوعي.
تجمد عقل يوريسييل.
سحبت جرس الاستدعاء، فاندفع أطباء المصح إلى الداخل في لحظات، وأحاطوا بالسرير.
لم تمض سوى دقائق معدودة لكنها بدت لها كأنها دهر كامل .
كل ثانية كانت تنتزع أنفاسها.
امتثلت لأوامر الأطباء، وترنحت مبتعدة حتى التصقت بالجدار.
ولم تستطع إلا أن تراقب حركتهم المحمومة.
رأت الدم يتدفق فوق السرير أكثر بكثير من أي مرة سابقة.
وحين وقعت عيناها على الأسرة الفارغة المحيطة بها اجتاحها رعب لا يوصف. كانت تعلم بغريزتها وحدها.
أن أنفاس والدتها تركض الآن نحو لحظاتها الأخيرة.
امتلأت عيناها بالدموع، فضاع العالم خلف ضباب كثيف.
تسارع تنفسها، واشتعل رأسها بحرارة خانقة.
وفي تلك اللحظة لمحت شخصًا يقترب من بعيد.
ومن خلال دموعها، بدأ العالم يستعيد وضوحه تدريجيًا لتنكشف أخيرًا هوية ذلك القادم.
هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.
حديث الفصل
شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.