مساحة للحكاية، ووقت لك← My arrogant shadow
الفصل 133: 133نحو 8 دقائق قراءة
مساحتك الخاصة

أدوات القراءة

حجم النصاختر الحجم الأنسب لعينيك
18
معاينة مباشرة للخط

لكل صفحة حكاية، ولكل قارئ عالمه.

لون يناسب لحظتك

أي أجواء تفضّل للحكاية؟

مظاهر هادئة للنهار والليل، أو ألوان تختارها بنفسك.

الفصل 133: 133

133

الفصل مائة وثلاثة وثلاثون 

نادى تيوبه سيده مرارًا وتكرارًا، لكن كاسيان لم يُبدِ أدنى استجابة وحين رأى جسده غارقًا في الدماء، لم يستطع إخفاء اضطرابه، فأسرع يتحقق من تنفسه. 

كان النفس ضعيفًا، ونبض القلب مضطربًا. 

ما إن تأكد من ذلك حتى اندفع خارجًا دون إبطاء. 

ولأنه خرج على عجل ولم يتمكن من اصطحاب الطبيب الخاص بأسرة بلانشيت، أخذ يبحث عن أي طبيب في الجوار. 

وما إن عاين الأطباء حالة كاسيان حتى تبدلت ملامحهم. 

تفقدوا نبضه وتنفسه على عجل، ثم تبادلوا النظرات بوجوه قاتمة، عاجزين عن الكلام. 

وسط ذلك الصمت الخانق، كان تيوبه ينتظر وهو يبتلع ريقه بصعوبة، لكنه لم يعد يحتمل فصرخ في وجوههم: 

“ما حالته؟” 

وللمرة النادرة، فقد تيوبه رباطة جأشه لكن غضبه لم يكن موجَّهًا إليهم بل إلى نفسه. 

‘لو أنني أصررت على منعه… لو أنني لحقت به فورًا…’ 

لم يستطع إلا أن يحتقر نفسه لسذاجته. 

فالحارس الحقيقي لا يجوز له أن يطمئن في أي لحظة. 

لقد أخطأ حين تراخى. 

ظن أن سيده، كما في كل مرة، سيعود سالمًا. 

نظر إلى الأطباء الواقفين يتبادلون النظرات بدل الإجابة، فضاق صدره أكثر. 

“سألتكم عن حالته!” 

أمام إلحاحه العنيف، تنحنح أكبر الأطباء سنًا وقال بصوت مثقل: 

“أعتذر…” 

ارتخت ذراع تيوبه فجأة. 

“ما… معنى هذا؟” 

تنهد الطبيب. 

“الجروح التي أصيب بها في ساحة المعركة لم تُعالج كما ينبغي، فتفاقمت حالته.” 

هتف تيوبه بانفعال: 

“إذن متى سيستعيد وعيه؟!” 

خفض الطبيب رأسه. 

“تنفسه ونبضه غير مستقرين للغاية لذلك لا أستطيع أن أجزم بشيء الآن.” 

حتى برزت عروق يد تيوبه وهو يشد قبضته بقوة. 

***

ومنذ ذلك اليوم ظل يضغط على الأطباء بلا هوادة، حتى باتوا يلازمون كاسيان ليلًا ونهارًا، وقد غمرهم العرق البارد. 

وبعد عدة أيام بدأ تنفسه ونبضه يستقران ببطء شديد. 

كان ذلك بفضل جسده الذي صُقل بالتدريب، ودماء أسرة بلانشيت المباركة التي تجري في عروقه. 

ردد الأطباء كلمة “معجزة” أكثر من مرة، ثم خرجوا أخيرًا بعد أن تنفسوا الصعداء أما تيوبه فلم يغمض له جفن. 

ظل ملازمًا لسيده طوال الوقت ومع ذلك لم يستطع حتى الآن أن يصدق كيف انتهى الأمر إلى هذا الحد. 

صحيح أن ذهاب سيده المفاجئ إلى هارت كان تصرفًا متهورًا لكن ما حدث له تجاوز كل تصور حتى لو افترض أن جيش هارت اكتشف هويته فأقصى ما كان ينبغي أن يفعلوه هو اعتقاله واستغلاله كورقة تفاوض، أو المطالبة باعتذار رسمي، أو ابتزاز الإمبراطورية لتحقيق مكاسب سياسية أما محاولة قتله فذلك أمر لا معنى له وفوق ذلك كانت بلانشيت تمثل قوةً تفوق هارت بوضوح. 

‘هل يعقل أن يقدموا على إيذاء وريث أعظم أسرة دوقية في الإمبراطورية لمجرد انكشاف هويته؟’ 

كلما فكر في الأمر ازداد اقتناعًا بأنه غير منطقي فلو لم يكونوا راغبين في إعلان الحرب على الإمبراطورية 

فلن يكون لديهم أي سبب للمساس بوريث بلانشيت. 

عبس تيوبه وهو ينظر إلى الجرح الذي يغطي بطن سيده. 

كان طعنًا عميقًا، عميقًا إلى درجة يستحيل معها أن يكون مجرد تهديد بل كانت ضربة قصد صاحبها القتل منذ البداية. 

‘لو أنهم عرفوا هويته فعلًا لكانوا قيدوه أولًا واستخدموه رهينة.’ 

أما هذا الجرح فلم يكن يحمل سوى نية واحدة. 

القتل. 

وبينما كان غارقًا في التفكير خرج من شفتي كاسيان أنينٌ خافت. 

اتسعت عينا تيوبه. 

اقترب مسرعًا وهو يناديه عدة مرات، لكنه لم يتلقَّ أي رد. 

لم يكن قد استعاد وعيه، لقد كان مجرد صوتٍ خرج بغريزته. 

“يوري…” 

تجمد تيوبه. 

“…ماذا؟” 

همس كاسيان بصعوبة: 

“إيل…” 

لو لم تخنه أذناه فقد كان سيده ينطق باسمها. 

حتى وهو على هذه الحال ما زال يبحث عنها. 

جلس تيوبه في مكانه مذهولًا وحينها فقط لاحظ اليد التي كان كاسيان يقبض عليها بإحكام. 

تمتم بضيق: 

“ولماذا لم يحاول أحد فتحها؟” 

مد يده برفق ليفرد أصابع سيده لكن القبضة كانت أشد مما توقع. 

في تلك اللحظة دخل الطبيب، ثم قال وهو ينظر إليهما: 

“لن تستطيع فتحها. إنه يقبض على شيء بإحكام شديد.” 

قال تيوبه بثقة: 

“دعني أجرب. لا بد أن ذلك يزعجه.” 

شد ملامحه بجدية، لقد أمضى عمره قائدًا لفرسان بلانشيت. 

فكيف يعجز عن فتح يد رجل فاقد الوعي؟ 

لكن مر وقت طويل ومع ذلك لم تتحرك أصابع كاسيان قيد أنملة. 

كانت قبضته ثابتة كالسيف المغروس في صخرةٍ من أساطير القدماء. 

ارتسم الذهول على وجه تيوبه وزفر الطبيب قائلًا: 

“يبدو أن الشيء الذي يمسكه ثمين للغاية. إذا كنت، أيها القائد، لا تستطيع فتح قبضته فلن يستطيع أحد.” 

ثم طلب منه أن يتراجع ليتمكنوا من متابعة العلاج. 

ابتعد تيوبه على مضض ورغم أنه خطر بباله للحظة أن سيده ربما استعاد وعيه إلا أن ذلك لم يكن صحيحًا فقد ظل كاسيان نائمًا بهدوء، لا يتحرك. 

ظل تيوبه يحدق في قبضته ويتمتم في نفسه: 

‘تُرى… ما الذي يتمسك به إلى هذا الحد؟’ 

كان أمرًا يدعو للسخرية فسيده الرجل الذي لم يعرف يومًا معنى الطمع أو الرغبة هو نفسه الذي يقبض الآن على شيء بكل هذه القوة بل إن قصته معروفة منذ طفولته. 

فعندما بلغ سن اختيار الغرض في مراسم الأطفال النبلاء، لم يمسك بأي شيء على الإطلاق. 

ويومها ارتبك منظم الحفل، ثم قال متكلفًا: 

“يبدو أن الصغير سيعيش حياة هادئة، لا تشتهي شيئًا.” 

أكانت تلك الكلمات دعاءً أم لعنة لا أحد يعلم. 

لكن حياة كاسيان مضت فعلًا على هذا النحو. 

حياة لا يحتاج فيها إلى شيء ولا يطلب فيها شيئًا. 

إلا إذا تعلق الأمر بها فكل ما يخص يوريسييل 

كان وحده قادرًا على زعزعة هدوئه. 

امتلأت عينا تيوبه بالقلق وهو ينظر إلى تلك القبضة المغلقة بإصرار. 

***

في البرج السحري كانت التهاني تتبادل في كل مكان. 

“أخيرًا انتهت هذه الرحلة الطويلة.” 

“بالفعل، لقد تعب الجميع كثيرًا.” 

تعانق السحرة وهم يبارك بعضهم لبعض وفي وسطهم وُضع جهاز التتبع المكتمل. فقد أثبتت التجربة الأخيرة، التي انتهت قبل قليل بنجاح كامل، فعاليته بصورة لا تقبل الشك. 

اجتمع السحرة في حلقات صغيرة، يتحدثون بحماس عن المكافآت التي ستمنحها العائلة الإمبراطورية، وعن الجوائز الأخرى المنتظرة. 

وبعد أشهر طويلة من العمل الشاق كان الجميع ينظر إلى الآخر بعينٍ مليئة بالمودة وفي قلب ذلك الجو المفعم بالفرح انفجرت البارونة باوروبين بالبكاء فقد اكتمل الاختبار الأخير بالعثور على ابنتها. 

ولحسن الحظ كانت الفتاة لا تزال داخل الإمبراطورية، وعلى قيد الحياة وبصحة جيدة أما لقاء الأم بابنتها فكان مؤثرًا إلى درجة جعلت أعين الحاضرين تدمع. 

ظلت البارونة تكرر كلمات الشكر بلا توقف، ثم غادرت وهي تحتضن ابنتها وعاد المكان يمتلئ بأحاديث السحرة. 

كما انهالت التهاني على فينسنت. 

قال أحدهم: 

“بما أن المشروع حظي بدعم مباشر من القصر الإمبراطوري، فلا بد أن المكافأة ستكون كبيرة.” 

ابتسم آخر. 

“ربما يمنحونك لقب كونت؟” 

لوح فينسنت بيده مبتسمًا بخجل. 

“لقب الكونت لا يُمنح إلا للأبطال الذين خاطروا بحياتهم في الحرب. أما أنا فلم أفعل شيئًا من هذا.” 

لكن نائب المدير هز رأسه. 

“بل تستحقه تمامًا. أليست العائلة الإمبراطورية تولي المشاريع التقنية اهتمامًا كبيرًا هذه الأيام؟” 

ثم تابع ضاحكًا: 

“لا داعي لكل هذا التواضع يا رئيس الإداريين فينسنت كلما حصلت على مكافأة أكبر حصلنا نحن أيضًا على نصيب أكبر.” 

ضحك الجميع. 

حتى نائب المدير، المعروف بطباعه الحادة، أخذ يكرر اعتذاره عن مواقفه السابقة، وأقسم هذه المرة أن يصلح طباعه فعلًا. 

وسط تلك الحلقة كانت يوريسييل تقف بابتسامة باهتة، أشبه بابتسامة آلة لا تشعر بشيء. 

تداخلت أصوات معلمها ونائب المدير مع أحاديث السحرة لكن وسط كل ذلك كان اسم واحد يتكرر كالشوك. 

كاسيان. 

“أين الراعي الكريم للمشروع؟ يجب أن نشكره ولو مرة واحدة.” 

“سمعت أنه قاد الحرب إلى النصر أيضًا. ومع كل هذا، لا يزال يتبرع للأعمال الخيرية بسخاء. حقًا يا له من رجل عظيم. يبدو أن جميع أفراد آل بلانشيت يتمتعون بذلك النبل والجمال.” 

اسم كاسيان كان حاضرًا في كل مكان. 

أي شارع تسلكه، أي مكان تدخله، ستجد الجميع يمتدحونه. 

والاستثناء الوحيد كان هي. 

وكان ذلك يؤلمها أكثر مما تستطيع احتماله. 

شحب وجه يوريسييل شيئًا فشيئًا ثم لم تعد قادرة على الاحتمال. 

اندفعت خارج القاعة وتقيأت. 

شعرت بنظرات مشوفها المذعورة تلاحقها لكنها لم تعد تملك طاقة للاهتمام خرجت إلى الشرفة وجلست على الأرض. 

داعبت النسائم الباردة وجنتيها فانسابت الدموع الباردة فوقهما. 

أرادت أن تذهب إليه فورًا. 

أن تسأله لماذا فعلت ذلك؟ 

بل في الحقيقة كانت تتمنى لو أنها لم تعرفه أصلًا. 

لو عادت إلى الزمن الذي لم يكن فيه كاسيان جزءًا من حياتها. 

تذكرت والدتها ذلك الصباح بعد أن بصقت دمًا عند الفجر ثم ودعتها مبتسمة وكأن شيئًا لم يحدث. كانت تمسك بعلبة مكملات غذائية تشبه دواء ليبيرو إلى حدٍ كبير. 

ابتلعتها ثم ابتسمت لها ابتسامتها المشرقة المعتادة وقالت: 

“قريبًا… سيصبح كل شيء بخير.” 

وكذبت عليها مرة أخرى. 

جلست أمام الخريطة التي كانت والدتها تنشرها وراحت تضع علامات عليها. 

“سنذهب إلى هنا… وإلى هناك أيضًا.” 

كانت تعدها بمستقبل تعرف تمامًا أنه لن يأتي. 

ورغم ذلك استمرت ترسم لها ذلك المستقبل الوهمي. 

وظلت تحفظ في عينيها ابتسامتها الشاحبة الخالية من الدم. 

وفجأة دوّى في رأسها صوت تحطم القارورة الأخيرة. 

القارورة التي حطمتها بيوشيل. 

المسحوق الذي سحقته تحت قدميها ظل يطاردها كالكابوس. 

كانت ذرات الدواء المتناثرة على الأرض تشبه ساعةً رملية تحمل ما تبقى من عمر والدتها. 

نعم، لقد تحطم كل شيء. 

تحطم المستقبل الجميل وتناثر. 

وانهمرت دموعها بلا توقف، حتى غطت العالم بضبابٍ أبيض. 

ولم تستفق من شرودها إلا عندما ظهر مشرفها أمامها. 

لم يربت على كتفها بحنان ولم يوبخها بقسوة. 

وقف في حيرة، لا يعرف كيف يواسيها ثم سألها بصوتٍ بسيط لكنه كان صادق القلق إلى حدٍ موجع: 

“هل حدث شيء؟”

هنا تنتهي صفحة… وتبدأ حكاية أخرى.

٠٪
مساحة القرّاء

حديث الفصل

شارك انطباعك أو اقرأ ما يقوله الآخرون.